نحو فهم جديد لمعنى القوامة



راغب الركابي
2021 / 10 / 7

من الحكمة بمكان القول : إنه قد أختلط في أذهان الكثير من المفسرين دلالة و معنى ( القوامة ) ، ومن غير مواربة يمكننا القول إن هذا المفهوم غدى في أذهان الكثيرين عبارة عن تجسيد لتلك النزعة الجاهلية التي تحط من مكانة المرأة وشأنها ، وكلامنا هنا يتناول دلالة اللفظ بحسب الصيغ والسياقات المعرفية التي ورد بها ، ناهيك عن إيماننا المسبق والذي ينزه الله جل جلاله في ان يكون خصيماً للمرأة أو أن في كلامه مايحط قدرها وشأنها ( وإلى ذلك نسترعي الإنتباه ) ، ودائماً في ذلك دليلنا يكون تلك النصوص الواضحات والتي بينا بعضها فيما سبق لنا من بحوث ودراسات ، كتلك التي تتعلق بالميراث والوصية والحقوق ، إضافة إلى جوانب هامة و كثيرة في بابي المعاملات والعبادات ، ولذلك نقول : واهم جداً من يتخيل إن هناك ثمة تناقض في كتاب الله حول هذا الموضوع أو في غيره ، فالله في كتابه المجيد دقيق جداً حين يخاطب وحين يقدم الأفكار والرؤى ، وهذا التوكيد ليس من باب الحماسة ولكنه ذلك إظهار وبيان تم بالتتبع والرصد والتحقيق في دلالات الألفاظ والمعاني .

ومن باب الموضوعية والحيادية نقول : لقد أثر في فهمنا للكتاب المجيد تلك الموروثات من المفاهيم والإعتبارات الجاهلية ، التي قدمت رؤية سلبية عن المرأة ووضعها وحقوقها ، ومن ذلك أخذ الكثير من المفسرين تلك الإنطباعات معتبرينها حقايق ثابتة غير قابلة للنقض ، وبناءا على ذلك أعتبرت تلك المقولات تابوات مقدسة لدى كثير من أدعياء الفقه العتيق ، و من رجال دين من الأخباريين والسلفيين ومن على شاكلتهم ممن تبعهم على ذلك .

لهذا نعتقد جازمين بان هذه الرؤية المتخلفة كان لها الأثر المباشر في صياغة المفاهيم والأفكار في الثقافة و الأدب والفكر الإسلامي ككل ، طبعاً هذا جانب وهناك جانب مضاف سلكه بعض من الخلفاء والسلاطين الذين عززوا هذه النظرة الدونية للمرأة ولوضعها العام في الحياة ، مما ساهم بتجريد المرأة من دورها الطبيعي المُناط بها .

فأصبحت المرأة بفضلهم مجرد نديمة وغانية وجارية وقينة ، وأنتفى دورها وماخُلقت لأجله من أعمار وتنمية وبناء ، ونحن وفي كل مرة وبقدر مايسمح لنا به الوقت نتابع مسيرتنا ، في كشف هذا الزيف وهذا التعدي من قبل تلك الفئات والموروثات ، معتمدين في ذلك على مانقوم به من عملية تقويم معرفي وإصلاحي نبتغي فيها الرضا والقبول .

وبما أن هذه العملية معقدة ومثيرة وتتطلب المزيد من الحرص والدقة والتأني ، خاصة في مجال إعادة تقييم وقراءة للأوراق والدفاتر التاريخية والتراثية و التي أسست لهذا الزيف ولهذا الوهم ، وتبنته وأدعت إنه المُراد والمقصود من قبل الله في كتابه المجيد ، ولكن لا ضير مادام الغاية من ذلك تنزيه الكتاب المجيد أولاً مما علق به من تلك المخلفات والسلبيات و التي أساءت للمرأة ، فغدى حالها كما هو معلوم اليوم في حاضر كل المجتمعات الإسلامية والعربية .





أقول : من أجل هذا ومثله دعونا نستحضر كتاب الله ونقرأ نصوصه بتأمل وتدبر تامين ، ثم نحكم على ضوء الواقع والعلم مُراد الله ومقصوده ، فالنص الذي جعلناه عنواناً لبحثنا هذا ، أعني النص 34 من سورة النساء ، يجب ان ننظر إليه في سياقه الموضوعي الذي جاء أو نزل به ؟ ، ومن ثم نتعرف على ما يُراد منه ؟ ، وكيف زُج به في هذه المتاهة على غير معناه ومقصوده ؟ .

وتعلمون إننا ملتزمون بالقاعدة العلمية والأصولية والتي تقول : ( أن ليس في كتاب الله المجيد أي ترادف ، ولا فيه أي تأويل قهري مخالفاً للواقع ) ، ويؤيد ذلك لسان العرب فيما يؤكده ويشير إليه ، في تحديد طبيعة الألفاظ ومعانيها على نحو دقيق وصارم .

فعلى سبيل المثال : حين يستقدم النص لفظ - الرجال - فهو يستعمله بصيغة الجمع معرفاً بالألف واللام ، وفي هذه الحالة نعرف إنه يريد به الحصر والتخصيص ، أي تخصيص الرجال بمعنى الذكور حصراً ، وبالتقابل يكون كذلك لفظ - النساء - حين يكون مصحوباً بالألف واللام ، فيكون دالا على خصوص معنى الإناث ، ولكن حينما يأتي لفظ - رجال - منكراً نعرف إنه يدل على العموم ( أي الذكور والأناث معاً ) ، ولغة العرب لم تغفل هذه الحقيقة حينما أعتبرت اللفظ مشتقاً من معنى السير والحركة والقيام - كذلك قال صاحب القاموس المحيط - ، وبناءاً على هذا جرى سريان هذا اللفظ حكماً على الذكور وعلى الأناث ، قال الكسائي : هو بيان لصفة الحال وليس بيانا لصفة الجنس ، قال تعالى : - رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله - النور 37 ، و لفظ رجال هنا دال على - العموم - ذكوراً وأناثاً معاً ، والدليل في الخطاب وحدة العبادة التي هي القاسم المشترك المتعلق بالذكور والأناث على نحو الهيئة والمقام ، ومثل ذلك قال تعالى : - وأذن في الناس في الحج يأتوك رجالاً - الحج 27 ، فالحج فريضة واجبة متعينة عند توفر شروطها على الذكور وعلى الأناث معاً ، بدلالة معنى الخطاب في قوله - رجالاً - ولم يقل الرجال .

ونقرأ في سياق تعريفي أخر قوله تعالى : - وعلى الأعراف رجال يعرفون كلاً بسيماهم - الأعراف 46 ، و الجملة الخبرية تعريف بحال رجال - الأعراف - الدالة على معنى العموم للذكور والأناث معاً ، ومقام الجملة الخبرية هو بيان طبيعة عمل هذه الجماعة من البشر ، والتي من مهامها : - التعرف على أصحاب النار وأصحاب الجنة من الموضع الذي جعلوا به - .

ويدلنا لسان العرب على ان مصطلح - الأعراف - أخذ من - العرف - : - وهو العلامة الفارقة أو هو الهيئة أو الصفة و التي يتميز بها كل واحد عن غيره - ، ولذلك سُمي ما يعلو رأس الديك عرفاً ، ومن هنا جاء وصف - رجال الأعراف - في الكتاب المجيد : - بأنهم من يقفون بموضع يجعلهم قادرين على التعرف على غيرهم بسيماهم - ، فهم في موقف يكونون فيه أكثر قدرة وهيمنة ، قيل : ( بإعتبارهم يرون من أعلى ) ، وقد ورد مصطلح - رجال الأعراف - في الكتاب المجيد بموضعين من سورة الأعراف ، ولا ريب إن لفظ الأعراف وظف في الأدب الإجتماعي معبراً عما يستقر عليه عامة الناس من تقاليد ونواميس ، والتي سموها أعرافاً والمشرع الإسلامي أخذ من العرف هذا ما أعتبره محققاً للغرض الشرعي في الإستحباب أو الكراهة ، طبعاً هذا يكون مع تعذر الدليل النقلي في هذا المجال المتعين .

ونعود للقول : بأن لفظ - رجال - إن كان هكذا منكراً دل على العموم ، وإن كان معرفاً دل على الخصوص ، وملاحقة هذا الفارق يسهل علينا عملية الحكم والإفتاء ، فحين يقول المولى تعالى : - الرجال قوامون على النساء - نفهم منه أولاً إن الرجال هم الذكور هنا ، ولا يدل اللفظ على العموم لأن دعوى الإطلاق والعموم تحتاج إلى دليل خارجي يعضدها ، إذن : - فمن الوهم تركيب المعنى بحسب التأويل الظني ، والذي لا يستند على دليل أو قرينة دالة عليه - .

وحينما يأتي الكتاب المجيد - باللفظ منكراً - و يريد به الخصوص فهو يأتي معه بالقرينة الدالة عليه ، كقوله تعالى : - ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات - الفتح 25 ، فجعل الإيمان قرينة للحصر والتخصيص ، ولكن لماذا نلاحق هذا التفريق ؟ والجواب يكون على النحو الآتي : - لنتفق ان لفظة رجل المنكرة هي ليست أسماً للذات ، إنما هي أسم صفة لما يوصف به من يكون حاله كذلك - ، فالذكر كما الأنثى من صفاتهم العامة إنهم يمشون أو يسيرون على رجلين ، ومنها أخذ هذا المعنى ليكون الموصوف به هذا النوع من البشر ، ولكن حين تعرف هذه الصفة فتكون دلالتها على المتعين حصراً ، أي حين يقول الله : - إنكم لتأتون الرجال شهوة دون النساء - النمل 55 ، فالمعنى يكون واضحاً بدليل المفارقة والمباينة ، أي إن هذا الفعل يذهب على النوع ذاته وليس لما خلق من أجله ، والتنويه في منع الفعل معلوم بالفطرة وما يقول به العقل السليم .

هذا عن الرجال فماذا عن النساء ؟ ، إن لفظ النساء إن جاء معرفاً بالألف واللام فيدل على معنى : – المرأة الأنثى - ، ولا يصح القول في هذا المقام : بأن النساء تأتي من النسيء الذي هو الزيادة أو هو التأخير ، على وزن فعيل حين يكون مصدرا ، قال تعالى : – ( إنما النسيء زيادة في الكفر ) – التوبة 37 ، فهذا القول لا يستجيب للمعنى الذي يتحرك فيه النص ويريده ، والتعليل المتأخر بأن النساء إنما سميت كذلك لأنها تأخرت في الخلق من بعد خلق الذكور ، تعليل متهافت لا يصمد امام البحث والتدقيق ، بدليل أن الإناث لم تأت متأخرة من جهة الخلق بعد الذكور ، والمعلوم من جهة النصوص والآيات المجيدة : إنما تحدثت عن خلق آدم المتكون من ذكور وأناث ، فإطلاق لفظ آدم يصح على الذكر وعلى الأنثى ، بإعتبارهم وحدة واحدة غير مجزئة أو منفصلة ، قال تعالى : – إنا خلقناكم من ذكر وأنثى – الحجرات 13 ، وقال تعالى : – وبدأ خلق الإنسان من طين – السجدة 7 ، وقد ورد في خطبة الوداع قوله : – كلكم لآدم وآدم من تراب – بصيغة الجمع ، أي إن الخلق في أصله عبارة عن مخلوق واحد أو من جنس واحد متشكل من ذكور وأناث وبأصناف وألوان متعددة ، وآدم هذا كما قلنا هو أسم جنس يشمل الذكور والأناث على حد سواء ، فهما إذن من مادة واحدة ومن خلية بايولوجية واحدة ، ففي بداية الخلق تكون الذكورة والأنوثة مختلطة ، وبالإنقسام بعضها عن البعض الأخر تتكاثر فالحيوان المنوي في الذكر يحتوي على الذكورة والأنوثة معا ( سالبة وموجبة ) .

وليس هناك ثمة تناقض في الخلق بينهما ، فلا آدم خلق حواء ولا حواء خلقت من ضلع آدم ، وكل تلكم المرويات إنما هي زيف عابر جاءنا من أهل الكتاب ومروياتهم ، ولم أجد فيما أعلم ذكر للفظ - حواء - في الكتاب المجيد ولا في غيره من الكتب العلمية المعتبرة ، وأما القول : بأن الإناث جاءت في الخلق بعد الذكور ، فهذا القول لا يعتد به ولا يعتنى به وهو مردود من جهة النص والإعتبار ، والأخبار الواردة في هذا الباب إنما هي مجرد أوهام وخرافات لا تصمد أمام النقد والتحليل .


بعد هذا البيان الذي قدمناه سنبحث الآن معنى – [ و مفهوم القوامة ] - الذي ورد في النص 34 من سورة النساء قوله تعالى : - الرجال قوامون على النساء ... بما فضل الله بعضهم على بعض ... وبما أنفقوا من أموالهم - ، والأصل في القوامة من الفعل - قام - والذي هو فعل ثلاثي دال على ما يوصف به الشيء أو ما يقع عليه ، فنقول : قام فلان بكذا ، ونريد بذلك : معنى أنجزه وأتمه وأصلحه وحافظ عليه ، و - القيام - نقيض القعود ومنه جاء معنى القيامة قال أبن حزم ، ومن ذلك نفهم معنى كلمة المجاهدين في قوله تعالى : - فضل الله المجاهدين على القاعدين درجة – النساء 96 ، والدالة على من يقومون بالأمر ويتصدون له ، و في السياق ذاته نفهم كذلك معنى قوله عليه السلام : - الحسن والحسين إمامان إن قاما وإن قعدا - ، وكذلك قال الكتاب المجيد بلسان العرب : - الرجال قوّامون على النساء - وهو يعني الحال والصفة ، سواء أكان مضافاً أو معرفاً أو معللاً كما يظهر في قوله تعالى : ( بما فضل الله بعضهم على بعض ) ، و دلالة - بعضهم - في الجملة تكون شاملة للذكور والأناث معاً ، ولا تعني الرجال بحال ولو كان ذلك كذلك لقال - بعضهن - ، إذن فالقوامه المتعينة تتضح بهذه الجملة البيانية ومابعدها ، أي إن ملاك القوامه ليس حالة قهرية إنما هو ذلك الشيء الذي يكون عند كل واحد منهم وبما يحتاجه الأخر ويريده ، والفضل نقرئه بالإستدراك اللاحق كما في قوله - وبما أنفقوا - ، ولم أجد من أهل العلم من قال بأن الإنفاق صفة ذكورية خاصة ، أو هي من خواص الرجال دون النساء ، والإنفاق من الصفات الموضوعية المادية الدائمة الحدوث في مطلق الزمان والمكان .

نعم إن مفهوم - القوامة - متعين وظيفياً و عملياً على من يقوم به من غير تحديد ، ومقتضى صحته تكون مع توافر شروطه الموضوعية التي تجعله ممكناً ، وبدون ذلك يسقط - مفهوم القوامة - من الإعتبار ، ويساعدنا النص 17 من سورة الإسراء في توضيح هذه الدلالة وبيانها قال تعالى : - أنظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا - ، فالتفاضل يرتبط جدلاً بصحة العمل وبالقدرة و بالصلاحية ، والقدرة : هي من الصفات العامة التي تصدق على الرجال وعلى النساء .

ثم إن التفاضل الطبيعي يكون في إنجاز المهام وجودتها ، سواء أكانت هذه المهام فكرية أو علمية أو معاملاتية عامة ، وقد بيَّن الكتاب المجيد ذلك في قوله - وبما أنفقوا - ، أي بمن لديه هذه القدرة والإمكانية من الإنفاق ، والإنفاق من الشؤون النسبية التبادلية والتي لا يصح فيها الإحتكار ، بحيث تكون مجعولة فقط للرجال دون النساء ، وهذا المعنى واضح جلي لذلك بيَّن الله مفهوم الفضل بقوله هذا – [ بما أنفقوا ] - ، ومعلوم إن دلالة حرف - ما – يفيد الإطلاق هنا وليس الوصل ، أي بمن يقوم بذلك ويتولى الإشراف عليه ، فالذي يكون قادراً على حماية الثروة من التفريط ، وقادرا على توزيعها بالشكل العادل هو من تجب عليه قوامة الإنفاق ، فالقضية إذن لا تدخل في باب التحدي بقدر ما تدخل في باب الأولويات ، فالذي بإستطاعته الحفاظ على الثروة وتوزيعها بشكل عادل هو من يحق له القوامة ، ولهذا رفض الكتاب المجيد - التبذير و الإسراف - على نحو مطلق وعام ، وهو في الحالين يعني الرجال المبذرين والنساء المبذرات ولا خصوصية ولاقيد يخرج ذلك عن إطلاقه ، قال تعالى : - إن المبذرين كانوا أخوان الشياطين - الإسراء 27 ، كذلك قال تعالى : - وكلوا وأشربوا ولا تسرفوا - الأعراف 31 .

أقول : والقوامة في النص 34 من سورة النساء تتحدث عن قضية خاصة هذا بحسب السياق الموضوعي للنص ، أي إنها قضية ترتبط في الإنفاق المنزلي وضمن البيت الواحد بين الذكر والأنثى ، ولا علاقة لهذا النص بالحياة الإجتماعية العامة ، ولا علاقة له بمفهوم الإدارة في الشؤون العامة ، وليس له علاقة في قيادة الحرب و السلام والقضاء ، هو إذن مفهوم معين في قضية خاصة حاكية عن الحياة بين الذكر والأنثى في بيت الزوجية .

أما لماذا قال النص ذلك ؟ : فهذا يرتبط بحسب التقدير الأولي بالقوة الجسمية والجسدية للرجال في تلك الأزمان ، أعني تلك القوة التي ترتبط بالعمل الشاق المضني ، والذي كان حكراً على الرجال دون النساء هذا بحسب طبيعة الأعراف القبلية والطبيعية آنئذاك ، ثم لو دققنا في لفظ - بعض في النص - فإننا نجد إن هذا التبعيض نسبي وغير مطلق ودلالته في الإنفاق وبمن يقوم به ، وهذا معلوم بالسليقة والفطرة أي إن من له القدرة على الإنفاق ، فله الفضل وهو المقدم على الآخر .

وعليه فالنص يحكي عن مفهوم خاص وقضية خاصة ، والمسألة إذن لا ترتبط بقضايا الحياة الإجتماعية ، ولا ترتبط بقضايا الحروب والإدارة ، والإحتجاج بها على عدم مشروعية جواز تولي المرأة الحكم ، إحتجاج باطل وغير دقيق ، وطبعاً هنا علة التفضيل علة نسبية غير مطلقة ، وترتبط وجوداً وعدماً بمن يستطيع الإنفاق والتحكم بالمال بين الذكر والأنثى ، فلو كان الرجل مبذراً وغير قادر على تصريف شؤون البيت وحاجاته ، تنتقل القوامه في هذا المجال للمرأة إن كانت مُدبره وعاقله وقادرة على حماية الأسرة .

إذن فالنص أولاً : - لا يتحدث عن القيادة بمعنى السلطة في الحياة العامة - .

وثانياً : - لا يجعل النص ذلك مُقيداً بالرجال على كل نحو بل شرطه ولا زمه القدرة على التحكم في المال وشؤونات البيت الخاصة ، وملاك الحكم هنا للذكر وللأنثى على حد سواء من غير فرق .



وبما إن ذلك كذلك ، يقودنا هذا الكلام للقول : ليس من حق الرجال القيام بولاية المجتمع من دون تفويض و أذن من المجتمع أعني الرجال والنساء معاً ، ولكن من أين أتت هذه النزعة والقائلة برفض قوامة المرأة على الرجل ؟ ، ولماذا تحكمت هذه النظرة في المفاهيم والمدارك العامة ؟ ، والجواب : بكل بساطة يعود لنوع الثقافة التي كانت سادت عبر الأعصار ، والتي تحكمت بعقول وضمائر الناس ومشاعرهم تحت بند الكلام المعصوم و المقدس !! ، وقد راجت في الأوساط و البيئات الأقل نصيباً في العلم والمعرفة ، كذلك ويمكن القول : إنها إنعكاس لتلك النظرة الجاهلية التي تغذي تلك النزعة وتتبناها في أذهان الناس ، كما كان لبعض رجال الدين وبعض الكهنة وأعداء المرأة من السياسيين والحكام والطوباويين من زعماء الأقليات العشائرية والعصبوية الدور البارز في هذا الشأن .

ويجب أن نذكركم دوماً بهذا الدور لكي لا ننساه أبداً ، دور مشين نشر وأذاع وروج لتلك المقولات وألزم العامة بقبولها ، كما في قولهم : - إن المرأة ناقصة عقل ودين - ولكي يعطوا لهذه المقولة السمجة القبول في أذهان البسطاء والمريدين ، نسبوا تلك المقولات للنبي محمد وللإمام علي عليهما السلام ، مع علمنا التام : - إن عامة الأخبار ليست صحيحة سنداً وغالبها العام ليس صحيحاً دلالة - ، إذ ليس بين أيدينا ولا خبر واحد صحيح باللفظ والمعنى أو هكذا جاء عن النبي ، وكل الذي بين أيدينا عبارة عن منقولات فيها الكثير من التحريف والتجديف ، والفكر الإسلامي القديم منه والجديد مثقل بذلك ، ولم يتحرر بعد ولن يتحرر من سطوة هذه الأخبار وعنفها ، وهناك طيف من الناس يظنون بان المُراد من - القوامة - هو بهذا التمايز في الخلق بين الرجال والنساء ، ومع أن التمايز في البناء الجسدي حقيقة واقعة ، ولكنه ليس مُعطى لنقرر على ضوئه مفهوم - القوامة - ومعناه ، وإذا كانت قوى الرجل العضلية في العموم أقوى من قوى المرأة العضلية ، فلا يكون ذلك مدعاة ليحصل الرجل بمقتضى ذلك على القوامة و السطوة والهيمنة .

وإذا كان الرجل يمتاز بذلك عن المرأة ، فهذا لا يكون أبداً في كل المناحي والقوى الأخرى ، سواء الإدراكية والذهنية والعقلية وفي طبيعة التفكير والعلم والمعرفة ، ولكم ان تفتحوا سجلات الحياة من الماضي والحاضر لتتأكدوا صدق ذلك ، وإذا كان السيوطي قد روج لخبره الكاذب عن النبي في قوله : - ما أفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة - ، فالخبر باطل من جهة نسبته للنبي وباطل في معارضته لكتاب الله المجيد ، الذي أمتدح المرأة بشخص ملكة سبأ ، وكيف أنها كانت تقود قومها نحو الإيمان والسلام ، وإن دل هذا على شيء فيدل على حكمتها و رجاحة عقلها ، وهي في ذلك تسبق الكثير من الرجال بمراتب ودرجات سواء من الماضي أو الحاضر .

ويجادل البعض في رفض فكرة قوامة المرأة على الرجل من خلال قوله تعالى : - ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة - البقرة 228 ، وقد ظن البعض إن في إطلاق جملة - وللرجال عليهن درجة - إطلاقاً عاماً يمكن الإستفادة منه في قضايا الإدارة والسلطة والحكم ، ومادام ذلك كذلك فإن المرأة لا تكون مُديرة وحاكمة وقائدة ميدان ، وهذا الكلام لا يستقيم إن دققنا في هذا النص وفي بنيته ومعناه ، النص هنا يتحدث عن العلاقة المشتركة بين الزوج وزوجته وحقوق كلاً منهما على الأخر هذا من الناحية الموضوعية وكيفية بناء النص وطبيعته ، والنص إنما يقول : - إن الزوج حينما يطلق زوجته ( في حال الطلاق الرجعي ) تبقى الزوجة في عهدة الزوج من حيث الحقوق وما يجب عليه تأديته لها - هذه هي صيغة بناء النص ، وأما لفظة - درجة - فهي ترتبط بما قلناه عن طبيعة الرجل الجسمانية ، وهي طبيعة تكوينة و لا علاقة لها بالحكم الشرعي ، وعلى هذا فلايمكننا الإتكاء على هذا النص في رفض قوامة المرأة وقيادتها للمجتمع .

وذهب نفر من المتفقهة برفض مفهوم قوامة المرأة للرجل على ماورد في سورة الأحزاب قوله تعالى : - وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى - الأحزاب 33 - .

وقد تصور البعض وبما إن الله قد منع نساء النبي من التبرج كما كانت تفعله نساء الجاهلية ، فكذلك يكون على نساء المسلمين واجب ان لا يظهرن امام الناس وفي الحياة العامة !! ، ولكن هذا التصور غير صحيح بدليل : - إن النص حينما تحدث ومنع نساء النبي من التبرج وحياة الجاهلية ، إنما نهى عن الحركات وعن السلوك غير الأخلاقي الذي يشوه صورة المرأة ككائن محترم وعظيم - ، وليس الكلام في النص ما يتحدث عن عدم قدرة المرأة على الحكم وقيادة المجتمع ، هذا التصور بعيد وغير منطقي وخارج عن محل الكلام ، إذن فالإحتجاج في هذا النص على عدم مشروعية قوامة المرأة على الرجل إحتجاج باطل وغير دقيق ، ونحن نمنعه ولا نلتزم به ..

هذه جملة النصوص من الكتاب المجيد والتي يعتد بها الرافضين لحاكمية المرأة ، وهي كما رأيت بعيدة عن محل الإستدلال ومعناه ومراده ..



وأما أراء الفقهاء من السنة والشيعة فهي في هذا الباب على مراتب سنعرض لها حسب طبيعتها :

الرأي الأول : القائلين بالجواز مطلقاً وهذا مذهب الإمام الطبري المفسر والفقيه المعروف وهو رأي الفيلسوف المجتهد أبن رشد رحمه الله ، وقد ذهب الإمام أبي حنيفه إلى ذلك وعلى قول .

الرأي الثاني : هم القائلين بعدم الجواز مطلقاً ، وهذا مذهب الشيعة وهو رأي الإمام الشافعي ومثله قال الإمام مالك والإمام أحمد .

ودليل القائلين بعدم الجواز : هو قول منسوب إلى رسول الله جاء فيه - ... ما أفلح قوم ولو أمرهم إمرأة - أنظر كتاب المغني لأبن قدامه ج11 ص 380 - ، والحق إن هذا القول مرتبط بمفهوم الأعم والأغلب ، ولكنه لا يتحدث عن المراة ذات العلم والفكر والدين والتي تفوق في ذلك الرجال ، الخبر لا يقول إن على المرأة ذات العلم والفكر الجلوس في بيتها لأنه لا يحق لها تولي أمور الناس !! ، هذا الأمر لم يتحدث عنه الخبر المتقدم ، ثم إن القول بان المرأة ناقصة عقل وهي لذلك لا تستطيع الحكم وقيادة الناس ، قول مردود لأن طبيعة العقل لدى الرجال ولدى النساء واحدة وتركيبته كذلك واحدة ، وكمال العقل يرتبط بالعلم والمعرفة والدراسة ، وهذه أشياء مباحة للذكور وللأناث ، وبالتالي فمفهوم النقص مرتبط بالتعليم وفي ذلك يتساوى الرجال والنساء ، ثم إن القائلين بعدم الجواز يستندون على قضية شهادة المرأة ووجوب وجود الرجل معها ، وهذه ليست لا زمه بل إن المشرع الإسلامي نفسه جعل الحق للمرأة في أشياء معينة تشهد بها من دون حاجة للرجال ، كما في مسألة العذرية والولادة وغيرها ، لذلك فهذا الإدعاء ليس متين بحيث يمكن الإعتماد عليه .

وقالوا كذلك إنه لم يعهد في تاريخ الإسلام أن تولت إمرأة الخلافة ، وهذا القول لايمكن الإعتماد عليه بدليل إن تاريخ المسلمين في حقيقته هو تاريخ الجاهلية وحاكمية الخلفاء المستبدين الذين ركزوا في المجتمع حكم القبيلة فبنو أمية نسبة إلى أبيهم ، وبنو العباس كذلك نسبة إلى أبيهم ، تاريخ الحكم الإسلامي هو تاريخ الملل والأقوام وليس تاريخ الشورى وحاكمية الناس ، لذلك فلا يعتد بهذا التاريخ وبمن حكم فيه ، وذهب فريق منهم للقول : بان الحكم من طبيعته ان يكون له علاقة مباشرة بالناس وبشكل يومي ، وهذا ممنوع على المرأة التي يجب عليها الستر والحجاب وعدم الإختلاط ولزوم المنزل ، وهذا الشرط يمنعها من تولي أية سلطة في المجتمع !! طبعاً هؤلاء لم يفرقوا بين مفهوم الستر والحجاب وبين مفهوم الأخلاق والقيم اللازمة والواجبة ، الكتاب أشترط على الرجال وعلى النساء الأخلاق في الحياة وهذا هو الشرط الموضوعي الواجب توفره ، ولم يشترط الكتاب غير ذلك وعليه ومن توفرت فيه تلك الشروط من الرجال والنساء ، كان له الحق بالتصدي للقوامة والقيادة ، وليس كما يقول الرافضون لقوامة المرأة وما تمسكوا به من حجج واهية .