منع النقاب ,, وسحل الحرية ,,وبيع الاوطان



حسن مدبولى
2010 / 7 / 24

بصراحة وبشكل محدد غير مناور ,انا ضد ما يسمى بالنقاب, كما اننى وبنفس القدر ضد ارتداء الملابس الخليعة, وفى الحالتين انا اؤمن بذلك الرأى من منطلق الحفاظ على كرامة المرأة وحريتها , وبنفس المقدار اؤمن كل الايمان بحرية المرأة فى ارتداء ما تراه مناسبا لها, هى حرة , ولا تناقض هنا فيما نقول ونؤمن , فهناك فارق كبير بين الرأى الشخصى فى شىء , وبين فرض هذا الرأى على الاخرين ,خاصة النساء , وبالتالى فأن ما حدث فى سوريا الشقيقة من قرارات تعسفية بحق المرأة السورية والتضييق عليها وفرض ازياء معينة ,ومنع اخرى مثل النقاب ,واستخدام اساليب قمعية مثل المنع من العمل ,والمنع من التعليم, ما هو الا شكل من اشكال الديكتاتورية والسحق ضد الحرية بصفة عامة والمرأة على وجه الخصوص.

واذا افترضنا ان النقاب هو ارتداد واارتباك فكرى وطائفى وتخلف بدوى وتصحر وهابى, فهل مواجهة ظاهرة فكرية تخص الفرد ,تصح ويتم اصلاحها عن طريق قرارات اجبارية سيادية من قبل الدولة او النظام ؟ وهل يمكننا ان نجد ايضا من يبرر لقمع المرأة التى ترتدى ملابس غير محتشمة من وجهة نظره,بأن ارتداء تلك الملابس هو ايضا ظاهرة دعارية دخيلة على المجتمعات العربية وتهدد اسس وقواعد المجتمع , وانها -ظاهرة الملابس غير المحتشمة- ما هى الا تغلغل غربى امريكانى صهيونى متجلد , على غرار التغلغل الوهابى المتصحر؟ وبالتالى فقد يتم اصدار قرارات تمنع النساء المتبرجات من العمل , وتمنع البنات غير المنقبات او المحجبات من التعليم ؟ ان ما حدث فى سوريا من قرارات ضد المرأة السورية ,هو عينه ما حدث فى السودان وما يحدث فى السعودية وفى تونس ضد المرأة ولكن كل على شاكلته, وهواه , فهذا يرتدى ثوب التمدن المزعوم بحجة انقاذ المرأة والمجتمع من التخلف عن طريق ارغامها القسرى على خلع زى تتمسك به كما حدث فى سورية وتونس , والاخر يرتدى ثوب العفة والتدين وانقاذ المرأة من التيارات الدعارية الاتية من الغرب عن طريق الزامها بالازياء الاسلامية,كما حدث فى السودان والسعودية , وفى كافة الاحوال تبقى الضحية واحدة .

وقد يتسائل البعض عما حدث فى مصر من منع ايضا للنقاب , لكننا وبدون تزلف ولا تملق ,نؤكد على وسطية مصر العظيمة حتى فى هذا السياق ,فقد تم منع المنقبات مرتين مرة من دخول المدن الجامعية اللائى تسكن بها الفتيات المغتربات ,ومرة من دخول الامتحانات , لكن الفارق ان هذا المنع لم يكن مطلقا ولا كان تعسفيا, بل ارتكن الى ضرورة ان تعرف الفتاة بشخصيتها عن طريق كشف وجهها للمقارنة ببطاقة الدخول سواء الى المدينة الجامعية ,او الى مكان اجراء الامتحانات,لمنع دخول شخص مكان شخص اخر , وهو امر مشروع تماما , ومع ذلك تم اتاحة الفرصة للمنقبات للتظاهر ضد تلك القرارات ,وتم منحهن الفرصة ايضا لمقاضاة الاجهزة المسئولة عن اصدار وتنفيذ تلك القرارات وتعديلها ,وفى حدود معلوماتى فان القضاء المصرى قد اقر بأحقية المنقبة فى الحفاظ على ارتداء ما تراه مناسبا,وهذا هو الفارق بين مصر العظيمة بلد المؤسسات الفعلية التى تحترم الفرد وحقوقه ,على الرغم من عدم اهلية المنظومة السياسية التى تحكمها حاليا,وتسببها فى كوارث متعددة اسائت وتسىء الى النظام الحاكم , وتتسبب ايضا فى اضطرابات متتالية تعطى ايحاءات بانهيار الدولة ,بالرغم من ان الدولة راسخة فى مصر ولن تنهار ابدا , لانه وكما اكدنا فان مصر دولة مؤسسات ,وليست دولة من الدول التى يتم فيها تعديل الدستور فى اقل من ربع الساعة ,لكى يأتى شخص بعينه ؟

ان على من يتشطرون ويتعملقون ضد المرأة العربية بمنعها من ارتداء ما تؤمن بأنه الافضل , ان يظهرون لنا نفس التمدن والتحضر ومحاربة الوهابية والتصحر فى مجالات اخرى ,اهمها اصدار قرارات ديموقراطية بالافراج عن المسجونين السياسيين , واطلاق حرية تكوين الاحزاب وتداول السلطة,تلك السلطة المغتصبة لصالح نفر قليل من الطغمة او الطبقة ,او القبيلة الحاكمة, فلماذا التمدن يقتصر على سحل حرية المرأة وحدها ,بينما مجرد النظر او ابداء الرأى فى عملية اغتصاب السلطة السياسية,امر محظور تمام الحظر -مثله مثل النقاب- مع انه يقع فى صميم معادلات التمدن والتنوير , كما ان على هؤلاء ايضا ان يراعوا ان هناك اولويات وطنية , مثل تحرير الاراضى المغتصبة من قبل الاعداء ,وبالتالى فانه من المفروض ان لا صوت يعلو فوق صوت المعركة ضد العدو ,لا ضد شريحة من شرائح المرأة الوطنية,.

ان خطورة التركيز على قرارات تنويرية مزعومة , وعدم اختيار الاولويات التى ينبغى التركيز عليها حاليا بدقة ,هو ان ذلك التركيز سوف يؤدى حتما لا الى التنوير المزعوم ,ولكن الى بذر المزيد من البلبلة والتشرذم, خاصة نتيجة التعسف فى تنفيذ تلك القرارات عن طريق المنع من حقى العمل والتعليم ,وكذلك نتيجة تكامل تلك القرارات,الهزلية , مع قرارات عنصرية اخرى مثيلة تتخذها العديد من الدول المعادية لثقافتنا القومية , تلك الدول التى تؤيد فى ذات الوقت عمليات الاعتداء والهيمنة والاحتلال ضد اراضينا والتى تتم بشكل منهجى عسكرى وثقافى,وهو ما يوحى بان قرارات منع النقاب او الحجاب ما هى الا تكامل مع قرارات اوروبا ضد الاقليات الاسلامية هناك ,وهو امر يتناقض مع مواقف سوريا وغيرها من الدول التى تدعى الممانعة والثورية ضد الهيمنة الامبريالية الغربية؟