- مارس - شهر المرأة والفيروس المتحور



منى حلمي
2022 / 3 / 26

" مارس " شهر المرأة .. وأخطر " فيروس " متحور لا أحد يكشفه ويهاجمه
--------------------------------------------------------------------------------

من متابعتى للاحتفال بأعياد المرأة ، التى تتوالى فى شهر مارس من كل عام ، يوم 8 مارس ، يوم المرأة العالمى ، و 16 مارس يوم المرأة المصرية ، وعيد الأم فى 21 مارس ، ومن تجاربى الطويلة ، مع النساء اللائى ينخرطن فى الدفاع عن تحرير المرأة ، كيانات حكومية ، أو أهلية ، أقول أن هذا الاهتمام ، والاحتفال ، هما مجرد أداء واجب ، وشكليات ، وتكرار لشعارات ، وتسابق على الأضواء .
والدليل على ذلك ، هو بقاء حال المرأة المصرية ، فى وضع بائس ، تعليميا ،وثقافيا ، واعلاميا ، وتربويا ، وأسريا ، وقانونيا ، وفنيا . بل اننا نشهد انتكاسات صارخة فى نظرة المرأة المصرية الى نفسها ، ودورها فى الحياة ، وضرورة استقلالها النفسى قبل الاقتصادى عن الرجل ، وعن مكانة الرجل والزوج والأطفال فى حياتها ، وانتشار فلسفة تغطية النساء ، لاخفاء عورة المفاتن ، والحفاظ على كمون وهدوء الغرائز الذكورية، التى ترتبك ، وتتعثر ، وتتلخبط ، وتتنمر للتحرش والاغتصاب والنكاح ، عند مشاهدة شَعر فتاة ، أو ذراع امرأة .
لا أنكر أن هناك أشياء لا بأس بها ، هدفها تحسين أوضاع النساء المصريات . لكنها
تحسينات " كمية " ، وليست " كيفية " .
السبب فى رأيى ، أن النساء المدافعات عن حقوق ، وحريات المرأة المصرية ، أو لنقل أغلبهن ، غير مؤهلات للقيام بهذا الدور ، عن جهل ، أو عن عمد ، تجنبا للمشاكل ،وتفاديا لهجوم التيارات الاسلامية ، وحلفائها من مشايخ الخطاب الدينى الذكورى العتيق .
على مدى الزمن ، لم أسمع امرأة منهن ، " تجيب سيرة الطاعة " ، من قريب أو
من بعيد . " الطاعة " المفروضة على النساء ، فى كل مكان ، منذ الميلاد حتى الموت ،
فى قانون الأحوال الشخصية ، الذى يؤسس البيوت المصرية . ان " الطاعة " للذكور ، مقابل " الانفاق " الذى يطعم المرأة ، هو " لب " القضية . حتى لو أنفقت المرأة ، على البيت ، مع الزوج ، تظل " طاعتها " له ، " مقدسة " ، لا تناقش ، لا تمس ، لا تنقص .
وأى اعتراض على " الطاعة " ، يجعل المرأة فورا ، " ناشزا " ، " ناقصة الدين" ، " ضد الشرع " ، أو " مجنونة " ، و ضد الأنوثة والفطرة والأسرة والمجتمع ، تعمل لصالح الشيطان ، فى خطة محكمة ممنهجة ، لضرب ثوابت الاسلام ، ومحاربة العادات والتقاليد الر
المرأة غير " المطيعة " ، دون أى تجنى ، أو مبالغة ، تكاد تكون فى حكم فى حكم
" المرتدة ، أو " الكافرة " . بل ان الهدف من خلق المرأة ، هو " طاعة الرجل " ، وعدم اغضابه ، والتفنن فى ارضائه نفسيا وجسديا ، وتحمل كل الاساءات الصادرة منه ، بكل طيب
خاطر .
كل الرجال فى الزواج ، يبحثون عن المرأة " المطيعة " . ربما فى علاقات الحب ، يعشقون امرأة " غير مطيعة " ، ويهرولون وراءها . ولكن عند الزواج ، يختارون منْ
تقول " نعم وحاضر " دون نقاش ، أو تذمر .
لم أسمع امرأة تدافع عن حقوق المرأة ، توضح للنساء ، أن " الطاعة " من ميراث العبودية ، ومن قاموس عصور الأسياد التى تأمر ، والجوارى والعبيد ، الذين يطيعون الأوامر ، وأن العبودية انتهت من العالم كله من سنوات طويلة ، ولا بد أن يكون هناك قاموسا جديدا ، انسانيا ، ينظم العلاقات بين النساء والرجال .
لم تخرج كلمة " الطاعة " أبدا من فم امرأة ، تدافع عن كرامة وانسانية النساء .
وهى لا تصف " الطاعة " أبدا ، على أنها " رذيلة " ، وليست " فضيلة " كما تربت النساء منذ آلاف السنوات .
رفض " الطاعة " يخيف الجميع ، لأن طاعة الرجل من طاعة الرب ، والناس لا تريد البهدلة فى المحاكم ، فى قضايا ازدراء الأديان ، أو انكار المعلوم من الدين بالضرورة ، أو اهانة الذات العليا للذكور ، أو حتى مجرد الوضع فى خانة مغضوب عليها .
ان الجمعيات النسائية فى أغلبها ، ان لم يكن كلها ، تمشى على هذا النهج . وما تقوم به من أعمال ، لا يتعدى أنشطة خيرية ، أو حفلة فات أوانها لتكريم نساء ، ليس لهن تأثير . ولذلك لا أنتظر منها ، أى تغيير جذرى لتحرير النساء .
لا أحد يحرر أحدا . كل إنسان مسئول عن حريته ، أو عن قيوده . كل مجموعة من البشر ، مسئولة عن تحررها ، أو عن قهرها. لا أحد يستطيع إخضاعنا ، إلا بإرادتنا ، وموافقتنا. هذه هى قناعتى . وهى أيضا ، أحد الدروس العظيمة ، التى نتعلمها من قراءة التاريخ . أو بشكل أدق ، اعادة قرائته .
الحرية ، وعي ، وجهد ، وشغل ، وعرق ، واختلاف ، وتحمل مسئولية وثمن ، القول الصادم ، والفعل الجرئ . الحرية ، مقاومة مستمرة يومية ، لكل تجليات القهر ، والتنميط الموروث.
الحرية ، استغناء ، عن الرضا ، والمديح ، وكل أشكال الحماية النفسية ، والمادية . والحرية ، شجاعة الاختلاف ، ودفع تبعات العزف المنفرد الشارد، الخارج عن " الجوقة " الجماعية ، " المطيعة " ، التى تردد اللحن الموروث الرتيب العتيق ، ما عاد يطرب الآذان ، بل يفسدها بالتلوث السمعى والانسانى .
ان شهوة التحرر من " الطاعة " ، لا تحتاج إلي وعي معقد ، أومنطق غارق فى التفلسف العميق ، أو عضوية فى جمعية نسائية .
لا يوجد فى الاعلام المقروء أو السمعى أو المرئى ، برنامج واحد ، يناقش قضية
" الطاعة " الموروثة المفروضة على النساء ، خاصة الزوجات اللائى يبدأن حياتهن حتى النهاية ، وهن تحت وطأة قوانين أحوال شخصية جائرة ، قاهرة ، غير صالحة الا للجوارى
المملوكات من الأسياد فى عصور العبودية . هذا هو الذى يجب أن يتغير جذريا ، وأى تحسينات
كمية ، هى قشور ، أو تجميل للديكور الخارجى .
منذ أيام ، وكاكمال لرؤية 2030 ، وتعميقا للنهضة غير المسبوقة فى السعودية ، تقدم مشروع جديد حديث للآحوال الشخصية ، يحتوى على مبادئ عامة جديدة للأسرة ، سوف توضع فى بنود تنفيذية ، ومنها رفع سن الزواج ، والغاء الطلاق الشفوى واحلال الطلاق الموثق بدلا منه ، امكانية فسخ الزوجة بمفردها لعقد الزواج دون موافقة الزوج ، وحضانة الأطفال تقرر حسب مصلحة الأطفال أنفسهم ، وليس مصلحة الأب أو الأم ، وأخرى غيرها ، مما يتفق مع انسانية المرأة ، واحترام الزوجات والأمهات وحفظ حقوقهن ، وحماية الأطفال.
ان الحرية ليست فى القوانين فقط . القانون الذى تضعه الدولة ، يساعد بلا شك . لكننى أتكلم عن قضية تغيير الوعى ، وليس فقط تغيير القوانين . أتكلم عن قضية العدالة ، التى يجب أن نخلقها فى القلوب والعقول ، قبل أن نخلقها فى كتب القانون ، وعلى منصات القضاء .
لا يوجد برنامج اعلامى واحد ، يناقش المصطلح المخجل " جرائم الشرف " . ربما تم تناوله من ناحية أن قتل الفتيات والنساء ، باسم الشرف ، جريمة جنائية من الدرجة الأولى ، لابد أن تتوقف . لكنه لا يناقش السبب فى حدوثها ، وهو أن " الفتيات والنساء " هن ملكية
خاصة للذكور فى العائلة قبل الزواج ، وبعد الزواج . حتى بواب العمارة ، له نصيب دائم معترف به ، فى هذه الملكية الخاصة . ولا يوجد برنامج اعلامى واحد ، يطرح أن مفهوم شرف الذكور هذا ، هو قلة شرف ، أو انعدام شرف ، لا علاقة له بالشرف ، واستقامة الخلق ، وقيمة ومكانة الفتاة والمرأة ، ويكون موجها لكل شبر فى مصر ، وللأمهات والآباء ، وللفتيات والنساء ، للأزواج ، والعم ، والخال ، والأقارب . ويكون برنامجا اعلاميا ، فى كل الوسائل ،
على مدار العام ، ولا يتوقف عرضه .
منذ طفولتى ، وأنا أسمع من أمى ، كيف أن والدها ، الذى لم يكن ذكوريا ، رفع صوته مرة على زوجته ، التى هى أم أمى ، أو جدتى . انسحبت جدتى فى هدوء ، وذهبت لاعداد حقيبة من حقائب السفر . سألها جدى : " رايحة فين يا زينب ؟". قالت له : " أروح أشتغل غسًالة فى البيوت ولا انك ترفع صوتك عليا ". ومنذ ذلك اليوم ، لم يرفع جدى ، صوته فى البيت مرة أخرى . ليس نوعا من الخوف . ولكن لأنه رجل ذو انسانية عادلة ، يثق فى نفسه ، وفى حبه واحترامه لزوجته ، التى أخطأ فى حقها ، مرة أولى وأخيرة .
ان أجمل ، وأعظم ، ما في الحرية ، أنها لا تذهب ، إلا لمْن يستحقها.
ومنْ يستحقها ، لآبد أن يخوض أولا ، معركته الأكثر صعوبة ، على الاطلاق ، وهى معركته الداخلية مع نفسه ، التى تأبى أن يكون الهدف الأسمى من وجودها ،هو "الطاعة" لمخلوق مثلها .
" الطاعة " كلمة لابد أن تنسف من جذورها العفنة ، المتوطنة فى النفوس والعقول ، على مر الأجيال .
على صخرة " الطاعة " المقدسة ، تتكسر كل محاولات توعية ونهوض وانعتاق النساء.
" قتل الطاعة " ، جريمة يجب ارتكابها فى وضح النهار ، وعلنا ، لكى تتنفس النساء ، لأول
مرة ، دون نكسات ، هواء نقيا ، صحيا ، خاليا من عادم الذكورية ، والدخان الأسود الكثيف
للعقول المريضة ، والأبخرة السامة الصادرة من نفوس معقدة .
" الذكورية " ، أكبر ملوث للبيئة الانسانية . و" طاعة " النساء للرجال التى تبدأ من
الأسرة الصغيرة ، ثم الأسرة الكبيرة ، هى أخطر " فيروس متحور " عرفته البشرية .
---------------------------------------------------------------------------------------