قصور المواثيق ام ذكورية القائمين عليها!



بثينة تروس
2022 / 3 / 12

بينما البلاد في حالة اللّا دولة ويقودها الطيش السياسي للعسكر والانقلابيين الذين يستهترون بكرامتها، يتوخى جميع أفراد الشعب ان تتمخض مواثيق لجان المقاومة، والقوي الوطنية الأخرى في تلبية طموحاتهم في الحرية والسلام والعدالة، وإيجاد خارطة طريق وطنية من اجل صيانة وحدته وحقن دماء شبابه! لقد تيسر لنا عبر منتديات (الكلبهاوس) حضور ومتابعة نقاشات وطرح ميثاق لجان مقاومة مدني، ولجان مقاومة مايرنو، و(ميثاق تأسيس سلطة الشعب) الذي توافقت عليه لجان مقاومة ولاية الخرطوم، وهو اعلان يجد مباركة من جميع اللجان في الولايات، وتجدر الإشارة الي ان جميع ما تم طرحه من مواثيق قابل للإضافة والتعديل، حتى الاتفاق على وحدة تلك المبادرات.
من أبرز ما ميز تلك المواثيق انها حدث غير مسبوق وتجربة جديدة في تاريخ وضع الدساتير في البلاد، فلقد تعودنا علي الدوام ان تكون الدساتير فوقية وليست قاعدية شعبوية، يضعها نخب معلومون تحركهم انتماءاتهم الحزبية والفكرية وارتباطاتهم المجتمعية والقبلية.. كانت تلك الحوارات يقودها شباب وشابات من لجان المقاومة المعينة ويُدار حولها نقاش صريح وجرئ، من جنس بسالتهم في شوارع النضال الثوري والمقاومة والاستشهاد، ثم تبين ان بعض تلك المواثيق قد غلفتها ضبابية في تحديد نسب شراكة المرآة الفعلية في الحكم، وتأجيل قضايا نسوية حيوية كمهام لمفوضية المرآة حين تأسيسها، وتناسي لدور نساء الريف، كما لم يتم ربط مواقف الانقلابيين ووثيقة جوبا التي أسهمت في ازدياد سوء أوضاع المرأة في مناطق النزاعات، باستثناء ما ورد في (مقترح ميثاق استكمال ثورة ديسمبر) حيث ورد: ان المرأة يجب أن يكون لها نسبة 50% في كل من مجلس السيادة ومجلس الوزراء والمجلس التشريعي..
وبمناسبة شهر مارس ومرور يوم المرآة العالمي والبلاد في عهد الانقلابين تشهد الاعتقالات التعسفية للنساء، وعودة قوانين اللجنة الأمنية وقوانين النظام العام سيئة الذكر، وممارسات الضرب، والذل، والمهانة! يجدر التساؤل حول هل العيب في ضبابية المواثيق ونقصان كمالها؟ ام في نقصان العدالة، وذكورية القائمين على تنفيذها؟؟ الشاهد في النظام البائد وفي ظل دولة المشروع "الحضاري" فقد اجتهد الاخوان المسلمون في وضع مواثيق تم فيها للنساء تمثيل جيد بنسبة 35% في الوظائف القانونية في القطاع العام وتخصيص حصص للمرأة في البرلمان ودوائر الحكم، ومواضع صنع القرار التنفيذية.
بل لقد شهدنا أخطر قوانين ساقت البلاد الي حقبة انحطاطها وادخلتها في كهوف الرجعية والهوس الديني وقد اوكلت مهمة وضع تلك القوانين لنساء الإسلام السياسي من أمثال المستشارة القانونية بدرية سليمان! وبمعاونة رفيقاتها فصلن للمشروع الإسلامي كل ما يلزم من استمرارية بقاء حكامه على السلطة، وبتمثيلهن للعقل الذكوري، شرعنّ لقصور الرجال، بإجحاف لنضالات ومكتسبات المرأة السودانية، فكن ابواق وأدوات مستخدمة من قبل الثالوث المتحالف، السلطة الذكورية، والسياسية، ورجال الدين، وبمعاولهن تم قهر واضطهاد النساء، اللائي عانين من النزوح والحروب، والاغتصابات، وتهم الآداب العامة، والزي الفاضح، وإشانة السمعة. كما تم تقعيد لقوانين الأحوال الشخصية عام 1991 المتخلفة عن روح الإنسانية المعاصرة، والمجافية لأبسط مستحقات العدالة والمواطنة المتساوية، في مفارقة بائنة للحقوق الأساسية للمرأة.
ثم ثارت الكنداكات مع الشباب على الظلم بأجمعه، وسقط الحكم الإسلاموي بفعل ثورة ديسمبر المجيدة 2018 وظهرت الوثيقة الدستورية لتحكم الفترة الانتقالية، وتم تنقيح الوثيقة الدستورية، لكي تجد فيها المرأة العدالة والمساواة المستحقة، بجهد نسائي جمعي ثاقب المعرفة بعصارة تجارب نضالية نسوية ذاقت اجحاف المواثيق! وللأسف بعد ان كان سقف المطالب المناصفة بنسبة 50% انفقت النساء جولات من التفاوض والكتابات والمخاطبات لتامين فقط نسبة 40%.. وبالرغم من الجهود العدلية التي أقدم عليها وزير العدل نصر الدين عبد الباري وقتها، الا انه قد برز ثالوث الجهل بمناصرة (اخوات بدرية سليمان)، ليقف بالمرصاد ضد تعديل قوانين الأحوال الشخصية وضد المصادقة على وثيقة سيداو (القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة).
ولعله لم تكن تلك المواقف محل دهشة او مثار تعجب! بمعرفة مفارقات الاخوان المسلمين في قضية المرأة، فهي لديهم يحق لها الترشيح ودخول البرلمان، والمجالس التشريعية، والقضاء، وبعد ذلك يدعون أنها ناقصة عقل ودين! (لا أفلح قوم ولو امرهم امرأة) وهي بالنسبة لهم وحسب قوانين الشريعة الإسلامية التي يحتكون إليها بالنصف من الرجل في الشهادة، ونصيبها من الرجل الربع في الزواج! ولا يحق لها الولاية على نفسها! والرجل قيّم عليها! ويرفضون تطوير قوانين الأحوال الشخصية لتحقيق مبدأ العدالة والمواطنة المتساوية!! وانما اتي التناقض حين صوتت بعض السيدات في مواقع صنع القرار من المستنيرات، ولهن باع في السياسة والنضال، في الحكومة الانتقالية، ضد المعاهدة وتعديل القوانين، بمرجعيات احزابهم التي يتحكم فيها القيادات الذكورية والأيدولوجيات الدينية، فتكشفت صورية مواقع تلك النساء في احزابهن، وكيف انهن لا يؤمن بالمساواة التامة مع شقائقهن من الرجال، بقدر ما يخضعن للقيود المجتمعية التي تناهض التغيير، خوفا من تهم الارهاب بالخروج من الدين! وهكذا ودون ان يدرين قد عوقن مطالب العدالة والحقوق الدستورية في المواطنة المتساوية المستحقة للمرأة! واخلين بمطالب ثورة ديسمبر، بل بأهم مطالب الحكم المدني!
وللاستفادة من تلك التجارب المريرة لابد من تنقيح الوثائق لكي تحقق للمرأة كرامتها وانسانيتها وحريتها، وان لا تتهيب الشابات دوافع التسلط الذكورية مهما تسترت خلف دعاوي الدين او الأعراف او التقاليد، لان العدالة حق الرجل والمرأة معا، وان لا تنمية مستدامة ولا تغيير ثوري جذري الا في ظل قوانين ومواثيق تحفظ الحقوق الدستورية المتساوية للرجل والمرأة.