الزواج السياحى ....... نساء للبيع



محمد فُتوح
2021 / 8 / 25

الزواج السياحى ... نساء للبيع
أعرف مقدماً مدى الغضب ، الذى سوف يجتاحكم أيها القراء والقارئات ، بمجرد أن تقع أعينكم على هذا العنوان ، الذى قد يبدو للوهلة الأولى ، شديداً وقاسياً وجارحاً وغريباً علينا ، فى الوقت نفسه .
لنصبر قليلاً حتى تفرغوا من قراءة هذا الموضوع ، وحينها قد تلتمسون لى العذر فى اختيار هذا العنوان الذى يستفزنى أنا شخصياً ، مثلكم ، وما أكثر الأشياء المستفزة فى بلدنا.
" إعلان مهم : نحن بعض الأثرياء هدفنا الاستمتاع بالحياة نعتصرها حتى الرمق الأخير. المتعة هى غايتنا نبحث عنها فى كل مكان ، نسافر ونقطع المسافات فى كل الاتجاهات من أجل لحظة استمتاع تأجج رغباتنا المتشوقة لرعشة الحب والجمال والحياة. فبعد القحط والشظف ومرارة الاحتياج أنعم الله علينا بالمال الوفير ، جاءنا من حيث لا نحتسب. فرحنا ننثره يميناً ويساراً وفى كل الجهات ... ننهل من متع الحاضر ونعمه. من أجل ذلك نحن نشترى ونقتنى كل شىء قديماً كان أم جديداً ، ندفع بسخاء بالسعر الذى تحددونه ، ندفع بكل العملات المحلية والعالمية ... لن نختلف وليس لنا اعتراضات تذكر حول السعر ، فقط قدموا لنا ما عندكم وسنمنحكم الهدايا الثمينة فوق ما تطلبون. فهل من شىء تبيعوننا إياه ... عفواً ... إن كنتم فى حالة من الفقر والعوز الشديدين ولم تجدوا أو تعثروا على شىء ، تبيعونه ، فلا تتكدروا ولا تحزنوا فلأننا أناس مرهفو الإحساس ومن أهم صفاتنا رقة المشاعر فلن نخذلكم ، فهناك ما هو أثمن من الأشياء يمكن أن نشتريه منكم ولديكم منه الكثير والكثير ... فإلى جانب الأشياء نحن نشترى الأجساد والنفوس ، ألم نقل لكم أننا نشترى كل شىء ؟؟! . أما ما نفضل شراؤه فهو البنات الصغيرات العذراوات ، ويمكن أن نقبل بالنساء الناضجات الحسناوات ، ستتغير أحوالكم من الفقر والحرمان إلى ثراء ورغد ونعيم. سنغدق عليكم من أموالنا الوفيرة فتتحول نظرتكم السوداوية التشاؤمية إلى تفاؤل وألوان وردية. فلا تفوتوا هذا العرض المغرى والفرصة الذهبية ، أقلامنا متحفزة منتصبة على دفاترنا المصرفية ، وإذا أردتم الثمن نقداً فأيدينا متحفزة على جيوبنا ، فقط ننتظر الموافقة ونتشوق لسماع كلمة نعم سنبيع ".
هذا الإعلان بالرغم من أنه يمثل نوعاً من الفانتازيا ، إلا أنه واقع مؤسف .
لقد حدث هذا فى محافظة ( إب ) فى اليمن ، جنوب العاصمة ( صنعاء ) ، وفى أماكن أخرى من عالمنا الإسلامى.
وقد جاءت الموافقة بالبيع ، للتخلص من هوان الفقر . فى يوم واحد يتم الزواج ، فيأتى المأذون والشهود ، ومع القبول من الطرفين يصبح الزواج رسمياً وشرعياً ، ويصطحب الثرى العربى عروسه إلى أحد الفنادق ، حيث يقضى معها عدة أيام ، ثم يختفى إلى الأبد ، عائداً إلى بلده بحجة السفر لاستخراج تأشيرة للعروس الجديدة.
وهكذا تنتهى القصة بالنسبة له ، ولكن تبدأ العواقب الوخيمة ، للعروس ولأسرتها ، الذين يظلون فى حالة من الانتظار اليائس للزوج الهارب.
ليست زيجة واحدة التى حدثت بهذه الطريقة ، بل مئات الزيجات ، إلى درجة أصبح فيها هذا الزواج ظاهرة ، تسمى " الزواج السياحى " .
إن الأسرة تدفع ثمن تسرعها ، وكذلك البنت تهدر كل حياتها ، بعد أن تكتشف اللعبة ، والخديعة.
إن المسألة لا تتوقف عند هذا الحد ، فالمشكلات تتضخم وتتوالى ، فمع هروب الزوج تصبح المرأة معلقة بقية حياتها ، لا هى متزوجة ولا هى مطلقة . وحتى إذا حدث وطُلقت ، فلن يقبل أى رجل على الزواج منها ، فى ظل العادات والتقاليد المحافظة ، وقد يتسبب هذا الزواج فى الحمل وميلاد طفل ، سيظل مصيره مجهولاً مدى الحياة.
لقد فَجر" الزواج السياحى " ، العديد من المشاكل ، فالزوج الهارب فى أغلب الأحيان ، يتزوج باسم مستعار وبيانات شخصية غير حقيقية ، ومن هنا فقد يكون زواجه هذا للمرة الخامسة أو السادسة ، وهذا ما يتنافى مع شروط الزواج الصحيح فى الإسلام.
إن " الزواج السياحى " ، ليس إلا جريمة يرتكبها رجال أثرياء مستغلون صيادون ، يسبحون فى بحور من الثراء ويحكمون قبضتهم على الفريسة التى تغرق فى بحور من الفقر والعوز والحاجة. لقد ماتت ضمائرهم وانحطت أخلاقهم. إنهم نوع من الرجال الذين لا يرون المرأة ، إلا جسداً أو سلعة تباع وتشترى. وأيضاً الأمهات اللائى زوجن بناتهن بهذه الطريقة ، لا ينظرن إلى أنفسهن بعيداً عن تلك النظرة ، فهن أجساد وسلع معبأة ومغلفة فى أقمشة سوداء ، ينتظرن من يأتى ليدفع الثمن.
إن الفقر بالرغم من كونه يمثل سبباً قاهراً ، إلا أنه ليس ذريعة ، لأن تباع النساء المستسلمات لقدرهن دون أى شكل من أشكال المقاومة أو الرفض أو التمرد على هذا المصير.
وبالرغم من هذا ، فمازلنا نتشدق فى مجتمعاتنا العربية بأنه ليس للمرأة مشكلة أو قضية . إن " الزواج السياحى " ، ما هو إلا تنويعة فجة فى نوتة التفرقة والدونية بين المرأة والرجل فى مجتمعاتنا العربية. إن الأسباب الحقيقية لمثل هذه الممارسات تكمن فى ميراث من الظلم الاجتماعى وشهوة التملك وحب السيطرة وعدم العدالة والمساواة وغياب الحرية وعدم الفهم والوعى بقضية المرأة.
فهل للرجال وأيضاً النساء ، أن يتخففوا من هذا الميراث الثقيل حتى يمكن القضاء على كثير من السلوكيات الشائنة ، التى تُباع فيها النساء وتُشترى. ومع الأسف تستغل الفتيات الفقيرات ، وأسرها تعتبر أنها قد ودعت الفقر إلى الأبد.
ماذا أقول ؟ لو كان الفقر رجلاً ، لأعدمته علناً فى ميدان عام.