النساء الكويتيات يحترقن ليضيئن للرجال



محمد فُتوح
2022 / 2 / 16

رجل على " دراعه"
---------------------------------
فى حياتى حدثت أشياء كثيرة لم أكن أتوقعها .. ومن بينها أننى أصبحت مالكا لتسعة فدادين من الأرض الزراعية قرب ، " عزبة الكوادى " التابعة " لصالحجر" وبيتانا ريفيا فى " القضابة " وهما قريتان من قرى مركز " بسيون " بمحافظة الغريبة .
الأولى ترقد فوق آثار مدينة فرعونية ، كانت فى يوم ما إحدى عواصم الملك رمسيس الأول أو الثانى لا أذكر .. أما الثانية فظلت لسنين طويلة ، مركزا نشطا هاما للتجارة بسبب محالجها الأربعة التى لم يبق منها إلا واحد الآن ، ومواصلاتها النهرية بصنادلها المتجهة من ترعة " الباجورية " خلال الهاويس إلى النيل ، وحلت محلها الآن بعض زوارق الصيد .
وعلاقتى بالملكية معقدة .. فيها ذلك المزيج من القلق والحب والكراهية ، غالبا ما يتخلل الأشياء التى يربطنا بها رباط قوى . فى البداية كانت الكراهية ولكنها خفت مع الزمن مع تقدم السن ومطالب الحياة الملحة ، وانحصار موجة الثورة الاشتراكية فزاد حبى لها ، واقتربت منها . فهذه المساحة البسيطة المحدودة ، تعطينى إلى جانب المعاش الشهرى ، ذلك القدر من الحماية المادية والاستقرار الذى احتاج إليهما .
هكذا استطعت أن أتفرغ فى السنين الأخيرة ، للأشياء التى أعتبرها أساسية بالنسبة لى ، وأن أرتبط بالقرية ، ومجتمع الفلاحين ، مما فتح ذهنى على جوانب من الحياة كنت جاهلا بها . فأنا لم أنشأ نشأة ريفية مثل مثقفى الجيل الذى أنتمى إليه .
أوحت إلىً بكثير من الأشياء التى انعكست فى رواياتى ، مثل روايات كريمة والرئيسة ، وأتاحت لى متنفسا ألجأ إليه عندما أشعر بإرهاق المدينة ، وإحباطها .. أشق الحقول الخضراء سائرا إلى جوار الترعة .. أو أمارس العمل اليدوى فى حديقة الدار فيزول التوتر .. ولكن أحياناً تعود إلىً الكراهية القديمة وذلك عندما أضطر للدفاع عن حقوق الملكية ضد مستأجرى الأرض ، فتحتل المتناقضات فى حياتى مكان الصدارة من جديد . والحفاظ على الملكية له منطق ومتطلبات لا سبيل إلى تفاديها . أن أكون عكس ما أدعيه .. أن أمارس استغلالا تحميه القوانين . والفلاح يجيد الصراع ضد المالك بحكم خبرته الطويلة رغم ضعف أسلحته ، خصوصا الملاك أمثالى الذين لم ينشأوا فى الريف ، أو يريدون الحفاظ على بعض التوازن ، بين المصلحة والمبادئ التى يؤمنون بها .
هذه الصراعات ُسنة الحياة فى الريف . ثارت أيضا مع عدد من أقاربى ، وخصوصا أولئك الذين تجمع بينى وبينهم حدود مشتركة . فقد أقمت بيتا ريفيا على جزء من الأرض الزراعية ، التى وضع جدى الكبير يوسف بك يده عليها قبل الحرب العالمية الأولى ، بعد أن نزح بأسرته من الصعيد . وأنا أقيم جزءا من السنة فى هذا البيت بهدف الكتابة أو الراحة والابتعاد عن جو القاهرة الملوث بالتوتر ، والسموم ، والضجيج ، ولأطل منه على حياة المجتمع القروى الذى ظللت بعيدا عنه .
لكنى اكتشفت أن حلم الراحة والعلاقات الودية ، يتبدد فى مواجهة حقيقة الملكية الصلبة صلابة الأرض نفسها ، تضرب بجذورها إلى أيام الفراعنة وتقود إلى سلسلة من المعارك حول بضعة أشبار من الأرض ، أو ظل أشجار علت بجوار السور ، أو منافذ فُتحت بغير حق لتطل على أرضى خلال السنين ، التى قرر فيها حكام البلاد أن سلامة الوطن ، وازدهاره يتطلبان أن أظل غائبا فى السجن .
عدت لأكتشف عكس ما ظننت أنه صحيح .. أن التنازل طلبا للود فى مجتمع يسوده المنطق الطبقى يقود إلى تكرار الاعتداء علىً .. وأنه فى الحياة كما فى السياسة ، لا تساوى المثل شيئا إن لم تسندها القوة .
يعد أن استقرت الأمور ، وحتى أضع فاصلا بينى وبين أولئك الذين لم يكفوا عن الزحف البطىء، قررت أن أبنى سورا من الطوب والأسمنت .. وهنا قامت القيامة .. فهذا يعنى توجيه ضربة قسمة للمخططين .. فقررت أن أبقى فى بلدتنا حتى ينتهى كل شىء .
كنت أستيقظ مع طلوع النهار .. استنشق عطر الياسمين ، والورود التى زرعناها فى الحديقة . أدور حولها بعين البستانى يتفقد صنع يديه .. فى أنفى رائحة الأرض الطازجة ، وحول قدمى بلولة الندى فى الحشيش ، لم أصعد درجات السلم إلى الشرفة .. أتناول كوبا من الشاى والحليب وأطل على أشجار البرتقال والليمون .. وعندما يحضر العمال أراهم يدخلون من البوابة وأسمع أصواتهم تتردد صباح الخَير .. أروح وأجىء حتى تغيب الشمس كرة حمراء تسقط فى بحور الأرز . تلفحنى أشعتها فيتحول جلدى إلى سمرة البن .. أقف بين الرجال أتوا من قرية أسمها " بر الحمام " يخلطون الزلط ، والرمل ، والأسمنت ، يشدون على الحبل المربوط فى الجاروف ، ويقلبونهما بينا يلقى عليها أحدهم بجرادل المياه لتخميرها ، أتتبع حركة الأذرع ، والسيقان ، وحركة الأسنان ، والضحك والكلمات تجىء وتروح ، و أتتبع الجاروف يرتفع بالأسمنت فى الفضاء الأزرق ، والرؤوس ، والأقدام والأكتاف المحنية تلقى بأحمالها ، والجهد الذى لا يبدو جهداً رغم العضلات المشدودة للظهر ، والقميص الملتصق بالعرق حول الجسم ، ألمح البساطة الوحشية فى تقاطيع الوجه ، والقوة تتدفق من كل المسام لم تفسدها سفسطة الكلمات المحفوظة ، فأتذكر الفعل المقتول فى حياتنا . أشاهد البنا يصف الطوب خطوطا حمراء ، والبنات يحملن أصاعى الأسمنت . القدم ثابتة فوق الأرض ، وخطوط الجسم موجة كامنة ، أو قدرة محبوسة تحت الثوب ، وردف نحيل بلا شحم . ألمح نظرة العين الهادئة ، والرمش أسود ، وثقة اعتداد بالنفس ، وجمال ولادة الجهد ، ليس فيه طراوة ولا ليونة ، ولا تأرجح فوق كعوب عالية مستوردة لتدعيم أنوثتهن .
لمحت أظافر إحداهن تلمع بطلاء أحمر فسألتها . ضحكت قاتلة وهل هذا عيب ؟ .. قلت لا ولكنه يبدو لى غريبا وسط الرمل ، والأسمنت . فكرت لحظة ثم قالت ببطء وكأنها تقلب الأمر .. معك حق .. سأرفعه ، إنه التليفزيون ، ثم ابتعدت بخطوتها الثابتة تحملها بعيدا عنى .
قررت أن أعيد تخطيط الأرض .. أن أقطع فى الخطوط المتعرجة حتى تستقيم .. أن أختصر المشايات وأستعيد المساحات الضائعة فى الزوائد والأركان .. ظللنا نعمل أنا واثنان من فلاحى القرية طوال الأسابيع التى قضيتها هناك .. إنهما لا يملكان أرضا زراعية وإنما يستأجران فدانا أو أقل فى موسم القمح أو الأرز . والأرز الآن ينمو وحده ولا يحتاج سوى للرى ..أما بقية الوقت فيعمل كل منهما على دراعه ، أى بالفأس . أحدهما يدعى " سعد " .. عيناه العسليان فيهما حزن أخضر كأنه يفكر فيما ضاع .. يرفع رأسه فوق عنق طويل مثل الشىء الثمين الذى ينبغى أن يحمله بحرص .. ليس فيه خضوع الأجير ، وليس فيه عناد فهو دائم الاستعداد للتفكير فى الأشياء .. فيه طبيعة آسرة كأنه ولد طفلاً .. كلمته القليلة يقولها بعد صمت .. وفأسه تشبهه ، و مثل كلماته قليل الضربات ولكنه كالسحر يقطع فى الأرض ويعيد خطوطه .. يزيل الزائد والأعشاب ، والتضاريس المعوجة بحركة دموية ، منتظمة فتتحول إلى حالة جديدة فيها جمال الوضوح . فالجمال وظيفة .. الشىء الذى لا يؤدى الغرض فيه قبح .. الزخرفة تنتمى إلى عهود التكرار والزمن الضائع ، والسلاطين ، والحريم .. نحن فى عصر الخطوط الواضحة والنحنيات الخالية من الزوائد ، عهد الفضاء ، والسرعة ، والصواريخ وقطع المسافات .
أحب أن أقف إلى جوار " سعد " وهو يقطع الأرض بالفأس .. أن أرى خطوطه المستقيمة بلا التواء .. أن أتأمل كلماته يقولها فى اقتضاب . ذهنه مثل فأسه يبحث فى الأعماق ، وبين يديه تتحول الأرض إلى خطوط عارية ، سمراء تتساب فيها المياه .
أخرج من تحت العفش ، والأعشاب العطنة خمسة ثعابين .. رفض أن يقطع رؤوسها . ترك هذه المهمة لغيره ، كأن وظيفته كشف الثعابين وليس إعدامها ، وقفت أشاهدها وهى تتلوى مثل الأقلام التى تدور حول الحقائق فى عواميد الصحف .. بعد قليل صرخت امرأة فى السويقة القريبة من دارنا فرفع رأسه كأنه ينصت ثم ألقى بفأسه على الأرض .. وفى اللحظة التالية فوجئت به يجتاز المسافة حتى البوابة فى لمح البصر ، ثم عاد بعد قليل بخطوته البطيئة الوثابة .
سألته فأجاب .. رجل اعتدى على امرأة بالضرب فمنعته . ثم أمسك بالفأس وانحنى . عادت ضرباته تتردد فى أذنى بغضب مكتوم .
صورته مازلت أمامى وأنا أقود سيارتى عائدا إلى القاهرة .. نسيت الصراعات والمعارك الصغيرة ، وبقى هو " رجل على دراعه " ، يشق القنوات أمام تيار ليروى الأرض .
من كتاب " فى الأصل كانت الذاكرة " 2002
-------------------------------------------------------------