قاسم أمين.. رائد تحرير المرأة



فهد المضحكي
2021 / 3 / 13

صدور كتاب قاسم أمين (تحرير المرأة) الذي ظهرت طبعته الأولى سنة 1899 أثار عواصف الهجوم وأعاصير الاعتراض من الجماعات التقليدية في المجتمع المصري وخارجه، واضطر قاسم أمين إلى توضيح مقاصده في كتابه الثاني (المرأة الجديدة) الذي صدر سنة 1955 ولا يقل أهمية عن الكتاب الأول.

كما كتب المفكر جابر عصفور، إلى جانب كتاب تحرير المرأة، منظومة متكاملة لمشروع تحريري كبير يهدف إلى الانتقال بالمرأة العربية من وهاد الضرورة إلى ذرى الحرية، ومن الممارسات التخلف إلى أحلام التقدم.

فمرور أكثر من 120 سنة على صدور أول كتاب ينادي بتحرير المرأة العربية ليس بالحديث الذي يمكن اغفاله أو التهوين من شأنه، فكتاب قاسم أمين (تحرير المرأة) ومن بعده كتاب (المرأة الجديدة) كان علامة على نهاية زمن (الحريم) وبداية زمن المرأة الجديدة التي سرعان ما دخلت الجامعة التي فتحت ابوابها بعد ثماني سنوات فحسب من صدور كتاب (المرأة الجديدة) وكان الكتاب علامة بالقدر نفسه على مجاوزة النظريات الجزئية الاصلاحية الخاصة بواقع المرأة إلى رؤية شاملة ومشروع متكامل لتحريرها ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة ان تطلب هدى شعراوي من مجلس إدارة الجامعة الوليدة في مصر في العام التالي على انشائها، السماح لامرأة بالتدريس لمجموعة من النساء في احدى قاعات الجامعة فاستجاب كما يروي عصفور، مجلس الإدارة الذي كان يرأسه الامير أحمد فؤاد (الملك فؤاد فيما بعد) إلى طلب هدى شعراوي وكانت تلك بداية التعليم الجامعي للمرأة الجديدة التي سرعان ما انخرطت في العمل العام، واقتحمت النشاط السياسي في ثورة 1919 بل خلعت الحجاب عن وجهها وخرجت إلى المظاهرات المطالبة بالجلاء التام أو الموت الزؤام، بجانب هذا يعتبر كتاب (تحرير المرأة) ليس مسؤولًا عن ثورة 1919 أو حتى سببًا مباشرًا من اسبابها، ولكنه كان علامة واعدة في حركة تحرير المجتمع المصري في ذلك الوقت خصوصًا من الزاوية التي أكد فيها قاسم أمين ان تحرير المرأة من تحرير المجتمع كله، وان تخلفها من تخلفه، وعبوديتها من عبوديته، وان حضور المرأة الحرة هو دليل على حرية المجتمع وتقدمه ولقد آمن قاسم امين ان المرأة نصف المجتمع، وانه لا تقدم لنصف يعاني نصفه الثاني من الوان القمع واشكال التخلف من قسوة التقاليد الجامدة، وبسبب عمق إيمان قاسم أمين بالعلاقة الوثيقة بين قضية تحرير المرأة وتقدم المجتمع بأسره، وهب حياته كلها لقضية المرأة، ولم يكتفِ بإصدار كتابه بل انغمس في كل الانشطة التي تؤدي إلى انهاض المرأة المصرية أو العربية من وقع تخلفها، وبعد ان كان يكتفي بتعليمها قبل الجامعي في كتابه الأول ازداد اصرارًا على تطوير مراحل هذا التعليم فاشترط مع إقران له في الدعوة إلى تأسيس الجامعة الاهلية التي كانت الجامعة الوطنية الاولى في العالم العربي وظل يعمل في اللجنة المؤسسة للجامعة إلى ان تولي رئاستها خصوصًا بعد أن اضطر صديقه سعد زغلول إلى التخلي عن هذه الرئاسة مع تعينه وزيرًا للمعارف وترك مهمة رئاسة لجنة الجامعة إلى قاسم أمين الذي نهض بها، ودفع بمشروع الجامعة كله إلى حيز التنفيذ ولكن لم يرَ افتتاح الجامعة الوليد في الشهر الاخير من سنة 1908، فتوفى قبل الافتتاح باشهر معدودة، تاركًا حلمًا عن تحرير المرأة بين ايدي المرأة نفسها، ولم تقصر المرأة في انجاز هذه المهمة الوكلة إليها، المهمة التي اندفعت اليها بقوة رغبتها في التحرير من سجون التقاليد الجامدة التي حالت بينها وحقها في التعليم، كما منعتها من ممارسة ما هي جديرة به من حقوقها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وكانت ثورة 1919 قوة دافعة إلى الامام في حركة تحرير المرأة خصوصًا بعد ان انتقلت قضية تحرير الوطن من معناها السياسي الضيق إلى مناها الاجتماعي الواسع وهو المعنى الذي فتح للمرأة ابواب العمل العام وأتاح السباق الثوري الذي خلعت فيه هدى شعراوي – زعيمه النساء في ثورة 1919 - حجابها بتشجيع من سعد زغلول زعيم الامة مؤدية بذلك الشعيرة الرمزية التي سرعان ما تبعتها فيها طليعة النساء والثائرات في الامة، الطليعة اليت سرعان ما أصابت بعدوى ثورة التمرد في داخلها غيرها من نساء المجتمع كله.

وفي تعليق لعصفور على هذا التمرد راح يفسر بأن المسافة بين صدور كتاب قاسم أمين (تحرير المرأة) سنة 1899 وبين قيام المرأة الأولى بالتعليم في الجامعة المصرية هي مسافة قصيرة لا تتجاوز عشر سنوات من عمر الزمن، ولكنها مسافة اختزنت من شحنات التمرد ما انفجر في ثورة 1919 التي كانت البداية الفعلية لحركة تحرير المرأة على كل المستويات: الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، كما كانت الانطلاقة الجذرية لاحلام قاسم امين التي سرعان ما تحققت بل التي سرعان ما جاوزتها احلام المرأة اليت صهرتها ثورة 1919 وصنعت منها الرمز التي تواصلت في ممارسات هدى شعراوي وصفية زغلول ودرية شفيق وغيرهن من اعلام الحركة النسائية العربية، والواقع انه يكفي لإدراك الفارق بين حضور المرأة في المجتمع ما قبل ثورة 1919 وما بعدها ان نتذكر واقعة الاحتفال بوضع حجر الاساس للجامعة المصرية التي لم تمتلك ارضًا خاصة بها ولا مبنى معدًا لها الا بفضل الاميرة فاطمة اسماعيل التي لم تحضر الاحتفال إلى جانب اخيها الخديوي عباس، والسبب في ذلك ان تقاليد المجتمع المصري ما كانت تسمح لامرأة ان تحضر احتفالًا علامًا للأمة وان تشارك فيه وان تكون موضع التكريم منه حتى لو كانت قد فعلت ما لم يفعله الرجال، وحتى لو كانت السبب في الاحتفال وحتى لو كانت عمة الخديوي واخت الامير الذي يرأس مجلس ادارة الجامعة.

ولكن حال هذه التقاليد الجامدة لم يستمر على هذا النحو لسنوات معدودة فبعد سنوات خمس على وجه التقريب اندلعت ثورة 1919 جارفة الكثير من عوائق تحرير المرأة محققة احلام قاسم امين عن حريتها ومجسدة احلام المرأة العربية الجديدة بالفعل، وخرجت المرأة إلى الحياة العامة، وأسهمت في كل مجالاتها جنبًا إلى جنب الرجل، ولم يعد من الممكن لأحد أن يمنع امرأة من صنف هدى شعراوي أو لبيبة هاشم او نبوية موسى أو مي زيادة او حتى من صنف حفيداتهن من حضور الاجتماعات والاحتفالات العامة وممارسة الانشطة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، فقد مضت المرأة في طريق تحررها ومجاوزة كل العقبات القائمة رغم كل لمصاعب والتحديات، فماضي انجازها وافعال حاضرها علامة على وعود مستقبلها الذي لا يمكن لاية قوة من قوى التخلف - مهما كانت سطوتها - ان تحول بينها وبينه.

بمناسبة الثمن من مارس يوم المرأة العالمي تحية وتقدير لنساء وفتيات بلادي ولكل نساء العالم.