المعوجة الضعيفة المحاصرة بالشرف والفضيلة



منى حلمي
2022 / 5 / 20

المعوجة الضعيفة المحاصرة باسم الشرف والفضيلة

-----------------------------------------
" المرأة " فى ثقافتنا العربية الاسلامية ، وفى الموروثات التى ندرسها ، ونقرأها ، وفى مقررات التعليم ، وفى اسلوب تربية الأسرة الأبوية ، وفى مفاهيم الشرف ، وبنود قوانين الأحوال الشخصية ،
والمواد الاعلامية ، واللغة الذكورية التى نتحدث ونكتب بها ، وفى المعانى التى ترددها الأغانى ، وغالبية الأعمال الدرامية فى الاذاعة والتليفزيون والسينما ، هى " كائن " غير مستقل بذاته ، ليس حرا بالفطرة ، ليس كاملا فى العقل والتمييز والأهلية ، دوافعه شيطانية ، انتقامه بشع وكيده مرعب .. " مخلوق " بطبيعته نجس ، مصافحته تنقض الوضوء . اسم المرأة عار ، لا تعطيه لبناتها وأولادها ، جسم المرأة من أوله لآخره عورة ، حركتها ، مشبوهة ، محرضة على الشهوات والغرائز . وجودها أصلا عبء ،
فضيحة ، يجب بمجرد البلوغ ( أو ربما قبله ) أن يتم سترها ، وقبل الستر يجب الختان . والمثل يقول :
" يا جايبة البنات يا شايلة الهم للممات " .
وظائف المرأة التى تعطيها شرعية للبقاء ، هى طاعة الرجل دون نقاش ، خاصة فى امتاع شهوات الرجل البدائية الحسية ، الطعام والنكاح وولادة الذرية . وهى لا تستحق الا ذلك ، لأنها مخلوقة من ضلع أعوج .
والنتيجة أن المعلوم من الدين ومن الثقافة ومن الفضيلة بالضرورة ، هو أن" الوصاية " على
النساء " واجبة " ، وأن " امتلاك المرأة " مقدس لا نقاش فيه . ألا نسمع مقولات : " مراتى وأنا حر فيها " .. " أختى أنا اللى أحكمها " .. " الست بتاعتى " . وغيرها من مقولات الاستعباد المقنن ،
والتبعية المقدسة .
والتناقضات الواضحة ، فى هذه الموروثات البدوية الصحراوية ، هى كيف تكون المرأة ، "الكائن الأضعف " ، ورغم ذلك فهى " القادرة " بمجرد اظهار خصلات من شِعرها ، وان كانت طفلة ، أن " تعفرت " غرائز وشهوات الرجال ( الكائن الأقوى ) ، تنسيهم تعاليم دينهم ، وتدفعهم بسهولة متجاهلين معصية الله وغضبه . وأستحضر هنا مقولة نزار قبانى :
" ينعتون الأنثى بالمخلوق المعوج وهم على اعوجاج خصرها يتقاتلون ".
كيف تكون المرأة " الكائن الأضعف " ، الشيطانى ، المدنس ، المشبوه ، ثم نعهد لها بالمسئولية عن " شرف الذكور " ، و " عرض الذكور " ، سواء قبل الزواج ، من الأب والأخ والعم والخال ، أو بعد الزواج من الزوج ، والذين يتباهون بالقتل والذبح ، لاستعادة شرفهم ؟؟.
حتى القانون يعطى حكما مخففا ، للزوج الذى قتل زوجته الزانية على فراش الزوجة ، هى وعشيقها ، لأن " شرفه " الموجود " حصريا " فى جسد زوجته ، تمرمط فى الطين ، و" عرضه " مدفوع الأجر ، المهر والشبكة والعفش ، قد استهزئ به ، على سريره الشرعى . أهذه عدالة قانونية ؟؟. كيف يخفف الحكم على جريمة قتل ؟؟؟.
وكيف تكون المرأة المشكوكة فى شهادتها أمام المحاكم ، وحسن تمييزها للأمور ، تعطى أذنيها
دون مقاومة ، لتحريض ابليس على الرذيلة ( المحصورة فقط فى النصف السفل من جسدها ) ، هى
" المسئولة " عن تربية الأطفال ، وتحديد نوعية رجال ونساء الدولة فى المستقبل ؟؟. المهمة التى لا نتوقف عن تمجيدها ، وتقديسها ، ومن أجلها تترك المرأة تعليمها الرفيع وعملها المرموق ، اذا تعلمت وعملت ؟؟.
كيف يكون الرجل هو الأقوى ، عقليا ، ونفسيا ، مكتمل الأهلية ، يحسن التمييز ، قادرر على ضبط انفعالاته ، وهو " يرمى يمين الطلاق " فى لحظة غضب أهوج، لأن زوجته تأخرت فى تحضير الغذاء ، أو جريت لرؤية أمها المريضة قبل أن تموت ، أو ليس لها مزاج للنكاح ، أو نسيت تأخذ اذنا من سيدها الزوج وخرجت لشراء أكياس قمامة مثلا ، أو عارضته لتكمل الابنة المتفوقة تعليمها ، أو اكتشفت تحرشاته ، وخيانته ، وتعاطيه للممنوعات ، ونكاحاته فى بيت دعارة ، وفلوسه غير القانونية .
بكل بساطة ، المرأة تخوض حربا شاملة ، منذ الميلاد وحتى الموت ، تمنعها أن تكون
" انسانة " ، تملك نفسها ، وليست فى " عهدة ذكر " ، أو " على ذمة زوج " ، أو " فى كنف مِحرم " ، أو " وراء ضل راجل " . وأغلب الفقهاء الذين يقدسهم المسلمون والمسلمات ، رسخوا لهذه الحرب ، وخططوا لها معاركها ، وأسلحتها المتجددة .
حرب شرسة متنمرة ، تأبى الا أن ينتصر " الذكور " ، لأنهم " خلفاء الله فى الأرض " ، حراس الفضيلة والشرف الذكورى الذى لا ينتفض الا بسبب الجنس ، حتى لو أحاطته مظاهر عدم الشرف ، من كل اتجاه .
كيف المرأة هى " الأضعف " ، ولكنها فعليا ، فى العرف والثقافة والموروثات الدينية ، هى
" المحاصرة " بجميع الأسلحة ، " المملوكة " من جميع ذكور العائلة ، وذكور الجيران ، وذكور الحى ؟؟.
لو كانت المرأة ضعيفة ، كما يقولون ، فانها لا تحتاج الى كل هذا الكم من الأغلال والقيود ، والفرض والاجبار ، واتجمع الحشود الغاضبة ، لتبقى تحت السيطرة . هكذا يقول المنطق السوى . فنحن لا نحاصر الضعفاء ، بل فقط الأقوياء .
أعتقد أن هناك خوفا هائلا من الرجال ، اذا تركوا المرأة حرة ، تملك نفسها ، وجسمها ، وقراراتها ، واختياراتها ، وعقيدتها ، وأخلاقها ، وتحدد مصيرها من الألف حتى الياء، كما يفعل الرجال .
-----------------------------------------------------------------------