الجنس المقهور



ماجد الشمري
2016 / 3 / 10

"درجة تحرر المرأة هي مقياس تحرر المجتمع"
-روزا لوكسمبورغ-



قضية المرأة ليست قضية سياسية او فكرية فقط،وليست مجرد قضية جندر كما يطرحها الفكر والايديولوجيا النيو ليبرالية البرجوازية.انها ابعد من ذلك بكثير،واعمق بما لايقاس.انها قضية الحرية والتحرر:اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسايكولوجيا،وانسانيا وبكل الابعاد.وهي ايضا مرتبطة ومترابطة بالتحرر الطبقي للشغيلة من هيمنة الرأسمال وعبودية العمل المأجور،ويبقى النشاط النسوي المعزول من خلال منظمات المجتمع المدني قاصرا وعقيما ومراوحا في مكانه،مالم يندمج ويتماهى مع الحركة الماركسية الثورية،وينخرط في النضال الطبقي لجماهير الطبقة العاملة وبكل اشكاله السياسية والمطلبية والاديولوجية.فالتناقض الرئيسي في المجتمع هو تناقض طبقي لاجنسي،وتحرر النساء هو جزء لاينفك عن النضال الطبقي العام.فاضطهاد النساء ليس فقط نتيجة للموروث البطرياركي،والقيم الرجعية المتحجرة المسيطرة والسائدة،بل هو من سمات المجتمعات الطبقية التاريخية التي مرت ولم يبقى سوى (منيتورها) الاخير!!انها مفصل حيوي ومهم من مفاصل الصراع الوطني والديمقراطي والطبقي.فنحن لانستطيع فصل الجنس عن الملكية الخاصة والحقوق السياسية والاجتماعية،فتحرر النساء لايتم الا بتحرر المجتمع وكل كادحيه -وبمساهمة فاعلة للمرأة-من الاستغلال والاضطهاد والاغتراب،واقامة المجتمع اللاطبقي.لذا يجب عدم الفصل بين نضال المراة من اجل التحرر عن النضال العمالي من اجل الاشتراكية،فلا يمكن تحرير النساء بدون السعي من اجل انتصار الاشتراكية،وايضا التطلع نحو الاشتراكية مستحيلا بدون كفاح المرأة.ما تتميز به مجتمعاتنا في المنطقة العربية،هو خمول او ضعف او تشوه الصراع الطبقي،وتمظهره باشكال :دينية طائفية او عرقية شوفينية او غيرها من تجليات طبقية بغطاء من التزييف والتعمية.وهذا مايعيق ويضع جدرانا صلدة امام تفتح الافكار الانوارية والعقلانية والعلمانية وبالتالي للماركسية الثورية،ويترك بالمقابل الطريق سالكا وبدون عقبات لنمو وتجذر النبت الشيطاني للافكار الظلامية والسلفية والمتصحرة في دائرة مقفلة تعيد انتاج نفسها والانتشار كاورام السرطان،لترسخ النظرة الدونية والاحتقارية المتخلفة والذكورية الخانقة للمرأة،ولتبعدها عن المشاركة والفعل في بناء المجتمع الانساني الديمقراطي المتحرر من كل استعباد وقهر.واذا كانت القيم الاخلاقية قد خضعت في كل مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي للضرورات الاقتصادية والانتاجية،فأن استعباد المرأة رافق المرحلة التي نهضت فيها الاسرة لمعارضة القبيلة،وبزغ فجر الملكية الخاصة،وانقسام المجتمع الى طبقات،ومهد لولادة الدولة كجهاز مسيطروأداة قمع، وفي نفس الوقت كجهاز الطبقة السائدة للجم وضبط التناحرات الطبقية..ففي مرحلة ماقبل التاريخ حيث كان جل النشاط الانتاجي مقتصرا على الصيد في الغابات والانهار،كان الاقتصاد مجرد انتاجا يوميا ويستهلك آنيا،اكتسبت المرأة في تلك المجتمعات مكانة متساوية مع الرجل،بل كانت تفوقه في المجال الطبيعي،لكونها منتجة للنسل والتكاثر وتربية الاطفال،وهي التي تحدد ماهو تابو وماهو مباح،اي انها كانت مصدر التشريع والتنظيم في الاسرة،وكان الابناء ينتسبون اليها وراثيا.هذه المرحلة عرفت:بالمرحلة الامومية(الماترياركية)والتي انسجمت مع الحقبة الزراعية البدائية،فالمرأة كانت تمارس الزراعة قرب مكان السكن في حين كان الرجل يمارس الصيد.تحول المجتع الزراعي البسيط والماترياركي الى المجتمع البطرياركي كان انقلابا قد حدث بعد اكتشاف المعادن،ونشوء الحروب،كمصدر رئيسي للغنائم ،بسبب شحة الغذاء والتنازع عليه،وهذا التراكم في الثروات هو ماولد لاحقا فائضا في الانتاج وتقسيما للعمل،وبدأ التمييز الجندري،والمعارك الباردة بين الرجل والمرأة،وتلك الهزيمة للمرأة مازالت مستمرة حتى لحظتنا هذه،وان انتزعت المرأة بكفاحها بعض الحقوق.وترتب على التقسيم القديم للعمل قلبا جذريا لمجمل العلاقات التي كانت سائدة في المجتمع المشاعي الامومي،فالغي الانتماء النسوي،وحق الامهات في التوريث ووراثة الابناء،وحل محل الزواج المتعدد،زواجا احاديا للمحافظة على الانتساب الابوي(نقيا)!وعبر الانماط الاجتماعية الاقتصادية التي سادت:العبودية..الاقطاعية..والرأسمالية ..وغيرها من تشكيلات شرقية استبدادية وانماط انتاجية اسيوية،رزحت المرأة تحت نير العبودية والاضطهاد والاستغلال المزدوج:من المجتمع ومن الرجل داخل الاسرة..وهكذا فان اول تناحر طبقي ظهر في التاريخ "متواقت مع تطور التناحر الجنسي بين الرجل والمرأة ضمن نطاق مؤسسة الزواج.كما ان الاضطهاد الطبقي الاول متواقت ايضا مع اضطهاد الجنس المؤنث من قبل الجنس المذكر".كما كان بداية ظهور تقسيم العمل ايذانا بأنتهاء سيطرة المرأة في المشاعة.اما تقسيم العمل البرجوازي فكان بداية لعبودية العامل،واستلابه،واخضاعه لرق الانتاج والبضاعة،وكما استلب تقسيم العمل البرجوازي كل الوجود الانساني للفرد الشغيل،كذلك اختزلت البرجوازية المجتمع الانساني،وحولت المرأة الى دمية للرجل،واحتياطيا لجيش العمال ومنتجا لاجيال جديدة من قوة العمل،وحدد النظام الرأسمالي وقنن سلوك المرأة،وفق آليات منظومته الايديولوجية والقانونية والاخلاقية القامعة والكابتة لسجن المرأة داخل جدران المنزل وجدران الجسد-مع التفاوت بين وضع المرأة في المجتمعات الصناعية المتقدمة ومجتمعاتنا المتخلفة-.لم يعد الجسد الانساني مع هيمنة الرأسمالية العولمية المتوحشة،اداة وغاية للذة المتبادلة والاستمتاع والفرح والتناغم،بل اصبح جسد الرجل اداة بلا حياة لاعتصار الربح وفي خدمة الانتاج،وجسد المرأة ايضا اداة لانتاج الاطفال،اي اليد العاملة المستقبلية-صحيح ان المرأة انتزعت حقوقها الديمقراطية الشكلية في البلدان المتقدمة-ولكن لن يتحقق الانعتاق الكامل للمرأة ابدا،طالما العائلة لازالت قائمة على حماية الملكية الخاصة.لان الزواج البرجوازي ليس بالمؤسسة التي تهدف لتحقيق سعادة الافراد،بل غرضه ان يكرس انضباطا واكراها وتأبيدا مطلوبا في العلاقات،ليعيد انتاج منظومته الاجتماعية الشمولية الهرمة،وان يخلق الاطار القانوني الضروري لعمل المجتمع اقتصاديا وبكفاءة.واذا كانت وظيفة العائلة الابوية تتحدد بأنتاج واعادة انتاج العلاقات الاجتماعية السائدة،فأن العائلة اليوم ليست الا المؤسسة الرجعية التي يحكم بها الاموات من قبورهم حياة الاحياء،فالدولة القمعية خليتها الاساس(العائلة) حيث ينشأالطفل من قبل الابوين على رضاعة القمع!فهما يقمعان رغباته وفضوله وتعطشه للمعرفة،ويلقنانه منذ نعومة اظفاره كيف يقدس محرماتهم ويدين بدينهم ويتطبع بأخلاقهم وسلوكهم،ويروضانه على كبت مشاعره،وخنق احاسيسه،ويتربى على الخنوع والخضوع لسيطرة من هو اكبر منه سنا ومنزله:لرب الاسرة..لرب المدرسة..لرب العمل..لرب الدولة..فالعائلة مصنع صغير لانتاج القاعدة الاجتماعية للاستبداد والفاشية.فالعائلة الحديثة لاتنطوي على بذور الرق وحسب بل بذور القنانةّ!!هذا بالنسبة للذكر ،فما بالكم بالانثى وقمعها مركب ومزدوج ومضاعف!!!لازالت المرأةتعاني من اضطهاد لامثيل له وحتى في العالم الصناعي،فحتى عند انتقالها من المنزل الى العمل،تظل عبدة للشؤون المنزلية المبلدة والرتيبة،ويظل مردود عملها وجسدها ملكا مطلقا لرجلها،فهو ربها الارضي!!من حقه ضربها،ومن حقه هجرها في الفراش،ومن حقه طلاقها متى استنزف جسدها بالقهر والتشغيل والجنس والولادة،،ومن حقه حتى قتلها بذرائع الشرف ومزاعم الخيانه والزنى-طبعا هذا لايشمل الرجل فهو السيد-!!!والمرأة عرضة للاستغلال شأنها شأن العامل،وتشترك معه في تكوين فائض القيمة،وايضا عرضة للاستغلال بواسطة العمل المنزلي غير المدفوع الاجر،والذي يصب في مصلحة الرجل،ويفرض قسريا عليها..ان التطور التكنولوجي قاد الى مزيدا من الاستلاب للعامل وضاعفه للمرأة العاملة،فقد ضمرت او تلاشت انسانية الانسان وقيمته وتم تشيئه،هذا ما يجب ان يقود للانخراط بالنضال من اجل الانعتاق من سلطة الرأسمال والاشياء وتسلط البضاعة والسوق....تأخذ المسألة النسوية مكان الصدارة في برامج الحركات العمالية الثورية لما لها من اهمية فائقة،فهي ليست نصف المجتمع فقط بل وخالقة النصف الاخر..فالزواج تم تسليعه،فهو غير قائم على الارادة والرغبة والحب والحرية"اليست الفتاة بضاعة معروضة للبيع لمن يريد المساومة على اقتنائها؟اوليس قبولها بالزواج خيارا حرا وواعيا بحكم طغيان الاراء المسبقة المتسلطة عليها منذ صغرها"في العائلة تعد الفتاة لتقمع رغباتها،وتضبط عفويتها،ويتم قولبتها سايكولوجيا لتلعب دورها السلبي والخانع لسلطة الاب الفوقية،لتتسلمها المدرسة وتبني فوق ما اسسته العائلة مزيدا من القمع والتلقين،ولتقتل ما تبقى من العفوية والاقبال على الحياة،وتميت غرائزها الطبيعية المتطلعة للاشباع والابداع ونهل المعرفة واثبات الذات...وهذا طبعا يشمل الذكر ايضا مع الاعلاء من شأن الذكورة!.ماخلقته حضارة التكنولوجيا،والموروث القيمي التقليدي للبنية النفسية من تعقيد وتشويه وعصاب ونقص،تدفع الفتاة الى التناقض والازدواجية في شخصيتها المضطربة،فمن جهة تحاط رغباتها وطاقتها الجنسية بجدران من التابو والتأثيم والتنفير،اي تجويفها كأنسانه بلا مشاعر او فكر او ارادة،ومن الجهة الاخرى،يجري تلقينها عندما تكون مشروعا للزواج،بان تكون موضوعا للايروس،وجسدا اغوائيا ساخنا للذكر(الزوج) الميمون!!ان تكون بتولا طاهرة لم تمس في بيت ابيها،وتتحول الى عاهرة تجيد كل فنون الجنس والاباحية على فراش بعلها وسيدها!! هذا التنافر التربوي المشوه هو الذي يشل ويحد من قدراتها الذهنية والنفسية ،ومن مساهمتها بالنشاط الاجتماعي،ويبلد عقلها ويسد افقها،ويمهد السبيل لجعلها تتقبل كل اشكال القمع والخضوع ويغلق نهائيا اي فسحة من النقد او الاعتراض امامها،بل يحولها الى مدافعة عن جلادها،وتفخر بدونيتها.!!!.
ان وضع المرأة في مجتمعاتنا التقليدية بائس ومظلم،فهي تعاني اضطهادا مضاعفا لامثيل له،وهناك تفاوت واضح طبعا بين المرأة عندنا وفي المجتمعات الصناعية المتقدمة الذي-رغم ان المرأة لازالت فيه غير مساوية للرجل بالكامل- لكنها تحررت فيه جزئيا من سيطرة الرجل، ومن التفاليد الاستعبادية المجحفة بحقها...فحتى المرأة التي دخلت مجال العمل،وتحررت اقتصاديا!!"مازالت عبدة المطبخ وشؤون البيت المضجرة،ومازال مردود عملها وجسدها ملكا نهائيا لبعلها الذي اعطاه المجتمع التقليدي حق ضربها وهجرها وتطليقها"،وحق الزواج عليها بثانية وثالثة ورابعة!فضلا عن ما ملكت ايمانه من اماء وحريم العصور القديمة والحديثة،وما نسمع عنه ونشاهده وما استحدث من نماذج وانماط للزواج مبتكرة هي والدعارة سواء ولكنها مشرعنة وبغطاء ديني مثل:المتعة..المسيار..العرفي..المسفار..المصياف..وغيرها الكثير!!ان تسليع وتشيوء المرأة بين الاب البائع والزوج المشتري،لم يتغير بل انه يزداد سوءا كفضيحة تعري مجتمعاتنا المنافقة والمرائية،والذي لازال مستمرا منذ آلالاف السنين،حيث لاتساوي المرأة اكثر من ثمن ناقة او بقرة،ولم تختلف حتى المرأة الحديثة الا بملابسها اخر الموديلات،وتكلمها لغة اجنبية،واستخدامها للحاسوب،قشرة حضارة مسطحة ومزيفة!،ولكنها من الداخل،داخل بنيتها السايكولوجية القارة لازالت جارية او قينة او اقل من ذلك!!..لاشك ان الايديولوجيا الدينية والاعراف الابوية التقليدية المسيطرة على المجتمع والذي يعيد انتاجها وتربية الاجيال الناشئة عليها،لها الدور الاكبر في تبرير وادامة وتكريس هذه الدونية والحط من شأنها والاهانة السافرة لكيانها وتضفي عليها صفة الطبيعة الثابتة كمسلمات واعراف!،هذه الايديولوجيا المرتبطة بسلسلة تاريخية متشابكة من سيطرة الذكورة وفقه الحلال والحرام الفضائي(السماوي)!!وتدخل التعاليم والوصايا الثيولوجية حتى في الشأن الشخصي الفردي والخاص،تقود الى اعتبار المرأة كائنا ضعيفا وهشا قابلا للكسر(قوارير)!!جسما وعقلا،وانها قاصرة جوهريا وليس عرضيا!!.. بايولوجيا وليس ثقافيا!..ان المشكلة التي تعاني منها المرأة في المنطقة العربية عامة وفي العراق خاصة،تمنعها من ان تكون انسانة ذات كيان قادرة على العمل والابداع ومشاركة الرجال في كل الحقول والمجالات،يعود بالدرجة الاساس لتبعيتها الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية والفكرية للرجل،وتلعب الايديولوجيا الدينية المحافظة والمتشددة الدور الاخطر في تكريس هذا الوضع،وادخاله عنوة في عقل وضمير ولاشعور المرأة والرجل على السواء،بحيث يبدو الامر وكأنه نواميس كونية ثابتة وابدية ومن طبيعة الاشياء!لاتحتاج مراجعة او نظر او نقد تحت طائلة اغضاب الالهة!!!..ان تحليل مسألة المرأة،والتي هي انعكاس مرآوي لمشاكل المجتمع البرجوازي التابع وبقاياانماط شبه الاقطاع والقبلية، ليس بالهين او البسيط في مجتمع تقليدي راكد بعيد عن الحداثة والتصنيع وان اخذ بتكنولوجيتها دون اسسها العلمية والمعرفية الاساسية،وذلك لتداخل التقاليد والعادات والاعتقادات الراسخة اجتماعيا وثقافيا،والتي تشكل قيودا ثقيلة تكبل حرية المرأة والرجل معا-وان بدرجة اقل بالنسبة للرجل-رغم بعض المظاهر الشكلية للتحرر والتي نراها ماثلة في المدن العربية وبدرجات متفاوتة ومتناقضة،فهم يستخدمون ارقى واحدث وسائل التكنولوجيا العولمية المتطورة،ولكنهم قابعون في كهوف القرون الوسطى المظلمة ايديولوجيا وثقافيا!!!ويبقى السؤال:الى اي مدى تحررت المرأة،والى اي مدى تغلغل هذا التحرر الظاهري في نفسية المرأة والرجل؟؟!!لقد اجبنا قبل قليل على هذا السؤال المتأخر!!لا زالت قضية المرأة من القرن الماضي،وبداية الالفية تراوح وتتقدم كالسلحفاة،ما دامت تقودها ك(حركة) البرجوازية حاليا والارستقراطية سابقا،فقد دعت النسوة البرجوازيات لتحرير جنسهن،وبمعزل عن الحركات الاجتماعية الوطنية والطبقية الثورية،وهذا ليس غريبا داخل طبقتهن،وايضا للفرص التي اتيحت لهن:التعليم،وغياب العبء الاقتصادي،او التحرر الاقتصادي،والتطلع لتقليد نساء الغرب،اما نساء الطبقات الاخرى: جماهيرالبرجوازية الصغيرة الدنيا،والعمال،والفلاحون،سواء في المدينة او الريف،فان حياتهن بالكاد تأثرت بهذه الدعوات للتحريروالتحرر،نظرا للجهل الواسع والفقر المدقع السائدين،ولقشرية تلك الدعوات لنساء البرجوازية،فهناك المئات من المنظمات والجمعيات النسوية في المنطقة العربية والعراق،ولانحدار كوادر تلك المنظمات من الطبقة البرجوازية،فأن ارتباطهن بمشاكل النساء الفعلية،كان واهنا وهزيلا وفوقيا،ولم يحقق اي تغيير في واقع المرأة الكادحة او الارملة او البائسة المعدمة،فهو مجرد نشاط فقاعي صاخب لم يحقق شيئا سوى الندوات والمؤتمرات والاضواء لتلك النسوة المناضلات زيفاّ!!فهو مجرد بروز اعلامي وقتلا للفراغ الممل والذي تعاني منه النسوة البرجوازيات حبيسات البيوت!!...تعيش المرأة في مجتمعاتنا وضعا خانقا في اطار ثنائية متنافرة وازدواجية،ففي الوقت الذي تحذر فيه من الرجال،وتخوف من الجنس،وتفرض عليها العفة والبتولية،وكبت الاحاسيس،يجري تشجيعها من الطرف المقابل:على ان تكون وعاءا جنسيا جاهزا لاغير،ويتم تدريبها على ان تكون جسدا(اداة) وسحق طبيعتها كأنسانه!تلك الثنائية بين رغبات الفتاة الغريزية الطبيعية المقموعة،وبين تلك المحددات المكبلة والكابتة للايديولوجيا السائدة.فهي كأنثى عذراء في مجتمع ابوي تقليدي عليها ان تكون بدون اعضاء جنسية قبل الزواج،ان تكون طاهرة الجسد-وليس مهما نفسيتها-،عذراء راهبة لا وظيفة لها سوى حراسة بكارتها والحفاظ عليها،وكأنها جوهر وجودها!،ويشاركها الحراسة عسس وعيون الاسرة من ذكور واناث!،حراسة هذا الغشاء الرقيق الذي هو اثمن ما لدى المرأة فهو الرمز الاكبر للشرف وقيم الذكورة!!،وتعلب انوثتها كبضاعة جديدة وغير مستعملة بأنتظار البعل السعيد!!ولكي تصبح زوجة عليها ان تفعل العكس: ان تكون مومس محترفة !!تستنفر مفاتنها الطبيعية والصناعية،كي تكون فخا جنسيا للرجل ،لتغريه وتستهويه وتغويه،اي ان تتحول بالكامل الى عضو جنسي يعوي لايقاع الرجل في شباكها،واذا حصلت عليه يجب ان تعمل جهدها في المحافظة عليه،ان تتقمص كينونة جنسية لاوظيفة لها ولا غاية سوى الاستلقاء على الفراش وانتاج الاطفال،ليكون الرجل ربها الارضي وكل حياتها.. فهو خيمتها الاقتصادية التي تحميها من غدر الزمان !التناقض الذي يحكمها هو:ان تكون بلا جنس قبل الزواج،وان تكون جنسا محضا بعده،وان تكون فتاة ملتصقة الساقين ابدا،وزوجة مفتوحة الساقين دوما،ان تكون انثى ولا انثى معا،ان تكون موضوعا للجنس لاذاته،ان تكون ثلجا لتبقى عذراء،وان تصير تنورا ملتهبا لتكون زوجة،ان تكون مقولبة كما يريد لها الاخرون،لا ما تريده لنفسها ككيان حر،ان تكون موضوعا للرغبة لاذاتا حرة برغبتها!!.
هذا الازدواج المتناقض الذي ترزح تحته المرأة ينمو ويتجذر بالايديولوجية الدينية الرعوية الابوية السائدة والمهيمنة،والتي معيارها ورمزها للشرف هو(الانثى المغلفة)والمختومة بالشمع الاحمر كقيمة القيم العليا!!والحرمان العاطفي والجنسي كواقع معاش يدعم هذه الثقافة،وهذا الفهم كلاشعور جمعي وفردي يخضع له الجنسان معا(الرجل والمرأة) كمسلمات اجتماعية،غير قابلة للسؤال!فالمرأة لاتجد نفسها الا منظورة من زاويتين مختلفتين:فالاسرة(الاب،الاخ،الزوج،العم)،والعرف الاجتماعي العام،مكبلان بقيود التقاليد الهرمة والتي عفا عليها الزمن،يأبون ان يروا في الانثى(انثى)!فهذا يترتب عليه الممارسة والاشباع الطبيعي للغرائز البشرية،والذي هو دنس مرفوض وعار وتلويث للشرف المصان الا من خلال مؤسسة الزواج المشرعنة دينيا واجتماعيا،ومن الزاوية المقابلة نجد الرجال اللاهثون كالكلاب المنتعظة من الحرمان والجوع الجنسي الكافر!لا يريدون ان يروا منها سوى الانثى(الانثى)!نداء الطبيعة المدمر اذا لم يلبى فانه يقوض المجتمعات ببطء..الايديولوجيا الدينية البطرياركية السائدة لاترى في الممارسة الجنسية المباركة شرعيا في دائرة الاسرة ،الا وسيلة للانجاب والتكاثر وزيادة النسل،لا لللذة او المتعة الخالصة لافراد احرار كغاية وهدف طبيعي وحق انساني لايقبل السلب،وينظر للمرأة كموضوع او وعاء لاذات او كيان او طرف مشارك في النشاط الجنسي!ولا حاجة لذكر ما تحفل به مجتمعاتنا من فضائح وظواهر سرية مسكوت عنها او عرضة للتجاهل والاخفاء!!...ان مشكلة المرأة ليست مسألة جندر بحتة،كما وانها ليست ايضا من ضمن مشكلة الصراع الطبقي فقط،انها مشكلة ثقافة الرجال الذكورية ايضا.ورغم الخصوصية لقضية المرأة والتي تميزها وهي مهمة،الا انها اولا واخيرا قضية الصراع الطبقي الشامل عموديا وافقيا داخل المجتمع،فالطبقي والجندري مفهومان متلازمان ومتكاملان لاينفصلان،والنضال النسوي يجب ان يمارس على كل الجبهات والحقول،وفي وقت واحد،ولا يجوز اختزال قضية المرأة الى البعد الطبقي فقط،فوضع المرأة ليس نتيجة لذلك الصراع،بل هو احد ابرز العوامل،وان تسيد الرجل داخل مؤسسة الزواج والاسرة نتيجة لتفوقه الاقتصادي،وبمجرد حدوث المساواة الاقتصادية في الاجر والعمل،يتنفي اضطهاد المرأة وتبعيتها للرجل في كل شيء!!هذه اوهام!!فحتى لدى ارقى دعاة تحرير المرأة من مثقفين ومفكرين نجد تمييزا واضحا ضد المرأة،وان كان مستترا!!فدونية المرأة وقوامة الرجل عليها هو فيروسا خبيثا ومنتشرا يعيش في الخلايا العقلية والنفسية والثقافية دون رادع او مناعة عند الرجال وتقبلته المرأة وصار جزءا من بنيتها العقلية والسايكولوجية،ومن العسير التخلص منه.ويبقى التمهيد للحل الجذري لاشكالية بيت العنكبوت هذاهو القيام بعملية(بروسيس) التغيير الاجتماعي الطبقي،وعبر صراع تشترك فيه المرأة مع الرجل لقلب الاوضاع الاجتماعية المتخلفة،وبدءا بالمفاهيم والقيم السلفية المتعفنة،وانتهاءا بدحر الطبقة البرجوازية الكمبرادورية الطفيلية والتابعة لمراكز الرأسمال المالي المعولم السائدة ايديولوجيا وثقافيا والمتسلطة سياسيا واجتماعيا،والتي من مصلحتها ابقاء الثقافة الذكورية-لانها ثقافتها-احتقار المرأة وتبعيتها،ولكون اضطهاد المرأة مزدوجا فهي اجيرة رب العمل وعبدة العبد!فيجب ان يكون نضالها ايضا مزدوجا:مع الرجل العامل طبقيا،وضد الرجل البطرياركي ثقافيا وتربويا.ان تركيز النشاط النسوي كممارسة او فكرداخل دائرة جنسية احادية ومقفلة عن المشاكل الاساسية في المجتمع الطبقي-ان حرية المرأة الحقيقية هي بالنهاية حرية اجتماعية،اي دخولها المجتمع والفعل فيه-لايساعد كثيرا على تغيير وضعها بل ربما يؤدي على المدى البعيد،وبعد تطور المجتمع الى نوع من الرفض النسوي ضد الرجل،تحمل ملامح انعزالية على غرار ما نشهده في بعض الحركات النسوية(الفيمن)في اوربا وامريكا وافريقيا..ان نضال المرأة في عصرنا الراهن هو نضال شائك ومرير وطويل وعسير،ويجب ان ينصب على جبهتين:الاولى النضال ضد الامتيازات التاريخية المتعسفة والتي كرستها المجتمعات الابوية للرجل،والسعي من اجل الديمقراطية بكل معانيها،والمساواة في كل الحقوق:من سياسية وقانونية ومدنية واقتصادية،والتغيير الجذري والشامل للمناهج والسرديات المنحازة والمتبنية للفكر الغيبي والذكوري.والجبهة الثانية هي النضال مع الطبقة العاملة يدا بيد ضد المجتمع الطبقي،والكفاح ضد الاستغلال والاغتراب والهيمنة التي تستلب الجنسين معا،و من اجل عالم افضل وجديد وحر.."فقط في المجتمع الشيوعي،وبعد اختفاء الزواج الاحادي البرجوازي،واختفاء سببه الملكية الخاصة،سينشأ نمط جديد من العلاقات الحرة بين شخصين،بين الرجل والمرأة،تدوم مادام الحب وتنتهي بأنتهائه،وهكذا يتحرر الجنس نفسه من التشيؤ البضاعي،من التقاليد والاخلاق القمعية،فقط في الاشتراكية وفي طورها الارقى يسود مبدأ اللذة على مبدأ الالم..عندها تمتلك المرأة جسدها المصادر منها اليوم لتستخدمه كما يلذ لها هي لاكما يلذللرجل المالك لها"..ولكي نحقق ذلك يجب القضاء على (المنيتور)الوحش الرأسمالي العولمي المتوحش وامتصاصه لدماء الكادحين،نحتاج الى سيف ثيسيوس وخيوط اريادنه!!!!!!نعم يقع عبء تحرر المرأة على عاتقها اساسا ولكن يجب ان تتضامن مع الرجل من اجل تحرر العمل وفي نفس الان ان تقف مع اليسار الثوري من اجل تحطيم مايكبلها ويستعبدها كجنس ثاني اقل قيمة من الرجل وتلك لعمري مهمة شائقة تأخذ زمنا دهريا مترع بالصراع والكفاح!!.....................
مصادر:
المرأة والاشتراكية
المرأة العربية والمجتمع التقليدي المتخلف-سلوى الخماش
انثى نوال السعداوي
اصل العائلة والملكية الخاصة والدولة-انجلز
..........

وعلى الاخاء نلتقي....