عيد المرأة ...وحشر مع القطيع عيد



عباس عبود سالم
2021 / 3 / 10

قلائل من العراقيين من يعرفون من هي صبيحة الشيخ داوود أو نزيهة الدليمي او سانحة أمين، لكن جميعهم يعرفون (شهد الشمري) واخواتها.
الغالبية تجهل ان الشيخ داوود اول امراة درست الحقوق في العهد الملكي والدليمي كانت اول امراة في البلاد العربية تتولى حقيبة وزارية وكان ذلك خلال العهد الجمهوري، وكانت الفتاة الارمنية آناستيان اول عراقية تدخل كلية الطب ايام الملكية اما الدكتورة سانحة أمين زكي فكانت اول فتاة مسلمة تدخل هذه الكلية في العهد الملكي ايضا.
اما شهد الشمري فهي من اشهر السيدات اثارة للجدل في يومنا هذا ويختلف الناس في توصيفها هل أعلامية ام شاعرة ام ناشطة تواصل اجتماعي، ام توصيف آخر لكن الكل يجمع على انها مشهورة ورائجة و(طاشة)...كحال كميات كبيرة من المتشابهات المائعات اللواتي طغت اسمائهن وصورهن واخبار يومياتهن و انكشفت خصوصياتهن على الانستغرام والفيس بوك والسناب جات واليوتيوب...
ربما ان ابناء هذا الجيل الذين حفظوا قصص وخصوصيات و زوايا وجدران غرف مكياج ناشطات الميديا الجديدة لايمتلكون القدر الكافي من المعلومات عن بغداد خلال الحقب الماضية وربما الكثير منهم يجهلون ان بغداد كانت تنجب عشرات العقول النسائية التي تعرف ماتريد، لا مؤخرات واجساد وميوعة واثارة وفضائح وتلفيق بل عقول تتحدى المصاعب وتحجز موقعها في خارطة الابداع العراقي.
كانت بغداد ومدن العراق تنجب آنسات وسيدات ذوات عقول ميزتها التجارب والمواهب وصقلها الجد والاجتهاد والذكاء والكمال المعرفي في مجالات الفن والرياضة والاقتصاد ومختلف حقول العلم والمعرفة.
واليوم يتعمد الجميع اهمال الصورة الجمالية الحقيقية للمراة والتركيز باتجاه اجساد نسائية نحتتها انامل اطباء التجميل ..ووجوه اخرجتها لنا اذواق الحلاقين المتبارين داخل صالونات ومراكز صناعة الجمال.
وكل يوم نسمع باسماء جديدة تلتحق بقائمة صانعات الميوعة ومهندسات التفاهة والاثارة والابتذال المرغوب به من مجتمع فقد الذوق والاتزان وفتح ابواب الغريزة على مصراعيها طالما المشهد بيد من لايملكن الا موهبة التنازل والرغبة بالصعود من خلال التنازل والنزول بالذوق واشاء اخرى .
في اواخر الثمانينات من القرن الماضي دخلت الجامعة لادرس الفيزياء فوجدت اسماء نسوية تتصدر المشهد العلمي في هذا التخصص الصعب ووجدت اسماء عالمات عراقيات موضوعة على مناهج الدراسة ومقرراتها المتخمة بالنظريات والمعادلات الرياضية ومنهن الدكتورة سهام قندلا في الفيزياء العامة والدكتورة بتول الخياط في الثرموداينميك و د أمل الاطرقجي في طرق تدريس الفيزياء وعشرات الاسماء الاخرى التي يعرفها جميع ابناء جيلي وتخصصي الدراسي.
يومها كان الجمال البغدادي يتجسد في تشكيلية متميزة من النساء فلا يمكن لاي من ابناء جيلنا ان يتجاوز لميعة عباس عمارة ولا نازك الملائكة ولا نزيهة سليم ولا لطفية الدليمي ولا ناصرة السعدون ولا شميم رسام ولا فكتوريا نعمان وعندما نتوغل اكثر سنجد
سعاد العطار و شقيقتها ليلى اللواتي انجزن الكثير من النفائس التشكيلية مع وسماء الاغا وساجدة المشايخي وبهيجة الحكيم وفريال الكليدار والعشرات من صاحبات الانامل والعقول الساحرة وصانعات الجمال،
مازلنا نحتفظ بصور رينيه دنكور التي يعرف العراقيون عراقيتها وجمالها ولا احد منا يهتم لهويتها الدينية ولا يمكن لنا ان ننسى بطلات الرياضة وصاحبات الارقام القياسية اللواتي شغلن دنيا الملاعب ومضامير البطولة مثل سلمى الجبوري وايمان صبيح وايمان عبد الامير والعشرات من بطلات الساحة والميدان والفرق النسوية التي ذاع صيتها يوم ما وتحدث الناس والاعلام عن منجزها الذي وضع العراق في مقدمة دول المنطقة.
مازال المجتمع النخبوي العراقي يجمع على احترام مهندسة معمارية مثل زها حديد و يتغنى جيل بعد جيل بترانيم #سيتا_هاكوبيان و روائع عفيفة اسكندر واغنيات امل خضير ويفرح باي لوحة تطل بها علينا #نادية_اوسي..وكلثوم الزيدي والعشرات من صاحبات الانامل الساحرة
مازلنا ننتظر الكثير وننتج الكثير لكن الخلل يكمن في اذهاننا الموجهة صوب الفضائح والتفاهة ...مادمنا نتكاسل في اداء التحية للبضاعة الجيدة وتجاوز البضاعة الرديئة ..
نبحث عن الاجساد التي لاتمتلك الا الاهتزاز امام كاميرات اجهزة الآيفون او تصنع الابتسامة بوجه فلاتر (السناب جات) التي عادت تنتج وجوها متشابهة لاقيمة لها في عالم متغير متسارع.
ابتعدنا عن ذائقتنا السمعية والبصرية واخذنا نتطلع في الوجوه التي تستهلك من مساحيق التجميل اكثر مما تستهلك من محتويات الكتب ولا تبذل اي قدر آخر من الجهد او العمل لتطوير الذات بموهبة او مهارة جمالية تميز احداهن عن الاخرى..
فقدنا معاييرنا الجمالية في تقييم الاشياء ورضخنا الى تفضيل المشهور والمنتشر ومنحه علامات اضافية مادمنا نسلم خياراتنا الى مايقرره القطيع الالكتروني فنؤمن حينها ان حشر من القطيع عيد ....