المرأة الأهوارية .... ننحني اليك احتراما وتقديرا



رفعت نافع الكناني
2009 / 3 / 27

الاهوار، تلك المساحات الشاسعة التي تمتد على شكل مسطحات مائية وبحيرات ضحلة يلفها الضباب والسحر والغموض، ويطرزها القصب والبردي والمروج الخضراء . يمتد تاريخها قرابة اكثر من ( 5000 ) عام وانضج السومريون حضارتهم وصروحم الرائعة على حافات وضفاف الانهر والمسطحات المائية تلك، في جنوب العراق . هذة البقعة من العالم كما عبر عنها المهتمين بشؤون الاستشراق والبحث في شؤون التاريخ والجغرافيا، لها مكانة خاصة بسبب حيويتها وتأثيرها في تغيير كثير من حقائق التاريخ والسياسة على الارض، عبر سلسلة تاريخية طويلة من عمر العراق القديم والحديث . اضافة لما تمتلك من امكانيات مادية وثروات طبيعية توصف على انها سلة غذاء متكاملة، استطاعت ان تلبي حاجات وطموحات الاقوام المتعاقبة التي توطنت واستقرت في هذة المنطقة المعطاة، وتكيفت مع طبيعة وخصوصية العيش فيها .

من هذا الواقع ، نشأت وترعرعت جماعات بشرية وأقوام ، اتصفت بالقوة والشجاعة والكرم ، وعبرت بصدق عن وعيها وانحيازها الكامل الى جانب قضايا شعبها وتطلعاتة في الحرية والسيادة والاستقلال، أبتداءا من ثورة العشرين مرورا بانتفاضاتة المستمرة المسجلة في التاريخ العراقي... وكان اخرها، دعمها ومشاركتها لحركات الكفاح المسلح ضد الديكتاتورية في فترة السبعينيات والثمانينيات ومساهمتها الفعالة بالانتفاضة الشعبية الشهيرة في آذار عام 1991 ... ولم تستطيع الاقدار والمحن التي حاقت بهم ان تهز قناعاتهم وايمانهم ، بل افرزت تلك الظروف القاهرة حالة من التحدي والاصرار، على الرغم من الكوارث والجراح التي ألمًت بهم على مر السنين والاعوام . وآخرها ما حل بسكان هذة المنطقة من حرب عنصرية تعددت صفحاتها، ابتدأت من الحصار والتطويق والعزل، الى عملية التجفيف المشهورة لتلك الاهوار وما تلاها من هلاك الحرث والنسل وتشريد سكانها وأهلها، واصبحوا مشردين هائمين على وجوههم في وطنهم الغريب، الذين هم سكانة الاصليين وعمقة التاريخي . وبدأت حملة ظالمة ومنظمة من التقولات والاكاذيب والافتراءات، حول اصلهم وفصلهم واخلاقهم وصلت حد التشهير باعراضهم وشرفهم ... !!

ان الوقائع التاريخية خير شاهد ودليل، للرد على تلك المحاولات والاقاويل التي تدعي بأن عرب الاهوار لاتربطهم بالعراق وأرضة اية رابطة، وان تاريخهم القديم يؤشر، على انهم اقوام ينحدرون من اصول هندية،
وتم جلبهم للعراق مع اعداد الجاموس التي استقدمت في غابرالأزمان ... في حين ان التاريخ والوقائع تؤكد على عقم وزيف تلك الاقاويل والنظريات العنصرية ، فالالواح التي تمثل مرحلة ما بعد ظهور الفن السومري والرسوم والاختام بينت على ان الجاموس كان يعيش في ممالك الاهوار قبل التاريخ، لأنها بيئة صالحة ونموذجية لمعيشتة، وأن جلجامش كان يصارع الجواميس البرية المتوحشة في ملحمتة الشهيرة . والواقع يؤكد ان بعض الكلمات واللهجات المتداولة عند سكان الاهوارحاليا فيها من التطابق والتشابة الشيئ الكثير، مع لغة السومريين الاوائل ،حسب ما يتناقلة المختصين في شؤون التاريخ واللغات والآثار. كما ان تربية الجاموس اصبحت مثارا للتهكم وموضوعا للتندر وعيبا يحيق بمربية، عملت الدولة ووسائل اعلامها على نشر ذلك والتثقيف علية علانية وفي مختلف وسائل الاعلام المسموعة والمقروءة والمرئية قبل عام 2003. ونقول بأن الجواميس هي سفن الاهوار ومصدر غذائهم ورزقهم، اشبة بالجمال، سفن الصحراء عند اصحابها من البدو الرَحل ، فما العيب في ذلك . ثم ان تربية الجاموس ، مهنة حرة وشريفة وتساهم في خدمة الاقتصاد الوطني ، وأن الجاموس مثل باقي الحيوانات التي ألف الفلاحين والمزارعين على تربيتها واكثارها، مثل الابقار والاغنام والابل. كما يمكن ان نؤشر الى حالة يتميز بها عرب الاهواروهي اتصافهم بالكرم والمروءة، وهناك شواهد ماثلة للعيان، متمثلة بالمضايف العامرة والتي بنيت من القصب والبردي، وذات اشكال وفن معماري فريد تدل على مكانة اهلها ووقار حمائلها وعلوا كعب شيوخها ووجهاءها، وتبقى دلال القهوة العربية في مضايفهم عامرة بعبق الهيل، وشعارا يطرز راياتهم العشائرية... ثم ان المئات من السنين التي مرت على سكنهم وأستقرارهم في تلك المناطق، ان صحت نظريتهم العنصرية تلك، ألم تكن كافية للحصول على الهوية الوطنية العراقية، تلك الارض التي آوت وانصهرت على اديمها العديد من الثقافات والاجناس البشرية على مر التاريخ القديم والحديث ... !!!

من جهة اخرى ، يلاحظ ان رجل الاهوار ، هو ذلك الانسان المقاوم الكادح الشهم المكافح، والتي انطلقت أسس الحضارة من بيئتة، بقي شامخا شموخ القصب لا ينحني لرياح الألم والعزل والتشكيك اللئيمة، ولا يمكن ان يكون الألم والحزن أرثا ابديا يلازم نفوسهم واعماقهم ... تشاركة في ذلك ، المرأة الاهوارية التي ما ان تشاهدها ، حتى يتراءى لك ، انك امام تلك المرأة السومرية بعيونها الكحيلة الواسعة، وسحنتها السمراء الجميلة، وجسمها الرشيق الاسطواني، وبعباءتها السوداء الملفوفة حول خصرها بقوة وعزم ، وكأنها نخلة عراقية باسقة ، رشيقة القوام ممتلئة بالحيوية والشجاعة، تروض الجاموس السرش، ويخيل اليك انها كانت مروضة اسود في سيرك عالمي ،وتشق عباب الهور بمشحوفها الرشيق، كما لوكانت بطلة محترفة في سباق دولي للتجذيف ، وترمي بفالتها الرشيقة الى اعماق المياة الصافية الزرقاء لتصطداد البني والكطان، اشهى الاسماك وسيد المائدة العراقية . وتزرع وتحصد ( الشلب ) الرز العراقي المميز ذي الرائحة الزكية الذي لا يماثلة اي نوع من انواع الرز في العالم ، ان عملها هو اكسير الحياة في هذة البيئة الجميلة الرائعة، فهي تبدء عملها مع اول شعاع للشمس بل وقبلة ان صح التعبير، لتضرب مثلا على انها بحق تمثل نصف المجتمع بعملها لا بعددها..... فتراها متعلقة روحيا ووجدانيا بطبيعة عملها في تلك الاهوار، ضاربة مثلا رائعا في العمل الجاد والكفاح مع اخيها الرجل في بناء الأسرة وتهيئة ظروف احسن لمعيشتها. ان هذة المرأة العاملة، يمكن تشبيهها بتلك المرأة الاوربية والامريكية واليابانية ، التي تطوي ساعات النهار بالعمل الشاق المضني، لتهيئة وسائل عيشها مع افراد اسرتها ، ولكن الفرق ان المرأة الاهوارية ينقصها الدراسة وتلقي العلوم في المدارس التي حرمت منها ، وهي سياسة اتبعتها الحكومات السابقة لتبقي على هذة الاقوام اسيرة الجهل والتخلف والفقر . في نهاية كلماتي تلك، اقول..... ايتها المرأة الاهوارية العراقية الاصيلة ، انت النقية ، في هذا الزمن البربري... الذي لا يعرف النقاء ، يا من تحملين كل احزان المتعبين في ايام الغربة.... يا امرأة ، ننحني أليك احتراما وتقديرا ...!!!