النساء ومواجهة (العهر السياسي)!



بثينة تروس
2021 / 2 / 6

لا يمكن التطلع لتحقيق التغيير والدولة المدنية، والانفتاح علي العالم الخارجي اقتصادياً، وسياسيًا، وتنموياً، والتخلص من تهم الإرهاب، والتطرف الديني، والرجعية، ونصف المجتمع يضع العراقيل والحواجز في طريق إستحقاقات النساء الدستورية، في مجافاة واضحة لتعزيز أسس المساواة وتوسيع مواعين المشاركة، وهن صاحبات حق أصيل في ثورة التغيير، بعد أن دفعن فاتورة ألحروب في الهامش، والقهر الجنسي، والاغتصابات، وذل قوانين النظام العام في المركز، ثم ثرن وساهمن، بالشراكة، في الإطاحة باسوأ نظام مر بالبلاد.
نتابع مسلسل المحاصصات السياسية، والحزبية، والتي ظهرت بوادرها في ترشيحات تشكيل الحكومة الجديدة، وعدم الاهتمام بالمطالب العادلة للمرأة، وتجاوز ما نصت عليه الوثيقة الدستورية، التي تكفل للنساء حقهن الاصيل في التمثيل بالكفاءات المستحقة للشراكة في الوزارات ودوائر الحكم.
مما يؤكد محنة الشعب السوداني في ساسته، التكوين الحزبي الذكوري، حيث يتجسد التدليس والتزلف السياسي الذي يحشد النساء في قواعده، وفي واقع الحال يستأثر فيه الرجال بالمواقع القيادية، حيث نجد تحالفات أصيلة بين الزعامات التقليدية، والدينية، والعشائرية، ومؤخرا عسكرية، بالصورة التي تركت أثرها في منافسة المرأة لتلك المواقع، بالرغم من الجهود النسوية المثابرة التي لم تنفك تطلق المبادرة، تلو الاخرى، في سبيل تحقيق العدالة النوعية، والمساواة السياسية، ورفع التهميش منذ بداية الحكومة الانتقالية، اذ هي تجتمع بأجسامها المتعددة وتسابق في رفع ترشيحاتها من ذوات الكفاءة، والخبرات العلمية والعملية، للحصول علي حصة 40% مقابل تراخي وتجاهل حكومي بائن.
مما زاد الطين بلة عدم المحاسبة لفلول النظام السابق من إسلاميين، ومنتفعين، والعجز في تغيير النظام العدلي بالبلاد مما جعلهم يتجرأون علي استغلال هذه الاوضاع المخلة، وإسآءة استخدام مساحة الحريات، وحق التعبير.
من النماذج الصارخة في الأيام المنصرمة، معارك (الفروسية المتخيلة) التي تواجهها د. آمنة المكي منذ توليها المنصب حتي اغلاق طريق التحدي، الذي لم يراعي مصلحة العامة، وأشاعة الفتنة، والفوضى، في مدينة شندي ممن تسموا بـ (مجلس شورى الجعليين)!!
تجلت في هذه الحادثة مظاهر سوء الأخلاق، والتي هي نتاج التعصب القبلي، العشائري، صنيعة حكومة الاسلاميين، وللأسف لايزال يتمدد هذا الهوس في ظل التراخي الأمني الذي ينتظم البلاد.
قامت تلك المجموعة المتفلتة بنعت السيدة الوالية وعضو مجلس السيادة عايشة موسي بـ (العاهرات)، قأئلين أنهم لن يسمحوا ( للعاهرات بأن يأتين الى شندي)!!
ضجت الجموع العشائرية بالتكبير، والتهليل، بحسب إرث المشروع الحضاري، الاسلامي، في أبشع صور إذلال المرأة، والتسلط الذكوري، الذي يستبطن أن النساء مجلبة للعار والغواية الجنسية، وما علمت تلك المجموعة المتخلفه عن ركب مطالب ثورة ديسمبر في المدنية، ان تلك الاقاويل والهتافات هي اخلاقياً لا تجعلهم مؤهلين او نافعين لقيادة المجتمع وإصلاح احواله، وهو مجتمع أشتهر في اعرافه بتقدير النساء، بل اكثر من ذلك تضعهم تحت طائلة القانون بتهم قذف المحصنات وهتك الاعراض!!
لقد جهل هؤلاء السفهاء، من الذين شهروا السيوف، أن (العهر) الحقيقي هو العهر السياسي، الذي أغمد السيوف، وأخرس الرجال عن كلمة الحق حين كان العبث بالدين شرعة الرئيس المخلوع (شريعة مدغمسة)، وحين تمّ أغتصاب الرجال، والنساء، في حكومة الاخوان المسلمين، وحين عمّ الفساد حتي نخر الشئون الدينية والأوقاف، إذ أستحلوا أكل اموال الحج والزكاة، وأغتناء منظمة الدعوة الاسلامية علي حساب الفقراء والمعوزين. لماذا لم نسمع لهم حساً حين حين تم بيع اراضيكم في منطقة شندي ونهر النيل ( والأرض عرض) ! ولقد كان جهلهم بينا، وصمتهم مريبا حين لم يطالبوا باسترداد اموالهم، والقصاص للشهداء بعد ثورة ديسمبر.
العهر الحق هو إرسالهم رسائل الإستجداء لرئيس المجلس العسكري الفريق الركن البرهان قائلين (الى متى هذه المهازل)؟!
كل هذا يتم ضد من؟! يتم ضد أبنة منطقتهم ومن صلب أرحامهم، حقا إنه (ما أكرمهن الا كريم، وما أهانهن الا لئيم) فان استطعتم حشد البسطاء اليوم، لا تحلموا بعودة اسيادكم للكراسي غداً فقد قال الشعب الواعي كلمته في حقهم.
إن السيدة د. آمنة المكي يهمها أمر معاش الناس، سعت بالرغم من العوائق الاقتصادية ان تقف لجانب انسان المنطقة المنهك المتعب من السياسات الفاسدة، بالرغم من ذلك خرجتم ضدها، وبالمقابل لم نشهدكم خرجتم تهتفون ( خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود)! حين طبع البرهان باسم السودان سراً مع اليهود واسرائيل ثم أستقبل اليهود في عقر مكتبه وأهداهم بندقية بأسمكم!!
إن المعركة أكبر من النظرة الدونية، والتنمّر على النساء، وعرقلة تقدمهم في المناصب السياسية الحساسة، فالراهن في الحكومة الانتقالية يستدعي نهضة المجتمع بشقية سوياً، والتكاتف في وجه من يسعي لزعزعة السيادة الوطنية برمتها، والحفاظ علي أعظم الثورات التي ضربت النموذج في التغيير السلمي، والتساوي بين الرجال والنساء، والتكاتف لإخراج الشعب من المحن الاقتصادية والسياسية التي تواجه البلاد..