كيف يتضافر النظام الأبوي والرأسمالية لاضطهاد النساء؟



دنيز كومان
2022 / 5 / 1

النظام الأبوي (البطريركي)

يعود اضطهادُ النساء إلى عصور قديمة جدا، فهو سابقٌ للرأسمالية التي تمثل هي أيضا نظامَ اضطهادٍ لكن أشمل. يُطلق اسم النظام الابوي (البطريركي) على الاضطهاد الذي تتعرض له النساءُ من قبل الرجال بما هن نساء. ويعيد هذا الاضطهاد انتاجَ نفسه بكيفيات متعددة متجاوزةٍ للجانب الاقتصادي حصرا: عبر اللغة، والنسب، والصور النمطية، والديانات، والثقافة… ويتخذ هذا الاضطهاد أشكالا بالغة التباين بحسب مكان العيش في شمال الكوكب أو جنوبه، في وسط حضري أو قروي.

لا يفضي التمرد على الاضطهاد أو الاستغلال بنحو آلي إلى الطعن في النظام الأبوي (على غرار الطبقة العاملة التي لا تقرر آليا إنهاء النظام الرأسمالي)، ومع ذلك من الأسهل الرد على اضطهاد من قبل رب العمل قياسا بالرد على اضطهاد من قبل المعاشر). فذلك يقتضي أيضا التخلص من التفسيرات الأكثر رواجا، سواء المستوحية لما هو فيزيولوجي (جهاز جنسي أو دماغ مغاير)، أو ما هو نفسي (طبْعٌ سلبي، طيِّع، نرجسي الخ) لبلوغ نقد سياسي للنظام الأبوي (البطريركي)، بما هو نظامُ سلطةٍ ديناميٌّ، وقادرٌ على الاستمرار أبدا، ومقاومٌ لكل تغيير لنواته المركزية المتمثلة في تفوق الرجال.

أن يكون الشخص نسويا هو إذن أن يعيَ هذا الاضطهادَ، ويعملَ، بعد وعي كونه نظاماً، على تدميره لإتاحة تحرر النساء.

خصائص النظام الأبوي

لا تُختزَل سيطرةُ الرجال في جملةِ أشكالِ ميزٍ. إنها نظامٌ متماسكٌ يُكيّف كل مجالات الحياة الجماعية والفردية.

النساء “مستغَلات بإفراط” في أماكن العمل، ويعطين، فضلا عن ذلك، ساعاتِ عمل منزلي عديدةً، لكن هذه الأخيرة ليس لها نفس الوضع الاعتباري الذي لساعات العمل المأجور. وعلى صعيد دولي، تبرزُ الاحصائيات أنه يتضح، عند اعتبار عمل النساء المهني المؤدى عنها والعمل المنزلي، أن النساء يُنتجن “عملا فائضا” قياسا بعمل الرجال. عدم تساوي المهام والمسؤوليات الأسرية هذا هو الوجه الظاهر (بفضل جهود النسويات) لنظام اجتماعي قائم على قسمة العمل الجنسية، أي على توزيع للمهام بين الرجال والنساء يعتبرُ النساءَ مكرسات بنحو أولوي و “طبيعي” للفضاء المنزلي، فيما الرجال مكرسون للنشاط الإنتاجي والعمومي.

هذا التوزيع ليس بأي وجه “تكاملا”، بل يحدد تراتبا بين الأنشطة “الذكورية” (المضفاة عليها قيمة) والأنشطة “الانثوية” (المجردة من القيمة). وهو توزيع لم يطابق أبدا مساواة في الواقع. وغالبية النساء العظمى جمعت دوما عملا منتجا (بمعنى الكلمة الواسع) مع العناية بالمجموعة المنزلية.

تتميز السيطرة بغياب تام أو جزئي للحقوق. لم يكن لنساء أوربا المتزوجات في القرن 19 أي حقوق تقريبا، وحقوق نساء المملكة السعودية ضئيلة جدا اليوم (بوجه عام تكون حقوق النساء اللائي يعشن في مجتمعات يمثل فيها الدين شأنا للدولة حقوقٌ محدودة جدا).
وعلى العكس، اتسعت حقوق نساء الغرب بشكل كبير بتأثير من تطور الرأسمالية – إذ يجب تمكينهن من العمل و الاستهلاك “بحرية”- لكن أيضا وبوجه خاص بفضل نضالاتهن.

لم تفتأ النساء يناضلن جماعيا منذ قرنين من أجل حقهن في التصويت، وفي العمل، وفي التنظيم النقابي، وأمومة حرة، والمساواة التامة في العمل وفي الأسرة وفي الفضاء العام.

تترافق السيطرة دوما مع عنف، بدنيا كان أو معنويا أو “متعلقا بالأفكار”. العنف البدني هو أشكال العنف الزوجي، والاغتصاب، وبتر الأعضاء الجنسية، الخ. وقد يبلغ هذا العنف مستوى القتل. أما أشكال العنف المعنوي أو النفسي، فهي الشتائم، والإهانات. وأخيرا، أشكال العنف “المتعلقة بالأفكار” هي تلك الواردة في التمثُّـلات (الأساطير، الخطابات الخ)
غالبا ما تترافق علاقات السيطرة مع خطاب يرمي إلى جعل التفاوتات الاجتماعية تُعتبر معطيات طبيعية. وينتج عن هذا الخطاب جعلُ تلك التفاوتات قدرا لا رادَّ له، إذ أن ما هو طبيعي غير قابل للتغيير. ونجد هذا الطراز من الخطاب في معظم المجتمعات.
ليس القصد إنكار كل فرق بيولوجي بين الرجال والنساء. فالإقرار بوجود فرق لا يعني القبول الآلي للتفاوت. لكن عندما يُبالغ في مجتمع ما في إبراز جملة “فروق طبيعية”، ليس بين هذا الفرد وذاك، بل بين مجموعات اجتماعية، يجب الاشتباه في وجود علاقة تفاوت اجتماعية مُقَنَّعة خلف خطاب الاختلاف.

يجنحُ نمط الخطاب هذا إلى تحويل الأفراد المدمجين في علاقات اجتماعية إلى “جواهر” ذات “خاصيات” نهائيةٍ، طبيعيةٍ، غير قابلة للتغيير، وتبرر بالتالي علاقات التفاوت والاستغلال والاضطهاد تلك وتضفي عليها مشروعية.

في غياب نضالات، قد يقوم المضطهدون باستبطان نمط خطابات “إضفاء الصبغة الطبيعية”. إن قسمة المهام بخصوص الأطفال (التي تسند حصرا للنساء عمل العناية المادية بالرُّضع) ليست “طبيعية” بأي وجه، بل هي من صميم التنظيم الاجتماعي، ونتاج اختيار جماعي من المجتمع رغم عدم صياغته صراحةً. والنتيجة معروفة: على النساء، في معظم الحالات، تدبر أمرهن “للتوفيق” بين العمل المهني والمسؤوليات الأسرية، على حساب صحتهن ووضعهن المهني، أما الرجال فمحرومون من هذه الصلة الدائمة بالأطفال الصغار.
الرأسمالية تتدخل

سابقا، عندما يُسأل الأطفال في المدرسة عن مهنتي والديهماـ يجري تعليمهم، إن كانت الأم ربة بيت، أن يسجلوا: «بدون”. يشهد هذا “البدون” أفضل من سواه عن “لا مرئية” عمل النساء المنزلي في المجتمعات الرأسمالية قبل تجدد الحركة النسوية في متم سنوات 1960. فالنسويات هن اللائي أبرزن أهمية تنوع الأنشطة التي تقوم بها النساء “مجانا” في الأسرة.

المهام المنزلية هي مهام إعادة انتاج لقوة العمل؛ ويجري القيام بها في إطار الأسرة، ومعظم هذا العمل مجاني تقوم به النساء (80% من المهام المنزلية تقوم به النساء). لم يسعَ النظام الرأسمالي قطُّ حتى اليوم إلى تحويل المهام المنزلية كليا إلى مهن مؤدى عنها بأجر و /أو إلى منتجات للبيع في السوق. وللنجاح في ذلك وجب أن تستبطنَ النساء وكذا الرجال، عبر النظام الأبوي فكرةَ كون النساء متهيئات مسبقا لإنجاز المهام المنزلية.

عند حاجة الرأسماليين إلى يد عاملة، يبحثون عن نساء ويدفعون لهن أجورا أقل من أجور الرجال (ما يجر بالتالي كل الأجور نحو أسفل). وفي هذه الحالة تضطر الدولة إلى إتاحة خدمات تسهل شيئا ما مهمة النساء، أو تتيح لهن التحرر من بعض المسؤوليات. لكن عندما تكف حاجتهم الى يد عاملة نسوية، يرجعون النساء الى بيوتهن حيث يجدن “مكانهن الحقيقي” حسب النظام الأبوي.

لا يوجد بعدُ أي بلد في العالم، حتى بين أكثرها تقدما، حيث تتساوى مداخيل النساء مع نظيرها لدى الرجال. المهن التي تعمل بها اغلبية نسائية هي قطاعات مُنتقَصَة القيمة (عمل الصحة والتعليم…)

إن ابعاد النساء، من قبل النظام الأبوي، إلى المهام المنزلية سيتيح للرأسماليين تبرير فرط الاستغلال النساء بحجة أن عملهن أقل إنتاجية من عمل الرجال (ضعف، حيض، غياب بسبب الحمل، عناية بالأطفال والأقارب المرضى…) إنها مسألة الأجرة التكميلية. وحتى الآن لا تزال أجور النساء، رغم كفاءة وعمل مساويين، أدنى بنسبة 20% من أجور الرجال. انها فائدة مزدوجة للرأسماليين، إذ لديهم من جهة يد عاملة رخيصة وأكثر مرونة (انها يد عاملة احتياطية قابلة للاستعمال حسب تقلبات السوق)، ومن جهة أخرى يتيح لهم ذلك جر مجمل الأجور الى أسفل.

اضطهاد النساء مفيد للنظام الرأسمالي

تظل الرأسمالية، مع تشجيعها باسم الأرباح لنوع من تحرر النساء، متمسكة رغم كل شيء بمؤسسة الأسرة التقليدية. فلماذا؟

تقوم الأسرة في مجتمعاتنا بدور أساسي في إعادة انتاج الانقسامات (والتراتبية) بين مختلف الطبقات الاجتماعية، وبين الأنواع الاجتماعية (الجندر) التي تسند لها وظائف اقتصادية واجتماعية متباينة: فباسم وظيفة “الأمومة”، يتعين على النساء النهوض بمجمل المهام المرتبطة بالعناية بقوة العمل و بالأسرة و إعادة انتاجهما. يتيح عمل النساء المنزلي للدولة اقتصاد نفقات التجهيزات الجماعية، ويتيح لأرباب العمل دفع أجور أقل. لو لم تكن النساء المسؤولات الوحيدات عن هذ العمل في اطار الأسرة، لوجب توقع انخفاض كثيف لمدة العمل لصالح مجمل السكان وتطور كبير للمرافق الاجتماعية.

المصدر: مجلة أصوات الكوكب الأخرى Les autres voix de la planète

الصادة عن لجنة الغاء الديون غير المشروعة CADTM

العدد 81، الفصل الأول 2022



ترجمة المناضل-ة