النساء وثورة 1917 -مقابلة مع جان-جاك ماري[*]



جاك ماري
2021 / 11 / 12

إلامَ تعزون بخس تقدير دور النساء في الثورة الروسية؟
لا شك أن بخس التقدير هذا يعود إلى عاملين: أولهما المشكل الذي أثاره البلشفيان نيقولا بوخارين وأوجين بريوبراجنسكي حين نددا باحتقار العمال الذكور للعاملات بقول:” ما زال العمال حتى اللحظة الراهنة يعتبرون النساء كائنات دنيا: في القرى، لا تزال النساء المتطلعات إلى المشاركة في الشؤون العامة مثار استهزاء”. صحيح أن وراءهن إرثا تاريخيا سلبيا ثقيلا يتعين تخطيه (“النساء العاملات متخلفات عندنا عن الرجال. ويُنظر اليهم من مستوى عال جدا”)، مما يشل ممارستهن لحقوقهن. لذا يحدد الكاتبان مهمة مزدوجة:” لابد من عمل قوي، أولا لتعليم الرجال اعتبار النساء العاملات مساويات للعمال.” وهذا نفس ما تلاحظ الكسندرا كولونتاي بقول:” ظلت الأفكار المُسبقة بصدد دونية المرأة راسخة بشدة في العقول لدرجة أنه حتى في الاتحاد السوفييتي، حيث تحققت المساواة القانونية بين الرجال والنساء، وحيث تشارك النساء بنشاط في جميع القطاعات الاجتماعية، محاربات في صف الجيش الأحمر، لا تزال تلك المسبقات تنال من ثقة المرأة في نفسها”. ” التعلم” أو ” إعادة التربية” ، إنها مهمة طويلة النفس و بعيدة الأفق.

ويتمثل العامل الثاني في كون العادة قد جرت على النظر إلى تاريخ الثورة الروسية انطلاقا من الخلافات التي قسمت القيادة. والحال أن المناضلات المشاركات في تلك الصراعات حالات نادرة، ما خلا الكسندرا كولونتاي التي كانت من قادة تكتل المعارضة العمالية، ثم اوجينبا بوش Evguenia Bosch وكلاوديا نقولييفا Klaudia Nikolaieva اللتين انضمتا الى المعارضة اليسارية، و اينيسا أرمان Inessa Armand التي كانت لفترة وجها بارزا ضمن الشيوعيين اليساريين معارضي صلج بريست ليتوفسك.

هل لكم أن تحيطونا بوضع النساء في روسيا قبل الثورة ؟
في كراسة ألف باء الشيوعية، يلخص القائدان البلشفيان بوخارين وبريوبراجنسكي، اللذان أعدمهما ستالين لاحقا، وضع النساء في روسيا القيصرية في بضعة أسطر بقول :” ظلت المرأة كائنا بلا حقوق وحيوانا منزليا (…) حقوقها في الإرث محدودة، وتظل دوما خاضعة في الأسرة لزوجها”. وفي القرى تتعرض النساء للضرب بانتظام من قبل الأزواج. وفي المدن، كانت النساء يشكلن، بدءا من سنوات 1880، نصف خدم المنازل بيوم عمل يبلغ متوسط 15 ساعة وبدون راحة أسبوعية، ويُعاملن معاملة الإماء. وللعاملات أيضا، لاسيما بقطاع صناعة النسيج، يوم عمل لا ينتهي، يبلغ 14 ساعة. ويتعين على العاملة الحامل العمل حتى لحظة الوضع تحت طائلة التسريح، فيما ليس ثمة أي مؤسسة للعناية بوليدها. ولذلك يموت ثلث أطفال العاملات قبل بلوغ عام من العمر.



هل يمنكم تلخيص أهم مكاسب النساء بفضل ثورات العام 1917؟
حصلت النساء منذ يونيو/حزيران 1917 على حق التصويت لكن دون إمكان ممارسته في القرى حيث تسيطر التقاليد البطريركية.

منذ أشهر الثورة الأولى، أصدر البلاشفة في السلطة بوجه خاص جملة متكاملة من التدابير لحفز تحرر النساء. منذ 31 أكتوبر/تشرين أول 1917، نشرت ازفيستيا مرسوما ينظم يوم العمل. ينص البند السابع منه على :” عدم تشغيل النساء والفتية أقل من 16 سنة في العمل الليلي”. و يمنع الفصل 16 “تشغيل النساء والفتية من الجنسين أقل من 16 سنة في أشغال باطن الأرض”. وبعد 8 أشهر، نص مرسوم في 20 يونيو/حزيران 1918 على عطلة الأسبوعين المؤدى عنها. وقدمت الكسندرا كولونتاي أمام مجلس مفوضي الشعب، حيث عُينت مفوضة للحماية الاجتماعية، مشروعي مرسومين عاجلين، أولهما يخص الزواج المدني و الآخر حق الطلاق الذي كان ممنوع في عهد القياصرة، لكن ممنوحا للأغنياء مقابل أداء لفائدة الكنيسة الأرثدوكسية. وفي الخضم، حدد مرسوم يوم 16 (29ديسمبر/ كانون أول1917 ) كيفيات حل الزواج. نص على “يحل الزواج بعد طلب من الزوجين؛ أو عند انعدامه، طلب واحد منهما.”

وسيلغي قانون الأسرة، الصادر يوم 16 سبتمبر/أيلول 1918، سلطةَ الزوج والأب، وكذا الميز القائم سابقا بين الأطفال المسمين “شرعيين” و “غير شرعيين”، وباتوا جميعا بنفس الحقوق، متيحا بذلك للمرأة ، حتى غير المتزوجة، أن تطلب نفقة من أب طفلها.

أكدت الحكومة البلشفية عزمها على استحداث شبكة رياض أطفال، وحضانات، و مغاسل، ومطاعم، بقصد تحرير المرأة من مهام العمل المنزلي، ثم قررت عدم تدخل الدولة والمجتمع في العلاقات الجنسية بين الأفراد (ما خلا في حالة عنف)، وألغت من ثمة عقوبات سجن المثليين والمثليات جنسيا. وبعد انتهاء الحرب الأهلية، قامت بحملة واسعة لتصفية الأمية فيما كانت نسبة 80 بالمائة من النساء أميات قبيل الحرب العالمية الأولى. وتم تكريس هذه التدابير بمرسوم نشر بعد يومين حول الزواج المدني.

ويوم 28 ديسمبر/كانون أول 1917، استحدثت مفوضية المساعدة الاجتماعية شعبةً لحماية الأمومة و الطفولة الصغيرة، ونقلت لاحقا إلى مفوضية الصحة العامة. وتلا ذلك تشكيل فروع، ونقاط حماية للأمومة وللطفولة الصغيرة بغاية تنظيم الاستشارات الطبية لفائدة النساء و للأطفال.

وبعد ذلك بقليل، سن قانون تمتيع الأمهات براحة نصف يوم مؤدى عنها كل ثلاث ساعات عمل لإرضاع الطفل في العمل. و تشكل يوم 4 يناير/كانون ثاني 1919 مجلس لحماية الأطفال يضم ممثلي مفوضيات رعاية الصحة العامة و التأمين الاجتماعي و التموين و العمل. وخُولت لهذا المجلس كامل صلاحيات حماية الطفولة وتنظيم تغذيتها وتموينها على نطاق الجمهورية برمتها.

ويوم 18 نوفمبر/تشرين ثاني 1920 تم إلغاء تجريم الوقف الارادي للحمل (الاجهاض)، وسُن الاجهاض الحر والمجاني، “أشد الحريات إكرابا” بتعبير تروتسكي، سنة 1920.

طبعا، كانت ظروف الحياة الفعلية في روسيا السوفييتية، المدمرةِ كليا بالحرب الأهلية، تضفي على قسم كبير من هذه الحقوق – المتقدمة على سائر العالم- طابعا شكليا مدة طويلة: هكذا لم تكن ثمة مستشفيات بالقرى، ما حرم القرويات من ممارسة حق الإجهاض سوى باللجوء الى مساعدات غير مختصات. وفي المدن كانت المستشفيات مفتقرة إلى وسائل، لاسيما المسكنات،(فضلا عن كون معظم الأطباء مؤيدين للبيض وهاجر كثير منهم)، فكان الاجهاض يجري بدون تخدير.

وفيما يتعلق بباقي الحقوق، كانت الأجور متدنية جدا، ما جعل نفقة المطلقة أدنى؛ ولم توجد الحضانات ورياض الأطفال سوى في المدن. على هذا النحو، يُحصى في ديسمبر 1920 في البلد برمته 567 حضانة و 108 دار للأم والطفل، و197 مركز استشارة، 108 مركز تزويد بالحليب و 267 ملجأ لصغار الأطفال وبيت طفولة. هذا طبعا ضئيل لكنه كان بداية ومثالا. وسيتطلب تطوره عقودا؛ وفي الجمهوريات الاسلامية-وفي قسم من القرى الروسية- كان عبء التقاليد و اعراف الأسلاف صعبَ المقاومة ما جعل حقوق النساء تظل فيها افتراضية إلى حد بعيد.

وأثار اعلان هذه الحقوق الجديدة الكثير من الأساطير في بلدان الغرب، منها التنديد بتشريك (خيالي) للنساء يتيح لكل رجل التصرف جنسيا في من يشاء من النساء.

نضيف إلى هذه التدابير الاجتماعية منزلة المرأة الاعتبارية ومكانتها على صعيد سياسي (في العام 1917، كانت الكسندرا كولونتاي و ماريا سبيريدونوفا من أكثر الخطباء شعبية في بتروغراد)، وفي الحرب الأهلية: كانت المرأة مفوضة في الجيوش (أوجينيا بوش، وروزا زاكيند-زملياتشكا)، ومفكرة (اينيسا ارماند و كولونتاي)، ومحرضة (كولونتاي و سبيريدونوفا)، وقائدة عسكرية (المفوضة الظاهرة في فيلم اسكولدوف)، وصحفية ملتزمة (لاريسا رايسنر)، وإرهابية (دورا كابلان، ايرينا كاخوفسكايا)، وزعيمة عصابات متمردة (مروسيا)، وقائدة حزبية (ماريا سبيريدوفنا، زعيمة الاشتراكيين الثوريين اليساريين).

ما تفسير حبس البلاشفة للمومسات في معسكرات عمل؟
فهذا الحبس يعيد إلى الأذهان الأخلاق الفكتورية المُجرِّمة للفقراء بمبرر كسلهم المزعوم.

لا أعتقد أن حبس العاهرات في معسكرات عمل حيث يُكلفن بخياطة ملابس، لاسيما الخاصة بجند الجيش الأحمر، مرتبط ب”أخلاق فكتورية تجرم الفقراء بمبرر كسلهم المزعوم”. إنه بنظري مرتبط بفكرتين: الدعارة التي تحول النساء الى بضاعة مُحقرَة ومُحقِرة هي أولا إرث عن الرأسمالية ونتاج البؤس الاجتماعي. كانت الاستعاضة عن بيع المرأة الفردي لجسدها بنشاط اجتماعي جماعي أمرأ يبدو للبلاشفة- المنقسمين بهذا الصدد- حلا مؤقتا في عالم مطبوع بعوز مزمن.

إلى أي مدى أفلح البلاشفة في تطبيق مشاريع تجميع الأسر و الحب الأمومي؟
لم تتقدم تلك المشاريع كثيرا بفعل نقص الموارد اللازمة لاستحداث مؤسسات جماعية تتيح تخليص النساء من عدد كبير من المهام التي تنيخ على كواهلهن، ثم بسبب عبء التقاليد التي جعلت الأسرة حجر ناصية التنظيم الاجتماعي. ارتفع عدد حالات الطلاق ارتفاعا هائلا لكنه لم يكن دوما أمارة حرية محققة، بل ما أبعده عن ذلك: فبالنظر لظروف السكن المأساوية، غالبا ما يضطر الزوجان المطلقان إلى مواصلة العيش معا طيلة سنوات في الغرفة الوحيدة المتاحة. تتفكك الأسرة هنا، ليس نتيجة اختيار لحياة جماعية بديلة، بل بسبب ظروف حياة لا تطاق.

هل لكم أن تلخصوا وضع النساء في ظل نظام ستالين، وتفسرونه؟
يجب على المرأة، في ظل نظام ستالين، أن تكون زوجة جيدة، وأُمًّا جيدة، وعاملة أو منتجة، لأن التصنيع الكثيف المنطلق في العام 1929 يتطلب يدا عاملة جديدة. وبما أن شبكة الحضانات ورياض الأطفال تتطور ببطء شديد، يصعب تحقيق هذه الوظيفة الثلاثية. وسيزيد إقدام ستالين في العام 1936 على منع الاجهاض هذا الوضعَ وطأة أشد. وتحول تحرر النساء إلى صورة نمطية (عاملة الكلخوز النموذجية دائمة البهجة) تحجب بشكل سيء حياة تسيطر عليها لدى القسم الأكبر من النساء مشاغل الحياة اليومية الثقيلة والتافهة.

أما نساء البيروقراطيين، وهن في الغالب لا يعملن، فمدعوات لممارسة نشاط اجتماعي يعيد إلى الاذهان (ويقلد ) الأعمال الانسانية لنساء البرجوازية في القرن الماضي.

ماذا خلف الاتحاد السوفييتي في الوضع الراهن للمرأة في روسيا.

ليس الشيء الكثير خارج المساواة القانونية والسياسية، ولهذه الأخيرة دلالة ضئيلة في بلد لا يوجد فيه حزب جدير بهذا الاسم. وعلى صعيد اجتماعي باتت الحضانات خاصة والحضانات العمومية بمقابل (غير باهض، لكنه اداء مع ذلك).

المصدر:

https://www.nonfiction.fr/article-9209-les-femmes-et-la-revolution-de-1917-entretien-avec-jean-jacques-marie.htm

ترجمة المناضل-ة

=========================

جان جاك ماري: مؤرخ مختص في الاتحاد السوفييتي
من كتبه سيَر لينين، وتروتسكي، وستالين

ومن مؤلفاته الأخرى:

كرونشتات -2005
الحرب الأهلية الروسية -2005
الأحد الأسود-2008
خروتشوف، الاصلاح المستحيل-2010
لينين، الثورة الدائمة-2011
بــيــــريا ، جلاد ستالين السياسي- 2013
حرب الروس البيض-2017
النساء في الثورة الروسية -2017
الحياة في روسيا لينين -2020