الأمهات لا تموت!



فاطمه الحصي
2021 / 4 / 5

حين جاوز الخمسين كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش " أحن الى خبز أمي" ووصف الأبنودي نفسه بأنه ابن أمه؛ذاك الوصف الذي يعتبره البعض سب وقذف لكن الأبنودي تفاخر بذلك .
ولما أكمل الشاعر وديع سعاده السبعين كتب معبرا عن حنينه لأمه قائلا :
أمي
وضعَتْ آخرَ نقطةِ ماءٍ في دَلْوِها على الحَبَقَة
ونامت قُرْبَها
عبَرَ القمرُ وجاءتِ الشمس وظلَّتْ نائمة
الذين كانوا يسمعونَ صوتَها كُلَّ صباح لفنجانِ قهوة
لم يسمعوا صوتَها
نادوها من سُطَيْحاتهم،
نادوها من الحقول
لم يسمعوا صوتها
وحينَ جاؤوا كانت نقطةُ ماءٍ لا تزالُ تَرْشَحُ من يدِها وتزحفُ إلى الحبقة)
أما الشاعر الكبير نزار قباني فكتب :
(طفت الهند، وطفت السند، طفت العالم الأصفر، ولم أعثر على امرأة تمشط شعري الأشقر، وتحمل في حقيبتها إليّ عرائس السكر، وتكسوني إذا أعرى، وتنشلني إذا أعثر، أيا أمي، أنا الولد الذي أبحر ولا زالت بخاطره تعيش عروسة السكر... فكيف يا أمي غدوت أباً ولم أكبر؟
الدهشه والمحبه والاحترام هى مشاعر تغمرني حين أستمع أو أقرأ كلمات تعبر عن الحنين الجارف للأم خاصة ممَن تجاوزوا سن الأربعين، يدهشني أن تحتل صورة الأم مكانة متميزه بأعماق كل انسان مهما كان عمره ومهما كان مركزه ،صوره ذات هيبة و إجلالٍ ،يحيطها بكثير من الحب والتقديس، بأعماقه صورتها واضحة المعالم جليه،لا تتجعد يداها،ولا تنكمش بشرتها ،ولا يترهل جلدها، لا تشيب مهما مرت الأيام،تظل هى في الأعماق كما هى دائما :الرمز ؛العطاء؛الحنان،الهبة والرحمه من الرحمن . أعجبتني صياغة جبران خليل جبران لتصوره عن أمه حين قال:"أمي أجمل ثلاث نساء في العالم؛ أمي وظلها وانعكاس مرآته"؛ولما رحلت عن الدنيا قال:"كنت أحتاج أن أشعر بقلبك معي.. لا أكثر."و يبدو أن هذه العباره هى إجابة سؤالي حول حنين الكبار لأمهاتهم!
أما الشاعر المبدع فتحي عبد السميع فقد كتب ألطف أبيات حول الأم :(
أُحِبُّ شِبْشِبَ أُمِّي
كثيرا ما يخبطُ ظَهْرَ جِلبِابِي
ولا يلمِسُ ظَهْرِي.

كثيرا ما يَنحَرِفُ عَنِّي

ويكدمُ الهواءَ

مُتظاهِرًا بأنَّهُ أخْطَأَ الهَدَف.

كثيرا ما بَكَى وهوَ يرتَفِعُ عاليا

ويتوَعَّدَنِي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن نفسي: أمي هى ربة مقدسة بداخلي ، كثيرا ما أظبط أصابعي وهى تقلدها في مداعبة خصلات شعري كما كانت تفعل بحركاتٍ لطيفه وهى تهدهد رأسي على ركبتيها، أحمل بقلبي حسرةَ دائمه لا ترحل أبدا لفقدي اياها في مارس٢٠١٥ ،ولكن عزائي أني فقدتُ جسدها فقط ،ولأن روحها تظل دوما تحيطني وترعاني ، لا تتسرسب من داخلي ابدا، هى متوجةَ على عرش قلبي تضمني عندما ألجأ إليها،وتطبطب على قلبي حين تشعر بتعاسته فتمسح دمعي وتهدهدني كعادتها في لحظات ضعفي.. أمي باقية بداخلي ،روحها روحي ،وقلبي قطعة من شغاف قلبها الرقيق، الأمهات لا تموت.
*كاتبه ومتخصصه في العلوم الانسانيه