أزمة الكاتبات والشاعرات



منى حلمي
2021 / 6 / 11


فى بلادنا، إلى متى الأولويات مقلوبة والمقاييس معوجة والتوازنات مختلة؟.. وأقصد هنا هذا التشويه المخطط، والتجاهل الممنهج، والتعتيم المقصود على مفكرات ومفكرين، مبدعات ومبدعين، وأديبات وأدباء، وشاعرات وشعراء، خطيئتهم التى لا تُغتفر أنهم يكتبون ويبدعون خارج «السلطة الأدبية المعاصرة»، وخارج «الكهنوت النقدى المعاصر»، وخارج «ديكتاتورية الذوق الإبداعى المرضى عنه».

وامتدت «عقدة الخواجة» إلى النقد الأدبى، فيروجون لمفكرات ومفكرين ومبدعات ومبدعين «أجانب» أقل قيمة بكثير من المصريات والمصريين.. وإذا اشتهرت أديبة مصرية أو أديب مصرى عالميًا دون مساعدة منهم، فإنهم يشوهون إبداعاته بكل الإدانات والاتهامات إلى شخصه وإلى إبداعاته وأفكاره.

لكن مَنْ الذى يبقى فى التاريخ، أصحاب الفكر والإبداع غير المستأنس أم أصحاب السلطات وكهنة النقد؟.. نحن نتذكر مثلًا الكاتبة الإنجليزية فرجينيا وولف، ٢٥ يناير ١٨٨٢- ٢٨ مارس ١٩٤١، ونتذكر الكاتبة والشاعرة العربية مى زيادة ١١ فبراير ١٨٨٦- ١٩ أكتوبر ١٩٤١، فكلتاهما رحلت فى العام نفسه، فرجينيا انتحرت غرقًا فى المياه الباردة، ومى انتحرت بسوء الفهم والتقدير وقسوة الزمن.. لكننا لا نتذكر اسم ناقد أدبى، فى عصرهما، أسهم فى التقليل من شأنهما الإبداعى.. هكذا يقول التاريخ كلمته المنصفة، وإذا كانت غير منصفة، علينا إعادة كتابة التاريخ برؤية عادلة نزيهة.

عندما فاز الأديب التركى أورهان باموك «٧ يونيو ١٩٥٢» بجائزة نوبل فى عام ٢٠٠٦، حدث غضب وغيظ وتخبط وحقد من قبل التيارات «السلفية» «العنصرية» «المتعصبة»، أدبيًا، ودينيًا، وثقافيًا.. وقف أورهان باموك ضد «التزوير فى أوراق التاريخ» الذى حاولت «وما زالت تحاول» الدولة التركية بكل سلطاتها وسطوتها ومؤسساتها فرضه، وإعطاءه شرعية وتقنينًا محليًا وعالميًا، ألا وهو مذابح الأرمن والأكراد فى بدايات القرن العشرين، وكان أيضًا من المدافعين عن سلمان رشدى وحقه فى التعبير، وإدانة عقلية المصادرة وثقافة إهدار الدم.

وكان عقاب أورهان هو عدم اعتراف تركيا به بالشكل اللائق، واتهموه بازدراء الوطن، وثقافة وتاريخ بلده.. هذا بالطبع كذب وتشويه وخداع، هو لا يزدرى إلا ثقافة فى الماضى استهدفت «الإبادة» للأقليات، وثقافة فى الحاضر تستهدف التزوير.. بعد نوبل، أشاعت الدولة التركية أن الجائزة ذهبت إلى باموك لأسباب سياسية وليس للقيمة الأدبية، وقد حاصرته التهديدات من كل جانب لتمسكه بآرائه، حتى اضطر إلى ترك تركيا والإقامة الدائمة فى الولايات المتحدة.. وهكذا الحال مع النساء والرجال من أصحاب القلم، يعيشون فى المنفى الاختيارى أو الإجبارى.

طبعًا لو فازت أديبة أو أديب تركى آخر داخل عباءة اعتراف الدولة التركية والتيارات السلفية و«النخبة» الثقافية الأدبية لاحتفلت تركيا به كأنه بطل لمكانته الأدبية الرفيعة، وليس لمواقفه السياسية.. ممارسات الدول كم تتشابه.

فى بلادنا، حيث انحدر العقل إلى مستويات مخزية تشدنا إلى الوراء، وحيث ازدهرت الأفكار الإرهابية التكفيرية المسلحة.. فى بلادنا عندما تصاب ممثلة أو راقصة أو مذيعة أو حتى زوجة ممثل أو زوجة رجل أعمال، أو زوجة لعيب كورة، أو ابنة راقصة، أو مغنية، بأى مرض، أو كورونا، تنقلب الدنيا، ويتتبع الإعلام أخبارها لحظة بلحظة، يطلب لها الدعاء والشفاء.. أما لو أصيبت كاتبة أو شاعرة بمرض أو هاجمها فيروس كورونا، لا أحد يعلم، ولا أحد يهتم، ولا أحد يسأل.. والسؤال هو: لماذا؟

لا نعرف شيئًا عن كاتبة إلا عندما تتورط فى فضيحة، أو تأخذ جائزة مخترع الديناميت «نوبل»، أو جائزة تقطر بالنفط من أحد بلدان الخليج، أو عندما تتزوج أحد الوزراء. لماذا «الكتابة» من قبل النساء السابحات ضد التيار أقل من جمع القمامة، وتنظيف المجارى؟

لماذا «الكتابة» التى تفضح الأشياء وتوقظها تُعامل بازدراء وتجاهل؟.. لماذا «الكتابة»، التى هى أصل كل الفنون، تُلقى فى سلة المهملات؟

هز القدم، وهز البطن، أهم من هز القلم، حقيقة مؤسفة مخزية، أخطر بكثير من وباء كورونا، وليس لها علاج.. أولويات المجتمع تعكس ماضيه، وحاضره، ومستقبله.. ولذلك فإننى لست متفائلة.

وهذا لا يضايقنى، كل مجتمع يحصد ما يزرعه، وكل مجتمع يدفع ثمن ثقافته، وكل مجتمع لا يستحق إلا أفكاره وممارساته.

من بستان قصائدى

لو كان التدين يُقاس.. بكثرة الصلوات والتعصبات العمياء

طول اللحى وميكروفونات المساجد.. بتغطية وكسر أجنحة النساء

لو أن الإيمان يُقاس.. بانتظام الصوم فى رمضان

كثرة مرات الحج والعُمرة.. عدد المشايخ والدعاة والفقهاء

لما كانت أحوالنا.. ما هى عليه الآن

أيها الناس.. نساء ورجال

لماذا لا تفهمون.. أن التدين فى القلوب

وأن الإيمان فى العمل.. وأنه جريمة كبرى شنعاء

انتهاك خصوصية البيوت.. وإيذاء البشر بالضوضاء.