*نورا العربية لا تغادر بيت الدمية

مهدي بندق
mbondoq@gmail.com

2006 / 11 / 20

للهيمنة Hegemony أن تدافع عن نفسها قائلة إنها عنصر أصيل من عناصر الوجود، ليس الوجود الإنساني فحسب، بل والوجود البيولوجي والفيزيائي ذاته. فالكائنات الحية لا تبقى إلا بالتهام كائنات حية أخرى، والمادة من الذرة إلى السدم النجمية لا تستمر في البقاء إلا وفقاً لقوانين الجاذبية، والضغط، والديناميكية الحرارية بتناقضها المذهل ما بين ثبات كمية الطاقة وبين تشتتها الأنتروبي Entropy، فكل ما في الكون إذن خاضع لغيره، ومسيطر على غيره. بيد أن الجبرية المطلقة Absolute Determination التي تبدو ظاهرة في الكون والحياة، كان من شأنها أن تخلق نقيضها، وفقاً لقانون التعدد الذي هو أيضاً عنصر أصيل من عناصر الوجود، فكان أن ظهرت فكرة الحرية، لا في البداية، وإنما بعد أن بلغ الكون الدرجة الرفيعة من تطوره، الذي بدأ من المادة غير العضوية إلى المادة العضوية، ثم إلى الحياة، فالحياة الإنسانية التي أنجبت الفن، والفكر، والفلسفة.
ولعل تاريخ الفلسفة منذ طاليس وحتى ميشيل فوكو أن يروي لنا كيف حاول البشر بدأب التخلص من سيطرة الطبيعة عليهم، مستخدمين في ذلك وسيلة المعرفة. فالمعرفة تمنح صاحبها القدرة على التحرر من قيود المكان والزمان، وبها اخترع البشر العجلات فالسيارات، فالطائرات، فالصواريخ التي تحمل السفن إلى الفضاء الخارجي، وبقى أن تتنامى معرفة البشر بأنفسهم حتى تصل إلى درجة تحريرهم من عسف بعضهم بالبعض، ومن استغلال أغنيائهم لفقرائهم، وأقويائهم للضعاف منهم،... وذكورهــم للإناث اللائي يخلدون إليهن طالباً للمتعة والنسل.
الهيمنة إذن، والسعي للتحرر منها صورتان من صور الوجود الإنساني على وجه التحديد، وكأن الكون –متجلياً في أرقى أشكاله- قد أصبح بشراً أقواماً، قادرين على مسائلته، عاملين على تصحيح رؤيته لنفسه، حتى لا يظل على توهمه أنه كون واحد وحيد، ومن ثم يعترف بأنه أحد الأكوان التي قد تـُرى، وقد لا تـُرى، تتصادم أو تتلاقى في ملحمة لا يمثل تاريخ البشر ومستقبلهم إلا صفحة من فصل صغير فيها.
هل ترى قد دار شيء من هذه التأملات بخلد هنريك ابسن وهو يعد العدة لكتابه رائعته بيت الدمية عام 1879؟ أغلب الظن أنه كان يفكر على الأقل في مبدأ الحرية.. والذي لا يكون المرء إنساناً إلا به، وهذا هو ما دعا برنارد شو إلى تأليف كتاب كامل بعنوان جوهر الابسنية Quintessence of Ibsenism. ولو أننا تفهمنا جيداً غرض هذا الكتاب الخطير الذي يدعو المرء إلى الانفصال عن الغير، لكي يتوصل بتجربته الحرة إلى الاتصال؛ لقلنا إن "نورا" التي صقلتها تجربة الزواج المغشوش، قد خرجت منها امرأة واقعية Femme de facto بعد أن أسقطت هذه التجربة ُ الأليمة ُ الوهم َ المثالي القائل: إن المرأة الكاملة مخلوق في ذاته، وليس مخلوقاً لذاته.
وإذا كان بعض النقاد الشكسبيريين – مثل ريموند وليمز- يلقون باللائمة على ابسن لإدخاله مبدأ المناقشات في الفعل المسرحي، باعتبار أن تلك المناقشات لا تمثل مواجهات حية بين أناس حقيقيين؛ فإن شو منتصفاً لابسن يقول: "لقد وضعنا شكسبير فوق خشبة المسرح، أما ابسن فقد وضع لنا مواقفنا".. والحق أن مقارنة ابسن بشكسبير إنما هي مقارنة بين نوعين من الكائنات الحية، لكل نوع وظيفته الخاصة به. فشكسبير طائر غرد يتمتع ويمتع في بساتين الملوك والأمراء، لا يحمل على ظهره أو بين جناحيه قضية محددة، ومن هنا جاء سحره وخلوده، أما هنريك ابسن فأشبه ما يكون بشغالة نحل ثورية، مهمتها إعداد الطعام السائغ لأجيال الخلية، وما كان طعام ابسن لهذه الأجيال إلا لمعاونتها على الخلاص من هيمنة الملكة، وما كانت تلك الملكة في ذهن ابسن إلا الثقافة الدنماركية والسويدية الرامية إلى طمس السمات الخاصة للنرويج، تمهيداً لتذويبها في وحدة اسكندنافية متعسفة، وما كانت نورا –في أحد مستوياتها الرمزية- وهي تصفق خلفها باب بيت تورفالد، إلا النرويج المتعطشة إلى الحرية، الباحثة عن هويتها عبر الممارسة Praxis لا من خلال الإذعان لنموذج سابق التجهيز. ذلك أن الوحدة حين يراد لها أن تكون غاية للأفراد والأمم، فإنها لا يمكن أن تتحقق إلا عن الطريق القويم الوحيد، الذي هو الاستقلال أولاً.. فالاستقلال –قرين الحرية- هو ما يمنح الوسائل والغايات شرعيتها الوجودية.
كان ابسن قد بلغ الستين حين كتب مسرحية "بيت الدمية"، أي بعد أن بلغ قمة النضج المعرفي سياسياً واجتماعياً، ولا ريب أنه قد تأثر كذلك بفلسفة سورين كيركجورد (1813-1855) القس البروتستانتي الذي رفع إلى المستوى الفلسفي أفكار لوثر، وكلفن عن ذاتية العلاقة بين الإله والإنسان، دون وسيط مؤسساتي مهيمن، ولا مراء في أن الفرد، في هذا الوعي الفكري الجديد، مقصود به كل رجل، وكل امرأة دون تفريق (وهل نضيف كذلك كل أمة وأخرى؟) فلا عجب إذن أن تعد الوجودية فلسفة تحرير، بجانب الماركسية التي كانت قد بدأت تغشى العالم الأوروبي منذ عام 1848، وإن لم يمتد تأثيرها إلى أعمال ابسن، اللهم إلا خيوطا رفيعة في مسرحية "عدو الشعب"، ولا تثريب عليه في ذلك، فوجود المرء في مجتمع معين -كما يقول ماركس- هو الذي يحدد له فكره وليس العكس. إنما يكفي هنريك ابسن شرفاً أنه حرك بأعماله المسرحية -وفي مقدمتها "بيت الدمية"- بركة المياه الآسنة في الثقافة الأوروبية.
أما ثقافتنا العربية -ومصر في طليعتها- تلك التي تعرفت على الوجودية والماركسية معاً مكتملتين ومتكاملتين منذ خمسينات القرن الماضي، فلقد بات عليها أن تجيب عن هذا السؤال:
- لماذا لم يستطع أدبها أن يخلق نموذج "نورا" عربية، سواء في مستواها الواقعي، أو مستواها الرمزي، اكتفاءاً بإنتاج نماذج، ربما كانت شبيهة ببطلة ابسن في بعض النواحي، لكنها عاجزة عن التأثير في المجرى الثقافي العام!
يمكننا بالطبع أن نلخص الإجابة في رؤوس موضوعات، مثل تجذر ممارسات الطغيان الشرقي، المرتكز على ما يسمى بالنمط الآسيوي للإنتاج بحكومته المركزية المستبدة، ومثل توريث ثقافة الإذعان الناجمة عن الرضا بالعيش القليل، وكراهة المغامرة، ونبذ مشاريع الهجرة بعد أن ذاق الناس طعم الاستقرار في واد سهل وتحت ظل مناخ معتدل، و ربما يضاف إلى هذين العاملين عامل جديد هو "توطين الأصولية"، سواء من خلال المسيحية الوادعة أو الإسلام المحافظ.
رؤوس الموضوعات هذه تحتاج إلى تفصيل بطبيعة الحال، وذلك ما ادرجناه بكتابنا المعنون "البلطة والسنبلة.. دراسة في تحولات المصريين" وإنما سنحاول هنا التماس تمظهراتها في بعض الأعمال الأدبية التي تعرضت لقضية المساواة بين المرأة والرجل باعتبارها قضية محورية على الصعيدين الاجتماعي والسياسي. إذن فلنتوجه إلى تلك الأعمال الأدبية المختارة كأمثلة، نسائلها وتسائلنا.
برغم التقدمية الظاهرة في خطابها الروائي، لا تنجح الأديبة لطيفة الزيات في حمل قضية تحرر المرأة إلى مقدمة المسرح الثقافي، فالبطلة "ليلى" لا تمضي في تمردها حتى النهاية، وآية ذلك ما نراه في رواية الباب المفتوح من نجاح ليلى في إنشاء علاقة عاطفية بديلة عن الأولى -الفاشلة- تحت نفس الشروط الاجتماعية التي تقمع المرأة وتشيؤها. وما ذلك إلا لان المحب الجديد كان منخرطاً في حركة مقاومة وطنية تسعى للتحرر من المحتل الأجنبي. لكن علينا الإقرار بان الانخراط في مقاومة المحتل الأجنبي يظل فرض كفاية يقوم به القادرون من الشباب فتية أو فتيات، بينما تحَرَرُ الفرد من قيود مجتمعه القمعية لا يمكن ألا أن يكون فرض عين، فلا أحد يستطيع أن يحررك من قيدك الشخصي ما لم تكن أنت بادئاً بالمقاومة، ساعياً إلى تحرير الذات. فهل صحيح أن تحرير الوطن يؤدي تلقائياً إلى تحرير المرء داخل جماعته الوطنية؟ سؤال يجد إجابته قاطعة ً في التطورات السلبية التي أحاطت بالمجتمع المصري منذ أن ظهرت طبقة برجوازية ٌ بيروقراطية -بعد اندحار العدوان الثلاثي- راحت تلتهم فائض قيمة العمل الاجتماعي تحت لواء العسكرتاريا، تلك التي تسببت بعد أعوام قلائل في إنزال هزيمة مروعة بالوطن جميعه، بقدر ما تسببت حليفتها البيروقراطية -بجمودها وتحجرها ونهمها الأناني- في إفشال مشروع التنمية الرأسمالية (كان اسمه الحركي الاشتراكية العربية) مما أفسح المجال للقوى السلفية بفكرها الأصولي أن تسود.
لكن الكاتبة لطيفة، تنهي روايتها بالتبشير بفكرة ساذجة، تزعم أن الحب كفيل بحل التناقضات الإيديولوجية، ومن هنا فإن البطلة ليلى التي شاركت حبيبها في مقاومة المحتل، لا تجد بأساً في الزواج من رجل يملك حق تطليقها بإرادته المنفردة، وحق الجمع بينها وبين زوجات أخريات، ما دام الحب هو دافعها للزواج من مثل هذا الرجل! والحق أن الكاتبة اليسارية نفسها التي تزوجت من مثقف يميني محافظ، إنما كانت تعلن بهذا الحديث المراوغ عن الحب، قبولها للنزعة الأصولية الكامنة فيها، حتى وإن رأيناها تتمرد -ظاهرياً- على لسان بطلتها صائحة "لا يوجد شيء اسمه الأصول" بينما يكشف تكنيك السرد في الرواية عن عروق أصولية تلمع تحت القشرة الأرضية في ثقافتها، يشي بها لجوء الكاتبة إلى راو ٍ عليم بكل شيء، إضافة إلى تنميط الشخصيات، والانحياز إلى جانب من جوانب الصراع انحيازاً غير مبرر فنياً على الأقل، وكلها سمات لأدب تقليدي، يفتقر إلى الوعي الحداثي الرامي إلى تفكيك الخطاب السائد ثقافياً بأدوات مبتكرة، بالتوازي مع إبداع خطاب جديد مغاير.. نسبي إنساني، وموضوعي محايد.
وهكذا نرى أن الباب الذي فتحته لطيفةـ لم يكن ليفضي بالمرأة المصرية إلا للانخراط في التجربة الناصرية، التقدمية اسما ً، والأصولية في بنيتها العميقة، المؤكدة للهيمنة على مستوى الأفعال. وآية ذلك أن الناصرية لم تفكر قط في القيام بفصل الدين عن الدولة (على نحو ما فعلت الكمالية في تركيا) بل على العكس أسهمت في تعميق الدلالات الدينية، ليس فحسب على المستوى السياسي (لجوء عبد الناصر إلى الأزهر إبان العدوان الثلاثي) بل وأيضاً على المستوى المجتمعي بتعديل نظام التعليم في الأزهر للسماح بتخريج مهندسين وأطباء ومحاسبين أصوليين، وكذلك بفرض مادة الدين كمادة أساسية في كل مراحل التعليم قبل الجامعي، وإنشاء إذاعة خاصة للقرآن الكريم.. وما كان ذلك نتاج ورع وتقوى قادة يوليو (وإلا لسلموا السلطة طواعية للإخوان المسلمين) وإنما جرى بغرض تأميم الدين، في مزايدة على ممثليه السياسيين (=الإخوان) ومنعهم من استخدامه، ليظل حكراً للدولة، مثله في ذلك مثل شركات ومصانع القطاع العام. فكان الحصاد الأخير لهذه السياسة اضفاءَ طابع مزدوج، تلفيقي ما بين التقدمية والأصولية على الممارسات الثقافية (كان يعبر عنها تحت عنوان الأصالة والمعاصرة) وذلك لمسايرة الأغراض السياسية للدولة، التي لم يكن من بينها إطلاقاً هدم الأسس الثقافية للمجتمع الذكوري الأبوي. وكيف للناصرية أن تفعل وهي التي ما قامت إلا باستلهام النموذج البونابرتي الهيراركي Hierarchy الذي يهيمن على المجتمع، فارضاً رؤيته وقيمه الخاصة على الجميع باسم الثورة وباسم الفقراء الذين سـُـتبنى لهم الاشتراكية شريطة ألا يزعجوا الدولة أو أنفسهم في محاولة الاشتراك في بنائها.
قبل عامين من صدور الباب المفتوح، أي في عام 1958 كان إحسان عبد القدوس، فتى الرومانسية الثورية في مصر، قد نشر روايته "أنا حرة" ليطابق بين شخصيته الحالمة المنكسرة، وبين شخصية البطلة المتمردة في البداية والمستسلمة في آخر الأمر للنموذج الأنثوي الذي يطبخ ويكنس باسم الحب، تلك المطابقة التي تشير إلى هيمنة النسق سوسيولوجياً (بما تعنيه السوسيولوجيا من جدلية الاقتصاد بالسياسة بالثقافة) حيث نرى اندياح الأفراد داخل حقل معرفي بذوره الليبرالية الانتقائية، وثماره الاستسلام لهيمنة القوى الصاعدة، ممثلة في عسكرتارية يوليو، شريطة أن يتقنع هذا الاستسلام بقناع الحب، حيث لا تثريب على المُحب إن هو نزل عن حريته ارضاء للحبيب. وهو بالضبط ما فعله عبد القدوس حين قبل دعوة عبد الناصر للعشاء ليلة الإفراج عنه من السجن الحربي. وهكذا فعلت بطلة روايته في مراوغة ذاتية، يتم بفضلها التنازل عن مشاريع تطوير الهوية، بدعوى الثبات الانطولوجي لقيمة الحب.
***
تصر الثقافة العربية على أن الهوية Identity قرينة الثبات، دون التفاف منها إلى أن العكس هو ما تشير إليه شواهد الحال. فـ "الأنا" ليس إلا ذلك المتغير من الشكل الجنيني إلى الهيئة الطفولية. إلى الصبا والشباب، فالكهولة والشيخوخة. لكن الوعي العربي الجمعي الذي يخشى المواجهة، لا يلبث حتى يعدو بعيداً عن رعب الوجود. محتمياً بكهف الوهم الأثير الذي يسميه "الأصول" Fundament وهو كهف تعرفت عليه البداوة أولاً، ثم راحت الحضارة تلون جدرانه وتضيء سقوفه بنصوص Texts خلعت عليها صفات القداسة (راجع ديكريتو العقيدة الصحيحة التي فصل بنودها الخليفة القادر العباسي، وبمقتضاها اندفع ابنه الخليفة القائم ليقتل ويعذب وينفي خصومه من المعتزلة والشيعة والمتصوفة بدء من العام 1040 ميلادي =433 هـ) ومنذ هذا الوقت فإن الأصولية Fundamentalism بما تعنيه من تمركز على نصوص تُتخذ معياراً للمعرفة ومقياساً للحقائق، صارت توقع في شباكها الجميع. وحتى الذين رغبوا في تطوير العلاقات القانونية لتتلائم مع متغيرات العصور، كان عليهم أن "يرجعوا" إلى "النصوص" لتأويلها، غير مدركين أن التأويل Interpretation إنما هو دليل في حد ذاته على أن هذه النصوص قد صارت -بمحاولة إعادة تفسيرها- خارج الواقع التاريخي الذي أنتجها في وقتها.
ذلك ما نستبينه واضحاً في المحاولة الأدبية الأنثوية الثالثة، والتي خاضتها بشجاعة غير منكورة، الكاتبة حسن شاه في روايتها التي تحولت إلى فيلم سينمائي باسم "أريد حلاً" فالبطلة التي أعلنت رفضها العيش مع زوج خائن، والتي راحت تخوض معركة شرسة في المحاكم الشرعية لكي تنهى هذا الزواج، لا تلبث حتى تذهب إلى الاستعانة بنفس النصوص الشرعية. وبالطبع لم يكن لها أن تكسب المعركة. ولقد يرى البعض أن الرواية والفيلم قد حركا المياه الراكدة، حتى أن الدولة (بعد ربع قرن !!) أصدرت القانون رقم (1) لسنة 2000 لتساوي بين حق الرجل في إيقاع الطلاق وحق المرأة في الانفصال، اتساقاً مع المادة 40 من الدستور. أما الذين يستبصرون المسألة الاجتماعية بعمق أكثر، فيرون أن "الخلع" الذي لا يتم إلا بمصادقة القاضي الشرعي -باعتباره ولي أمر الزوجة- يظل إجراء لا يعترف بحق المرأة في أن تكون سيدة مصيرها، وهذا هو لب القضية، لمن يريد مقارنة شخصية "نورا" الابسنية بأية شخصية أنثوية في الأدب العربي المعاصر، حيث الشخصية الأدبية تعبير جدلي عن ثقافتها السائدة، إلا في حالتين: الأولى : أن يلجأ الكاتب إلى آلية الخيال الممنهج بأن يخترع شخصية إنسانية عامة (على نحو ما فعل كاتب هذه السطور في مسرحيته الشعرية "ريم على الدم") لتكون نموذجاً مطلوبا ً، لا مرجعية له في الماضي أو في الحاضر، أو قل لتكون بشارة لمستقبل لم يأت بعد، الأمر الذي يقلل من تأثيرها في الواقع المعيش.
وأما الحالة الثانية، فقيام الكاتب بتصوير نمط من أشباه "الخوارج" المهمشين لا بإرادتهم، بل جراء نبذ المجتمع لهم، على غرار ما فعلته الكاتبة نوال السعداوي في روايتها "امرأة عند نقطة الصفر" التي تقص فيها عن عاهرة ترفض الانصياع للقيم السائدة فيتم إعدامها بتهمة القتل، لتعقبها برواية "سقوط الإمام" تتشفى فيها من السادات بوصفه رمزاً للهيمنة الذكورية الأبوية، دون التفات من الكاتبة إلى أن القتلة كانوا رجالاً لا نساء ً كما كانت البطلة تحلم!!
والمفارقة Paradox في مثل هذا النوع من التسويق الأدبي للفكر الأنثوي "المغتاظ" أنه يقدم نفسه للقارئ بهيئة النموذج المضاد Anti-Model داخل بنية الهيمنة، مستبدلاً مهيمناً جديداً (=الأنثى) بالمهيمن الحالي (=الذكر) دون تغيير للبنية ذاتها، وهذا النموذج المضاد ليس من شأنه أن يشجع أحداً على الاقتداء به، أو على انتهاج نهجه، بعكس نموذج نورا المناقض للهيمنة ذاتها، ويتضح ذلك من الكلمة التي ألقاها ابسن عام 1898 أمام الجمعية النرويجية للدفاع عن قضية المرأة إذ قال ثمة: "إنني لا أتبين ما هية قضية المرأة، لقد كانت المسألة بالنسبة لي مسألة إنسانية". فذلك بالضبط ما أثار مناقشات بناءة ً في الأوساط الثقافة الأوروبية، مما دعا الحكومات إلى إصدار تشريعات المساواة الكاملة بين النساء والرجال في الحقوق الشخصية والسياسية تباعاً عبر العقود الأربعة التالية لظهور مسرحية بيت الدمية عام 1889.. بعدها تأكدت هذه المساواة قانوناً على مستوى العالم بصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عن الأمم المتحدة عام 1947.
***
لقد وقعت الدول العربية جميعها على ميثاق الأمم المتحدة، المتضمن الاعتراف بهذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، دون تحفظ إلا من السعودية (تحفظت على منطوق المادتين السادسة عشرة، والثامنة عشرة والمتعلقتين بإنشاء الزواج وفضه) ولكن هذا التوقيع لم يمنع الدول العربية الموقعة من مخالفة أحكامه -عدا تونس- فيما يتعلق بنظم الأحوال الشخصيةـ بحجة خصوصية الثقافة العربية الإسلامية، وهي حجة لم تمنع من الانسياق للنموذج الغربي في طرز المعمار، والملبس ووسائل الانتقال والترفيه..الخ، والأهم من هذا كله أنها حجة لم تمنع الإبقاء على جوهر الهيمنة (الذي يمارسه الغرب عليها اقتصادياً وسياسياً) لتمارسه هي كلياً على شعوبها.
وكما بدأنا في أول هذه الورقة بقولنا إن جوهر الهيمنة واحد في كل مكان، وإن تعددت أشكاله الثقافية ما بين مجتمع وآخر، فإننا لا غرو ننتهي إلى القول بأن للهيمنة نقيضاً -مثل كل شيء آخر في الوجود- ألا وهو سعي الكائنات الحية إلى التحرر، وسواء نجحت في ذلك أو لم تنجح، فإن مجرد المحاولة لقمينة بأن تجعل من أصحابها أبناءً لـ "نورا" وخصوماً لـ " تورفالد هيملر" بكل ما يمثله من قيم الأنانية، وتحجر القلب، والعمى العاجز عن رؤية الآخر المختلف.

__________________________________________

* محاضرة ألقيت بمؤتمر ابسن بين الغرب والشرق بالمجلس الأعلى للثقافة - 2006



http://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة