مشرف و نساء باكستان

عبدالله المدني

2006 / 12 / 18

أقدمت باكستان مؤخرا على ما يمكن اعتباره خطوة تاريخية نحو رفع بعض الظلم الواقع على المرأة في هذا البلد المسلم المعروف بتقاليده المحافظة و هيمنة الذكور على مقدراته و شئونه، لكن الذي عرف أيضا بتكرر حالات الاعتداء الجنسي على النساء.

فقد مرر مجلسا النواب والشيوخ بالأغلبية مؤخرا مشروع قانون جديد يلغي بموجبه بعض أحكام قانون العقوبات في قضايا الاغتصاب و الجرائم الجنسية الذي كان قد أصدره الرئيس الأسبق ضياء الحق في عام 1979 زمن ضمن مشروعه لأسلمة المجتمع و تطبيق أحكام الشريعة. وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تتيح فرصة أكبر أمام النساء من ضحايا الجرائم الجنسية للحصول على أحكام عادلة ضد من اعتدوا عليهن دون الحاجة إلى توفر الشرط المتضمن في قوانين الحدود الشرعية السابقة، ألا و هو وجود أربعة شهود عدول ذكور. هذا الشرط الصعب الذي كثيرا ما استغله المجرمون للإفلات من القصاص، و منع الضحايا في الوقت نفسه من اللجؤ إلى العدالة، خاصة و أن فشلهن في إحضار الشهود الأربعة كان يعني اتهامهن تلقائيا بالزنا ومعاقبتهن بالرجم. و رغم أن مثل هذه الوقائع ظلت تتكرر في البلاد، و لاسيما في المناطق القبلية والريفية، منذ أمد طويل، فان ما جعلها تحظى في السنوات القليلة الماضية باهتمام إعلامي داخلي و خارجي غير مسبوق هو حادثتان محددتان: الأولى اغتصاب فتاة كفيفة تدعي " صفية بيبي" التي فشلت بطبيعة الحال في إثبات تعرضها لذلك و بالتالي اتهمت بالزنا، والثانية حادثة الاغتصاب الجماعي التي تعرضت لها امرأة تدعى " مختاران مي" بأمر من احد الزعماء القبليين كعقوبة ضد أخيها الذي ارتبط بإحدى بنات القبيلة سرا.

و يمكن القول أن الفضل في هذا الإنجاز الذي قابلته قوى الإسلام السياسي و تنظيماته بموجة هستيرية من الرفض و التظاهر بحجة مخالفته للشريعة و هوية البلاد الإسلامية، بل الذي وقفت منه بعض القوى السياسية الأخرى أيضا موقف العداء من منطلق خصومتها لرئيس البلاد الجنرال برويز مشرف ليس إلا، يعود إلى الجهد الدؤوب للمنظمات النسوية و الحقوقية الباكستانية عبر أكثر من عقدين من الزمن، و إلى نشاط سيدات رائدات من أمثال أسماء جهانغير و هناء جيلاني وجميلة اسلم وطاهرة عبدالله و أنيسة هارون و فوزية بورني و غيرهن ممن ناضلن طويلا في الداخل و الخارج من اجل هذا الهدف، ناهيك عن جرأة بعض ضحايا الجرائم الجنسية اللواتي قمن بإيصال أصواتهن إلى العالم الحر.

غير أن الفضل يعود أيضا إلى الجنرال مشرف، الذي كان قد أغضب نساء بلاده في سبتمبر 2005 حينما ذكر في مقابلة مع صحيفة واشنطون بوست الأمريكية أن بعض الباكستانيات يعرضن أنفسهم للاغتصاب أو يفبركن القصص طلبا للشهرة أو المال أو تأشيرات الإقامة في الغرب، الأمر الذي اعتبرته المنظمات المحلية المدافعة عن حقوق المرأة بمثابة إنكار ونفي رسمي لوقوع حوادث الاغتصاب المتكررة في المجتمع الباكستاني. إذ لولا وقوف الزعيم الباكستاني بنفسه خلف مشروع القانون الجديد ضمن سياسته الرامية إلى نشر الاعتدال و التنوير في البلاد، لما تحقق شيء. و الحقيقة انه لأول مرة منذ قيام الكيان الباكستاني يتجرأ رئيس الدولة، و معه الحكومة ومؤسسة الجيش، على اقتحام ملف شديد الحساسية كهذا الملف، غير آبه بانتقادات الجماعات الإسلامية و القبلية المتشددة و ما روجته بين العامة من قرب تحول البلاد إلى مرتع للفاحشة والزنا.

و يبدو أن في جعبة مشرف المزيد على هذا الصعيد. ففي كلمته أمام مؤتمر "المنتدى الاقتصادي الإسلامي" حول التنمية في الدول الإسلامية و الذي استضافته إسلام آباد مؤخرا، أعلن مشرف عن إصراره على المضي قدما نحو تعزيز قدرات نساء بلاده اللواتي يشكلن اليوم أكثر من نصف عدد السكان البالغ نحو 160 مليون نسمة، بغية مساعدتهن على احتلال مواقع أكثر تأثيرا في الشأنين السياسي و الاقتصادي. وهو لئن اعترف بأن الحديث عن مساواة الرجل بالمرأة في المجتمعات الإسلامية أكثر سهولة من تطبيقها على ارض الواقع بسبب التقاليد و العادات المحافظة، و الصراع ما بين أنصار الحداثة و الموروث، فانه ذكر بأن أحد أهم وسائل التصدي هو تمكين المرأة اقتصاديا كي تستقل ماليا عن الرجل ولا تبقى تحت هيمنته.

أما في اليوم العالمي للمرأة فقد تعهد مشرف القيام بإصلاحات أخرى من اجل القضاء تدريجيا على ما أسماه بالممارسات الاجتماعية الظالمة، مشيرا إلى قرب تقدم الحكومة بمشاريع قوانين تستهدف القضاء على ظاهرة تزويج الفتيات إجباريا أو بيعهن باسم الزواج، و ظاهرة استيلاء الأزواج على حقوق زوجاتهم في الميراث. و في الوقت نفسه حث الباكستانيات على عدم التصويت في الانتخابات القادمة في أوائل 2008 للقوى المتشددة و الشخصيات المعارضة للإصلاح، مذكرا إياهن بأن مستقبل البلاد و ازدهارها يعتمد على حجم مشاركتهن في الاستحقاق الانتخابي القادم بكثافة وطريقة تصويتهن.

و الحقيقة أن باكستان قد تبدو من الظاهر بلدا حصلت النساء فيه على جل حقوقهن، و لاسيما حينما تذكر " بي نظير بوتو" التي دخلت التاريخ كأول امرأة تتولى السلطة في دولة إسلامية. فإضافة إلى البرلمان و المجالس التشريعية المحلية التي تخصص ثلث عدد مقاعدها للنساء ( طبقا لتعديل دستوري اقر في عام 2001 ) و التي عادة ما تشغلها سيدات من العائلات السياسية ذات النفوذ، وإضافة إلى توزير النساء في الحكومة المركزية عبر منحهن حقائب مختلفة، هناك ملايين النساء اللواتي يعملن أو يدرسن أو يتقلدن المناصب الرفيعة في المؤسسات العامة و الخاصة أو يقدن الأنشطة والفعاليات الاجتماعية و الثقافية و السياسية، مع تواصل ارتفاع أعدادهن بفضل انتشار التعليم وبرامج مكافحة الأمية و تزايد الوعي بالحقوق. غير أن هذه الصورة تكاد تقتصر على المدن والحواضر، فيما نساء الأرياف و المناطق الجبلية و الولايات البعيدة اللواتي يشكلن الأغلبية لا زلن محرومات من ابسط الحقوق و يتم التعامل معهن مثل السلع القابلة للبيع و الشراء، بل ويقتلن بدم بارد حينما يتعلق الأمر بالشرف أو العار تمشيا مع الأعراف القبلية و التقاليد الإقطاعية. إلى ذلك فان الإناث في هذه المناطق يعانين من تمييز ظالم لجهة فرص التعليم و العمل. حيث تفيد بعض الدراسات التي أجرت في مناطق من السند و بلوشستان أن نسبة الإناث المتعلمات في تلك المناطق تقل عن 2 بالمئة، و أن نسبة 45 بالمئة من الآباء يعمدون إلى إرسال أولادهم دون بناتهم إلى المدارس من منطلق أن تعليم الإناث لن يفضي إلى منافع مادية في المستقبل.

و رغم هذه الصورة القاتمة خارج المدن الكبيرة، فان المنظمات و الشخصيات المدافعة عن حقوق المرأة الباكستانية متفائلة بحدوث التغيير، تشجعها حادثة " مختاران مي" السيدة الأمية التي وعت حقوقها وامتلكت الجرأة لتتحدى منظومة الأعراف البالية و تستغيث بالعالم من اجل رفع الحيف الذي وقع ضدها، خلافا للكثيرات ممن تعرضن لحوادث مشابهة و فضلن الصمت جبنا أو خوفا.

و يبدو أن تلك المنظمات و الشخصيات تحاول الآن استغلال حماس الرئيس مشرف و خططه التنويرية في الدفع بقضايا حقوقية جديدة إلى الواجهة مثل الإلغاء الكلي للعقوبات المطبقة بموجب أحكام الشريعة الإسلامية، و حظر تزويج الفتيات القاصرات، و إلغاء المبدأ الشرعي القائل بان شهادة المرأة تساوي نصف شهادة الرجل في القضايا العادية، و أن لا شهادة تقبل منها في قضايا الحدود، أو المبدأ الآخر الذي يجعل من دية المرأة القتيلة نصف دية الرجل.




http://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة