وجهة نظر ماركسية حول الدعارة



روزا سيسيليا ليموس
2021 / 2 / 7

“وضع المرأة هو المؤشر الأكثر وضوحا ودلالة لتقييم النظام الاجتماعي وسياسة الدولة”. ليون تروتسكي.[i]

إذا أخذنا بهذه العبارة لتروتسكي، فإن النظام الاجتماعي الرأسمالي الذي نعيش فيه، وسياسات دوله في كافة أنحاء العالم ستفشل في الاختبار. الإحصائيات حول العنف ضد المرأة التي وصفتها مؤسساته –كالأمم المتحدة_ بالجائحة العالمية، وأرقام الفقر التي تبيّن أن النساء يشكلن 70% من الأكثر فقرا في العالم، ووفيات النساء نتيجة الإجهاض غير الآمن، والعدد المتنامي لحالات الحمل غير المرغوب فيه للمراهقات، ومصادرة حقوق المرأة الاجتماعية بسبب التقشف، والأرقام المرعبة للدعارة، والاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي للأطفال، هي “مؤشرات بيانية واضح الدلالة”.

في تسعينيات القرن الماضي، عندما أصبحت استعادة الرأسمالية في دول العمال السابقة أمرا شائعا، لم تستطع البرجوازية العالمية إخفاء فرحها، وأعلنت بصوت عال “تفوق الرأسمالية على الاشتراكية”. المتحدث باسمها الأكثر جرأة، فوكوياما، تصدر لدفن الصراع الطبقي مرة واحدة وإلى الأبد. عوضا عن هذا سنحقق مملكة مصالحة وتقدم وازدهار للجميع. هل سيكون عليه ابتلاع كلماته اليوم، أم أنك ستقول أن أرقام الوكالات العالمية للإمبريالية خاطئة؟

بما أن الواقع لا يمكن تغييره أو إخفاؤه، فقد تم إجراء تغييرات عميقة في اللغة، في المفاهيم (المعاني)، للإيهام بأن هذا من شأنه تغيير الواقع. استحالة. ومع هذا فقد كان للأمر تأثيره، خاصة في بعض الطبقات الاجتماعية، كالبرجوازية الصغيرة الناشئة أو الطبقة الوسطى الحديثة. مثال على ذلك ما حدث هذا العام في اليونان. المفاوضات الأولى مع الإمبريالية الأوروبية، التي أجراها رئيس الوزراء تسيبراس ووزير الاقتصاد السابق فاروفاكيس، تظهر تغيير الأسماء على أنه انتصار عظيم: “الترويكا” حلت محلها “المؤسسات” وحلت محل “الإمبريالية” “الشركاء”. ولزيادة الأمر سوء فقد اعتقدوا حقا أنه منذ ذلك الحين فصاعدا ستعاملهم الإمبرياليتين الألمانية والفرنسية كـ “شركاء”. الواقع، إلى جانب كونه عنيدا للغاية، بين أنه رغم التغييرات في اللغة، يستمر الإمبرياليون في معاملة اليونان كبلد شبه مستعمر، وخاضع لاملاءات الترويكا.

الحقيقة أن هذه مقاربة مثالية تماما، على نحو لا يصدق. الأفكار لا تغير الواقع إلا إذا تحولت إلى أفعال. الوجود يحدد الوعي. في هذه المتاهة أصبحت اللغة تعبيرا ملطفا بالفعل. “المجتمع الدولي” عوضا عن الإمبريالية، و”شرائح” أو “فئات” عوضا عن الطبقات الاجتماعية، أو ببساطة لا شيء، مجرد “مواطنين”. و”عاملات الجنس” بدلا من الدعارة، على أمل أنه باستخدام كلمة “عاملات”، كون العمل “يكرم” الرجل والمرأة، فإن الآثار الاجتماعية، والاقتصادية، والنفسية العميقة على النساء اللواتي يمارسنها وعلى المجتمع بأسره ستختفي بفضل فن اللغة. راحة لضمير المرء. وبالتالي، سيهدأ المقامرون لأنهم سيمنحون “وظيفة” لامرأة سيصبح لديها المال لتربية أطفالها، والمرأة ستشعر بالرضا لأنها في العمل.

بالرغم من هذا، بعيدا الأيديولوجيات التي يصنعها لنفسه كل من أولئك المتورطين، الواقع يضع الأشياء مجددا في مكانها. إنها كارثة المجتمع الرأسمالي أن تلجأ ملايين النساء في كافة أنحاء العالم إلى بيع أجسادهن من أجل البقاء، أو أن يكون هناك عدد متنامي من الأطفال الذين لا يفهمون حتى سبب قيامهم بفعل “ذلك”. هذا النظام الرأسمالي لا يجرؤ، على الأقل، على منحهم الفرصة لبيع قوة عملهم لصاحب عمل حتى يستغلها، لإنتاج سلع سيكونون معزولين عنها. هؤلاء الأطفال الذين أخضعوا لهذه العبودية لا يفهمون لماذا يجب استغلالهم جنسيا من قبل البالغين عوضا عن الاستمتاع بأعمارهم البريئة.

هذا الواقع لا يمكن تغييره، بصرف النظر عن الأعداد المتزايدة من السياسات المطبقة لتبريره وشرعنته، بدءاً بالقوننة إلى التنظيم والعقاب القانوني. الدول الرأسمالية غير قادرة على القضاء على هذا الشكل من العنف ضد النساء، والأطفال، والمثليين، والمثليات، والمتحولين لأنه فعال لنظامها الاستغلالي.

هل هي “المهنة” الأقدم في العالم ؟



كتاب البرجوازية المأجورون يكررون، استهلالا، مقالاتهم حول الموضوع: “المهنة الأقدم في العالم”. حتى أن الناس العاديين يشيرون إلى الدعارة على ذات النحو. أي كذب وراء هذا التصريح؟ بداية يعطي الأمر مغزى يفيد بالخلود، بمعنى أن ما حدده التاريخ على أنه “قيمة” متأصلة بالجنس البشري لا يمكن تغييره. ثانيا، يضفي معنى حِرفيا أو تجاريا “محترما” على هذه الممارسة. ولكن، استنادا إلى أبحاث أجراها أنثروبولوجيون بارزون مثل مورغان وباخوفن، وفريدريك إنجلز في أصل العائلة، يتبين أن الدعارة لم تكن موجودة في المراحل المبكرة من تطور الجنس البشري، فقد ولدت كواقع اجتماعي تحدد بظروف “الإنتاج وإعادة الإنتاج للحياة المباشرة”، ما أحدث تغييرات في المؤسسات، والعائلة، والبنية الفوقية القانونية، تبلورت بظهور الزواج الأحادي والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج.

“لدينا بالتالي ثلاثة أشكال أساسية للزواج تتوافق بشكل عام مع ثلاث مراحل أساسية لتطور البشرية. لمرحلة الوحشية الزواج الجماعي، وللبربرية الزواج الثنائي، وللحضارة الزواج الأحادي وألحقت به الخيانة والدعارة. وبين الزواج الثنائي والزواج الأحادي تدخل فترة المرحلة العليا للهمجية، عندما يكون للرجل عبيد إناث تحت إمرته، ويمارس تعدد الزوجات”[ii].

في هذا المؤلف نفسه، يقول إنجلز إن “إسقاط حقوق الأم كان الهزيمة التاريخية العالمية للجنس الأنثوي”، مشيرا إلى حقيقة أنه بقدر ما تطورت قوى الإنتاج، ومعها الثروة والتراكم، كلما بدأ الاعتراف بالنسب في الخط الأنثوي فقط، يظهر على أنه عائق أمام مراكمة الرجال، الذين يعود إليهم القطيع، حيث أن سلالات الأعضاء الذكور لن يعودوا من نسلهم، وبالتالي لن يستطيعوا أن يرثوا آباءهم.

لذا، فإن فقدان حق الأم “مرتبط بالخصوصية المتمثلة في حرمان النساء، وليس الرجال، بشكل متزايد، من الحرية الجنسية للزواج الجماعي”. خيانة المرأة بدأت تعتبر جريمة خطيرة، بينما ينظر إلى سلوك الرجل على أنه مشرف.

ويتابع إنجلز: “ولكن كلما تغيرت هيتيرية الماضي أكثر في زمننا عبر الإنتاج السلعي الرأسمالي، وأصبحت متطابقة معه، أي كلما تحولت أكثر إلى دعارة علنية، كلما كانت آثارها أكثر إحباطا. وإنها تثبط الرجال أكثر بكثير من النساء. بين النساء، الدعارة تحط فقط من قدر التعيسات اللواتي أصبحن ضحياتها، وحتى هذا ليس إلى الحد الذي يعتقد عموما. لكنها تحط من قدر شخصية العالم الذكوري برمته[iii].

ما الذي يعنيه إنجلز بتأكيده أن الدعارة تحط من قيمة كل الرجال؟ أولا لأن نشوء الدعارة يظهر متزامنا مع تركيز ثروة كبيرة في يد الفرد _الرجل_ والحاجة إلى توريث هذه الثروة لأبنائه وليس لغيرهم. لذا، فإن الزواج الأحادي مطلوب للنساء، وليس للرجال، الذين يتم ضمان حرية جنسية كاملة لهم، من خلال تعدد الزوجات والدعارة. المرأة يتم استعبادها مرتين، كملكية خاصة لإنجاب أبناء الرجل، وكعاهرة لإشباع شهوته. بمعنى آخر، يمكننا تفسير الأمر بأن المرأة التي يتم إرغامها على الدعارة من أجل البقاء، تفعل ذلك من أجل الضرورة، بينما يقوم المقامر بهذا من أجل المتعة الجنسية، ما يجعل المرأة مجرد شيء، سلعة لها قيمة استخدام.

الدعارة والزواج الأحادي يجتمعان كنقيضين حقيقيين في المجتمع الرأسمالي الحديث، فهما قطبان لا ينفصلان لذات الحالة الاجتماعية. هل يمكن للرأسمالية حل هذا التناقض؟ لا نعتقد ذلك. على العكس، لقد زاد الأمر سوء في العهود الأخيرة. من جهة، فإن الحاجة إلى دمج أعداد كبيرة من النساء في الإنتاج الاجتماعي مترافقة مع استحالة استيعاب كل القوى العاملة النسائية، بسبب قوانين السوق الرأسمالية، تترك مجالا واسعا للخروج من النظام الإنتاجي، وتدفعهن للجوء إلى الدعارة لكسب الرزق. ومن جهة أخرى، خلق هذا الأمر صناعة جنسية حقيقية، محولا حاجة الإنسان إلى سلعة، ومعمقا النظر إلى المرأة على أنها غرض جنسي، ومصدر للربح.

كارل ماركس بيّن جوهر الرأسمالية في كتاباته حول اغتراب العمل بطريقة بارعة بحيث لا يفقد صلاحيته.

“في النهاية، جاء الوقت الذي بات فيه كل شي اعتبره الرجال غير قابل للتملك موضوعا للتبادل، والتجارة، ويمكن تغريبه. إنه ذلك الوقت الذي كانت كل تلك الأشياء حتى حلوله يتم تناقلها، ولكن ليس تبادلها أبدا، ومنحها، ولكن ليس بيعها أبدا، واكتسابها، ولكن ليس شرائها أبدا –الفضيلة، والحب، والقناعة، والمعرفة، والضمير.. الخ- حتى انتقل كل شيء، باختصار، إلى المتاجرة. إنه زمن الفساد الشامل، أو الإفساد العالمي، أو، للتحدث بلغة الاقتصاد السياسي، الزمن الذي بات في كل شيء، معنوي أو مادي، له قيمته التسويقية، ويتم طرحه في السوق لتقدير قيمته الحقيقية. (كارل ماركس، بؤس الفلسفة)[iv].

هذه السمة للمجتمع القائم على النمط الرأسمالي للإنتاج تضرب أكثر من أي شيء آخر الطبقة المحرومة من وسائل الإنتاج، الطبقة العاملة. رأس المال لا يكتفي بالاستيلاء على ثمار عملها فحسب، بل يخضع كل حياتها لقوانين السوق، التي لا مخرج فيها لرجال ونساء الطبقة العاملة سوى بيع قوة عملهم كسلعة، لقاء أجور بائسة. ما الذي تبقى للفرح؟

“إلى جانب الإفراط في تناول المشروبات المسكرة، فإن أحد العيوب الرئيسية للعمال الإنجليز هو الترخيص الجنسي. لكن هذا أيضا يتبع بمنطق لا يرحم، وبضرورة حتمية ناتجة عن وضع طبقة تركت لذاتها، دون أية وسيلة للاستفادة الملائمة من حريتها. البرجوازية تركت للطبقة العاملة هاتين المتعتين فقط، في الوقت الذي فرضت فيه عليها الكثير من الجهود والصعوبات، والنتيجة أن العمال الرجال، بغية الحصول على شيء من الحياة، يركزون كامل طاقاتهم على هاتين المتعتين، ويمضون فيهما بإسراف، ويستسلمون لهما بأكثر السلوكيات جموحا. عندما يوضع الناس في ظروف تستهوي البهيمي فقط، فما الذي يتبقى لهم سوى التمرد أو الخضوع للوحشية المطلقة؟ وعندما تقوم البرجوازية، علاوة على ذلك، بكامل إسهامها في الحفاظ على الدعارة – وكم من الـ 40000 عاهرة اللواتي يملأن شوارع لندن كل مساء يعشن على البرجوازية الفاضلة! وكم منهن مدينات بهذا لإغواء برجوازي، بأن عليهن تقديم أجسادهن للمارة من أجل أن يعشن؟ _ فإنه بالتأكيد لا يحق لها لوم العمال على وحشيتهم الجنسية”. (إنجلز، حالة الطبقة العاملة في إنجلترا)[v].

آمل أن أكون قد أوضحت – لأولئك القراء ذوي الوعي النقدي، ولأولئك النساء العاملات اللواتي يشعرن بالغضب جراء المآسي الإنسانية.. للرجال والنساء الذين ليسوا سعداء بمجرد التفكير في العالم ولكنهم يريدون تغييره – أن اضطهاد النساء والدعارة، باعتبارها أكثر تجلياته وحشية، ليست أزلية ولا هي مهنة. إنها إحدى التداعيات المروعة للقمع والاستغلال الرأسمالي.

الأرقام المتعلقة بالدعارة والاتجار بالبشر وتجارة الجنس



بتتبع العديد من التحقيقات الراهنة التي أجرتها وكالات مختلفة، نرى أنها كلها تقريبا تتفق على أن التهريب، والمافيا الدولية التي تدعمه، والاتجار بالأطفال، والأعمال الإباحية قد تنامت إلى مستويات شنيعة. كما أنها تتفق أيضا على أن معظم من يتم جلبهم قسرا هم من النساء، ومن بينهن نسبة عالية من القاصرات، بهدف الاستغلال الجنسي. الغالبية العظمى تأتي من البلدان الفقيرة في آسيا، وأمريكا اللاتينية، ومنطقة الكاريبي، ووجهتها البلدان الغنية في أوروبا، واليابان، والمشرق.

في 1 حزيران 2012، قامت منظمة العمل الدولية بإصدار تقريرها العالمي الثاني حول العمر القسري، ويقدر هذا التقرير أن العبودية الحديثة حول العالم تودي بنحو 20.9 مليون ضحية. هذه النتيجة تعترف بأن الاتجار بالبشر يتحدد بالاستغلال، وليس التنقل. ووفقا لتقدير منظمة العمل الدولية فإن 55% من ضحايا العمل القسري هم من النساء والفتيات، وأن 98% منهن يعملن في تجارة الجنس. التقديرات الأولى لمنظمة العمل الدولية حول العمل القسري، عام 2005، أفادت بوجود 12.3 ضحية من ضحايا العمل القسري والاتجار بالبشر بهدف التجارة الجنسية، ما يعني أن العدد خلال 7 سنوات قد تضاعف تقريبا. بحسب المنطقة، فإن آسيا، ومنطقة المحيط الهادئ (التي تشمل جنوب آسيا) لاتزالان تسجلان أكبر عدد من الضحايا، رغم أنه يشار إلى أن الأعداد قد تزايدت في افريقيا بعد العام 2005.

تقرير الأمم المتحدة للعام 2013، الصادر عن المقرر الخاص المعني ببيع ودعارة الأطفال واستغلالهم في المواد الإباحية ينص على ما يلي: “منذ العام 2008، عانى العالم تغييرات كبيرة كان لها أثرا بعيد المدى على حجم وطبيعة تجارة الأطفال واستغلالهم الجنسي. تطور العولمة، والتوسع المستمر في استخدام الإنترنت، بما في ذلك في البلدان النامية، وزيادة الهجرة – سواء على الصعيد الدولي أو المحلي، ولا سيما بسبب التحضر، والأزمة الاقتصادية والمالية، والكوارث الطبيعية، والنزاعات، والتغيرات المرتبطة بالمناخ.. كلها كان لها أثرها في جعل الأطفال عرضة للأذى”.

التقرير الدولي حول الاتجار بالبشر للعام 2012، الذي نشره مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، يفيد بأنه “عند مقارنة نسبة الاتجار بالأطفال المكتشفة بين عامي 2007 و 2010 (27 بالمائة)، بالنسبة المسجلة سابقا بين عامي 2003 و 2006 (حوالي 20 في المائة)، يمكن ملاحظة زيادة عامة في اكتشاف عمليات الاتجار بالأطفال على المستوى العالمي. وتؤيد هذه النتيجة حقيقة أن أكثر من 20 دولة سجلت زيادة واضحة في نسبة الاتجار بالأطفال المكتشفة في الفترة 2007-2010 مقارنة بالفترة 2003_ 2006. في السنوات الأخيرة، كانت الزيادة أكبر بالنسبة للفتيات: عام 2006، كان 13% من إجمالي الضحايا الذين تم اكتشافهم من الفتيات؛ وفي عام 2009، كانت نسبة الفتيات 17%”. ويتابع: “كان اثنان من كل ثلاثة أطفال تم الاتجار بهم من الفتيات”، بينما “في أفريقيا والشرق الأوسط، كان نحو 68% من ضحايا الاتجار بالبشر أطفال”.

مجددا، يشير تقرير المقرر الخاص للأمم المتحدة إلى استغلال الأطفال في المواد الإباحية: “لقد أسيء استخدام الإنترنت بشكل كبير كأداة لنشر المواد الإباحية للأطفال. التقديرات تشير إلى أن عدد صور الاعتداء على الأطفال عبر الإنترنت يصل إلى الملايين، وأن عدد الأطفال الذين يتم تصويرهم على الأرجح يصل إلى عشرات الآلاف. أعمار الضحايا تميل إلى الانخفاض، وقد أصبحت التمثيلات أكثر عنفا. ويتم نشر الصور بشكل متزايد من خلال شبكات نظير إلى نظير، ما يجعل اكتشافها أكثر صعوبة”.

الأمم المتحدة تقدر أن هذه “الأعمال” تحقق أرباحا تتراوح بين 5 و 7 مليارات دولار سنويا. وفقا لمجلة فوربس، فإن المواد الإباحية تحرك سنويا نحو 60000 مليون يورو في العالم، ولها نحو 250 مليون مستهلك.

وهناك حقيقة أخرى مثيرة للاهتمام ، وهي أن النساء من أوروبا الشرقية بدأن في الظهور وهن يعملن كعاهرات في الشوارع في حدود العامين 1998-1999، أي بمجرد استعادة الرأسمالية في تلك البلدان. الدعارة والاتجار بالبشر مرتبطان بأعمال تجارية أخرى، مثل تهريب المخدرات والأسلحة.

ويضيف التقرير معلومات مرعبة أخرى حول الاتجار بالأعضاء: “الدراسات حول هذا الموضوع سلطت الضوء على أن “السياحة” الخاصة بزراعة الأعضاء قد توسعت. ومرة ​​أخرى سهلها تطور السفر الدولي. الناس من البلدان ذات الدخل المرتفع يسافرون إلى المناطق الفقيرة، حيث يبيع الناس أعضائهم كاستراتيجية للبقاء على قيد الحياة. الأبحاث الحالية تسلط الضوء على أن أكثر أفراد السكان ضعفا هم المتضررون بشكل خاص من هذه الجريمة”. وأكثر أفراد السكان ضعفا هم الأطفال، والنساء، والشباب –الذين ينتمون إلى الطبقة العاملة وجيشها الاحتياطي من العمالة_ والعاطلون عن العمل والقطاعات الشعبية الأشد فقرا، للذين يعيشون في ضواحي المدن الكبرى، ومن بينهم أيضاً السكان السود.

لقد بحثت في التقارير الواردة من الجهات الحكومية والأرقام التي تبين بحد ذاتها أننا لا نبالغ في إدانتنا لهذا الواقع الصارخ. الرأسمالية، التي بنيت على المثل العليا للثورة الفرنسية التي نادت بـ “الحرية، والعدالة، والأخوة” بينت ولا تزال تظهر أن المنتصر فقط، وهي البرجوازية العالمية، يمكنه الاستفادة من هذه الإنجازات، وأن المرحلة التي بلغتها الإمبريالية من التطور لا تدخر جهدا للحفاظ على ارتفاع معدلات الربح. مصطلح “عبيد رأس المال” له استخدام أوسع بكثير هذه الأيام، لأنه لا ينطبق فقط على هذا المجال للاستغلال الجنسي، بل أيضا في مناطق واسعة من العالم تتبنى كثير من فروع الإنتاج الاجتماعي أشكالا حقيقية للعبودية، كـ “الماكويلاس” وسفن المصانع الشهيرة. المجتمع الرأسمالي يمول أشكالا متزايدة من البربرية، ويمكن القول أنه من ضمنها الكوارث الناجمة عن الاحتباس الحراري، وصور المهاجرين الذين يصلون بالآلاف إلى الدول الأوروبية ويتم التعامل معهم على أنهم خارجون عن القانون. كثير منهم من النساء، وكثيرات سيتم إجبارهن على ممارسة الدعارة.

المرأة كأداة جنسية

الدعارة تؤكد يوميا، وفي كل لحظة، تحويل المرأة إلى سلعة ليتم استهلاكها من قبل الرجال من أجل إشباع رغباتهم الجنسية. بصرف النظر عن عمرها. واليوم، يلقى بمجتمع المثليين والمتحولين جنسيا إلى الدعارة نتيجة لرهاب المثلية التي تميز ضدهم في مكان العمل وفي المجتمع. قطاع آخر مضهد ويشترك بذات المصير لكثير من النساء. ولكن يا لها من مصادفة! في كل تلك الجرائم، سواء أكانت متعلقة بالدعارة، أو الاعتداء الجنسي على الأطفال، أو الاغتصاب، أو المواد الإباحية على الانترنت واستخدامها، أو شبكات الإتجار بالبشر، يكون الرجال وراء نحو 100% منها. ماذا يعني هذا الهوس المنحرف والعدواني المتعلق بالجنس؟

استنادا إلى “دراسات علمية”، يجادل البعض بأن الرجل والمرأة بينهما اختلافات “طبيعية” فيما يتعلق بالرغبة الجنسية. وبالتالي، ستكون رغبة الذكر أشد، ولا يمكن كبحها، ويصعب ترويضها. أو أنها “مشبعة بفظاظة بهرمون التستيرون الجامح”. وراء الدراسات الجادة لبعض علماء الجنس، نجد التفسيرات في المجالات الاجتماعية أو الثقافية.

أحد أكثر فروع الإنتاج استخداما في هذه الأيام هو مجال الإعلان والتسويق، المجهز لتطوير الحركة “الحرة” للسلع بشكل كامل، لاستغلال احتياجات الناس وخلق احتياجات جديدة، استنادا إلى الصور، واللغة وتأثيراتها الذاتية على الوعي، ما يعني التأثير أو خلق مخيلة اجتماعية. لكن هذه المخيلة، التحيز الذي تدعمه مسبقا أسس موضوعية، تم الدفع بها إلى الحد الأقصى بواسطة وسائل الإعلام لتوسيع دائرة الاحتياجات التي تخلقها الرأسمالية المنغمسة في أزمة فائض الإنتاج، بحثا عن مخرج يائس، في ظل التدفق المتزايد للبضائع، بأسرع ما يمكن.

لذا، صورة المرأة كأداة جنسية _كسلعة_ تكتسب شدة أكثر، وتستخدم للترويج لبيع سلع أخرى. عادة ما تكون شابة جميلة تظهر عارية أو شبه عارية، أو ترتدي ملابس مثيرة. التأثير المطلوب هو لفت انتباه الرجال من خلال الصور المثيرة. سواء أكان ذلك للترويج لبيع سيارة، أو عطر، فإن هذه المرأة ، التي يصعب على معظم الرجال الحصول عليها، تصبح جزءاً من مخيلتهم، من خلال قوة وسحر الرسالة اللاشعورية: عبر شراء المنتج المعلن عنه بواسطتها، يمكنك الحصول عليها أيضا. يتم توظيف المرأة أيضا كرمز لنجاح الرجل، كجائزة. وفقا لهذه الثقافة الاجتماعية المتحيزة جنسيا، فإن أي رجل ذو قيمة سيحظى بامرأة جميلة ذات مزايا فائقة إلى جانبه، كعلامة تجارية على “ثروته”. لذا، تصبح المرأة أحد ممتلكات الرجل، الذي يستخدمها لإظهار مكانته الاجتماعية وفحولته.

انفجار الصور هذا يضرب كل دقيقة، وكل لحظة، عقول المستهلكين، بهدف واضح لتعزيز الثقافة المتحيزة جنسيا، وشرعنتها، استنادا إلى ما يسمى بـ “جريمة العاطفة”، قتل النساء؛ هو في الواقع عنف أطلقت عنانه فكرة أنه “إذا لم تكن هذه المرأة لي، فلا يجب أن تكون لأي شخص آخر”، وهو تبرير مطبوع في سجلات الصحف الصفراء حول العالم، بهذه الحجة أو غيرها من الحجج الشائعة مثل: “الغضب الأعمى من خيانة زوجته”. الاغتصاب في الشوارع، والاعتداءات اللفظية أو النفسية، والنظرات الشهوانية الطائشة.. كل هذا العنف الشائع واليومي يستند إلى تعزيز تصور المرأة كأداة جنسية.

جانب الآخر هو رمز ربة المنزل. في الإعلانات، تظهر امرأة ترتدي مئزرها وتروج لمنتج للمرحاض أو المطبخ أو وجبة أطفال. كافة المنتجات ترتبط بدورها كجارية في المنزل، وسيدة البيت، والأم. تقرر ما ينبغي القيام به في هذه المساحة بينما يظهر الرجل كمعيل. هي أيضا عاملة، امرأة عصرية، بعد أن تستفيد من المنتجات التي يقدمها السوق “لتخفيف” أعمالها المنزلية، تهرع إلى وظيفتها. إنها امرأة “متمكنة”، محاربة فعلت كل ما يحتاجه الأمر في البيت أو العمل، ويجب أيضا أن تبدو جميلة وفي صورة حسنة. وهذه الأفكار نفسها تتكرر بلا حدود في الكتب، والمجلات، والأخبار، والأفلام، والأغاني، أو في التعليم. إنها إعادة إنتاج للأفكار السائدة التي تفرضها الطبقة الحاكمة بقوة العادة.

قوننة أم إلغاء؟



“في العالم هناك أربع مقاربات للتعامل مع الدعارة. الحظر، إستنادا إلى الكبح الجزائي من قبل الدولة، حيث يكون الزبون هو الضحية، والقصد حماية الأخلاق. والتنظيم، الذي يسعى إلى تنظيم الدعارة عوضا عن محاربتها. والإلغاء، باتخاذ إجراءات جنائية ضد القوادين والزبائن، ومقاربة القوننة، حيث يتم تقييم الدعارة على أنها وظيفة. (مجلة سيمانا ، كولومبيا، 18/8/2015).

خلفية هذا المقال كانت الاجتماع العالمي لممثلي منظمة العفو الدولية، الذي دعا إلى إلغاء تجريم الدعارة بشكل كامل عندما تتم ممارستها “بموافقة”. هذه في الواقع هي المقاربات الأربع التي تنتهجها الدول الرأسمالية لمعالجة مسألة الدعارة. ويجدر توضيح أنها كلها سياسات برجوازية.

كثير من المنظمات غير الحكومية المنتشرة في بلدان مختلفة قامت بتبني مقاربة “القوننة”، حيث يتم تقييم الدعارة على أنها “حرفة”، من منطلق الموقف الإنساني المتمثل في الدفاع عن حقوق الإنسان، واحترام الحقوق الاجتماعية لمن يمارسونها، وضد تجريم ضحاياها.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن وجهة النظر البرجوازية نفسها التي تعتبر “الزبائن” ضحايا “الإغراء” الذي تسببه بعض “النساء الفاسقات” تستحق إدانتنا، كونها التعبير المحض عن المعايير المزدوجة التي تعاقب وتضطهد الضحايا اللواتي يتم خلقهن وإعادة خلقهن بواسطة هذا النظام ذاته. الأمر مشابه لوضع الرجل الفقير الذي سرق دجاجة لإطعام أبنائه فحكم عليه بالسجن لسنوات طويلة، بينما اللصوص ذوي الياقات البيضاء الذين ينهبون خزائن المال العام يعيشون في قصورهم.

بالتأكيد، نحن أيضا نتفق على أن كل النساء، دون أي استثناء، لهن الحق بالضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، بتمويل وتزويد من الدولة، دون أي نوع من التمييز. نحن ندعوا إلى حصول النساء المنخرطات في الدعارة على تدريب على العمل والحصول على وظائف تضمنها الدولة. إذا نظموا أنفسهم لتحقيق هذا الهدف، فسنقدم لهم دعمنا الكامل. وسندافع عنهم ضد أي نوع من القمع وسوء المعاملة من قبل الدولة.

ولكن، إضافة إلى ذلك، فإننا نعارض تماما قوننة الدعارة أو أية سياسة برجوازية أخرى لتنظيمها. نحن ندعو إلى إنهاء الدعارة وكل أشكال تسليع جسد الأنثى. سياسة منظمة العفو الدولية لشرعنة الدعارة لأولئك الذين يمارسونها “بموافقة”، مقابل العقاب على المتاجرة بالبشر، خاطئة.

ليس صحيحا أن هناك موافقة من النساء المتورطات بالدعارة. رغم أن الدعارة، في بعض الحالات، قد تكون نتيجة قرار شخصي، فإن ممارستها تتم استنادا إلى عدم وجود البدائل، وتفرضها البطالة والظروف الاجتماعية للعيش. هل تقضي هذه السياسة على وجود القوادين أم أنها ببساطة ستغير اسمهم، وسيدعون باحترام “رواد أعمال”؟ هل ستمنع العنف وسوء المعاملة من قبل “الزبائن” ضد النساء؟ أليس صحيحا أنه في منطق السوق فإن الشخص الذي يشتري سلعة يمتلك الحق في استهلاكها بالطريقة التي يرغب بها؟

ليس فقط الكثير من المنظمات غير الحكومية بل أيضا منظمات سياسية يسارية تدافع عن شرعنة الدعارة بحجة أنه، مثلا، هناك نساء في الدعارة باختيارهن وبوعي كامل بحريتهن الجنسية. قد يكون هناك قلة من النساء في الدعارة باختيارهن، وحتى نساء برجوازيات يمارسنها من أجل إثارة المغامرة، للهروب من حياتهن غير المجدية، ولإضفاء بعض الأدرينالين على الدعارة الشرعية التي خضعن لها في زواجهن من أجل المصلحة. ولكن هذا لا علاقة له بالدعارة الساحقة الموجودة في المجتمع. الدعارة مرتبطة بشكل وثيق باستغلال الإنسان للإنسان، وهذا في عصرنا الاستغلال الرأسمالي والدمار البشري الذي ينتجه.

لدينا دليل لا يقبل الجدل في كوبا: أحد أعظم إنجازات الثورة، إلى جانب مصادرة ملكية البرجوازية، كان إنهاء الدعارة، ليس عبر قمع النساء، بل من خلال إعادة التعليم ومنح النساء الفرص في الإنتاج الاجتماعي، وبالتالي السماح لهن باستعادة الكرامة. استعادة الرأسمالية على الجزيرة جلبت الدعارة مجددا، وباتت الـ “جينتيراس” (العاهرات) إحدى أكبر معالم الجذب للسياحة الاجتماعية التي تكاثرت في كوبا.

وأكثر من هذا، فإن تلك المنظمات نفسها تستخدم النظرية الماركسية لإنتاج السلع، مجادلة بأنها: وظيفة كأي وظيفة أخرى، حيث تبيع المرأة قوة عملها في السوق وتنتج فائض قيمة لرئيسها. المشكلة أن النساء اللواتي يتم إجبارهن على الدعارة لا يقمن فقط ببيع قوة العمل، بل يبعن أجسادهن، وكرامتهن. لذا، فالأمر أشبه ببيع النساء أثناء مرحلة العبودية. وإننا بالمطلق ضد قوننة وتنظيم العبودية، التي لا تفيد سوى المستعبد.

أبحاث في بعض البلدان الأوروبية، التي تمت قوننة الدعارة فيها، بينت أن المستفيدين الرئيسيين من هذه السياسة هم “رواد أعمال” الجنس، بينما يزداد عدد النساء والأطفال الذين يمارسون الدعارة. ما أدى إلى زيادة الضرائب المحصلة وتسمين خزينة الدولة. العلاج هنا أسوأ من المرض.

السويد اتخذت قرارا جريئا وغيرت تشريعاتها في العام 1999، مقرة قانون شراء الجنس، والذي تم بموجبه إلغاء تجريم الدعارة. الدعارة تعد الآن مظهرا من مظاهر عنف الذكور ضد النساء والأطفال. وتعتبر شكلا من أشكال استغلال المرأة، ومشكلة اجتماعية كبيرة. إنه يجرم شراء الخدمات الجنسية، ولكنه لا يجرم بيع هذه الخدمات، ومؤخرا تمت المصادقة على توفير الموارد للنساء اللواتي يردن ترك الدعارة، والتخطيط لدخولهن في سوق العمل. النتيجة كانت أن معدلات الدعارة انخفضت بشكل كبير، والاتجار بالنساء والفتيات تقريبا اختفى.

هذه التجربة، في بلد رأسمالي، تبين أن التقدم ممكن في هذا الصدد، وأن النضال من أجل المطالب الديمقراطية، مثلا، الحق في الإجهاض القانوني والمجاني، وحق المرأة في المساواة بالأجر، ينبغي أن يطالب بها بقوة العمال ككل. لا يكفي خفض معدل الدعارة، بل يجب القضاء عليها تماما. هذا سيكون ممكنا في مجتمع لا تكون فيه وسائل الإنتاج في أيدي أقلية، بل في يد المجتمع بأسره، حيث تشارك النساء بشكل كامل في الإنتاج الاجتماعي. كما طرح ماركس في البيان الشيوعي: : من البديهي أن إلغاء نظام الإنتاج الحالي لا بد وأن يجلب معه إلغاء مجتمع النساء المنبثق عن هذا النظام، وهو الدعارة سواء العامة او الخاصة.

إننا نقف من أجل مجتمع مختلف تماما عن المجتمع الرأسمالي، مجتمع اشتراكي تكون فيه العلاقات الإنسانية، بما فيها العلاقة بين الأجناس المختلفة، قائمة على أسس قيمية مختلفة، قيم التضامن والمصلحة العامة، خالية تماما من القيود الاقتصادية البرجوازية، خالية من كل أنواع الاضطهاد والخضوع، خالية من الاستغلال التجاري والتسليع، بحيث لا يخضع أي نوع من التبادل “الأخلاقي أو المادي” لقانون القيمة البائس للنظام الرأسمالي.

ترجمة تامر خرمه



[i] https://www.marxists.org/archive/trotsky/1938/xx/stalinism.htm

[ii] https://www.marxists.org/archive/marx/works/1884/origin-family/ch02d.htm

[iii] https://www.marxists.org/archive/marx/works/1884/origin-family/ch02d.htm

[iv] http://marxists.catbull.com/archive/marx/works/1847/poverty-philosophy/ch01.htm

[v] http://marxists.catbull.com/archive/marx/works/1845/condition-working-class/ch07.htm