النسوية وسياسات المشاعات



سيلفيا فيديريتشي
2022 / 8 / 8

إعادة الانتاج تسبق الانتاج الاجتماعي. إسأل المرأة، إسأل الصخرة. (1) بيتر لينبو- Peter Linebaugh

على الأقل منذ استيلاء الزاباتيستاس على زوكالو في سان كريستوبال دو لا كازاس يوم 31 كانون الأول/ديسمبر 1993، للاحتجاج على تشريع يحل المشاعات (ejidal) في المكسيك، بات مفهوم “المشاعات” شعبياً في البلاد. (2) هناك عدة أسباب مهمة هي التي جعلت من هذه الفكرة الغابرة ظاهرياً محور النقاشات السياسية في الحركات الاجتماعية المعاصرة. برزت اثنتان على وجه التحديد. من جهة هناك زوال للنموذج الدولتي للثورة والذي استنزف لعقود من جهود الحركات الراديكالية في بناء بديل عن الرأسمالية. من جهة أخرى، الدفاع عن “تقسيم الأراضي القديم الجديد” قد أظهر عالماً من الخصائص والعلاقات المجتمعية التي اعتقد البعض أنها انقرضت أو لا قيمة لها إلى أن تُخصخَص. (3) المفارقة، أن هذا التقسيمات لم تثبت فحسب أن هذه المشاعات لم تندثر، إنما ظهر إلى الوجود أشكال جديدة من التعاون الاجتماعي المنتجة بشكل مستمر، من بينها مساحات العيش التي لم تكن موجودة من قبل، على سبيل المثال، الانترنت. تخدم الفكرة وظيفة أيديولوجية كمفهوم موحد ينبئ بالمجتمع التعاوني الذي يعمل العديد من الناس على بنائه. مع ذلك، ما زال هناك كذلك الكثير من الغموض والاختلافات التي تفسر هذا المفهوم، والتي تحتاج إلى توضيح ما إذا كنا نريد تحويل مبدأ المشاعات إلى مشروع سياسي متكامل. (4)

مثلاً، ما الذي يشكل مشاعاً؟ لدينا مشاعات الأرض والمياه والهواء، المشاعات الرقمية، كما توصف مكتسباتنا المستحقة مثل تعويضات الضمان الاجتماعي بالمشاعات، كذلك اللغات والمكتبات والمنتجات الجماعية للثقافات القديمة. لكن هل كل هذه المشاعات متساوية من وجهة نظر إمكاناتها السياسية؟ هل كلها منسجمة؟ كيف يمكننا ضمان ألا تفرض كوحدة ينبغي أن تبنى؟ أخيراً، هل علينا التحدث عن “المشاعات” بالجمع، أو عن “المشاع” بالمفرد، كما يقترح الماركسيون الأوتونوميون علينا، هذا المفهوم يحدد في نظرهم مميزات العلاقات الاجتماعية التي تميز الشكل المهيمن للانتاج في الحقبة الما بعد فوردية؟



مع طرح هذه الأسئلة في ذهننا، في هذا الفصل سأنظر في سياسات المشاعات من مقاربة نسوية حيث تشير كلمة “نسوية” إلى وجهة نظر شكّلها النضال ضد التمييز الجنسي وعمل إعادة الانتاج، والذي، إذا أردت إعادة صياغة جملة لينبو الواردة أعلاه، هي الصخرة التي يبنى عليها المجتمع والتي يجب اختبار كل نموذج من نماذج التنظيم الاجتماعي عليها. هذا التدخل ضروري من وجهة نظري من أجل تحديد هذه السياسات بشكل أفضل وتوضيح الظروف التي بموجبها يمكن أن يصبح مبدأ المشاع/ات أساس البرنامج المناهض للرأسمالية. ما يجعل هذه المهام ذات أهمية خاصة أمرين:

أولاً، منذ بداية الـ 1990ات، جرى الاستيلاء على لغة المشاعات من قبل البنك الدولي على سبيل المثال واستعملت خدمةً للخصخصة. بحجة الحفاظ على التنوع البيولوجي والحفاظ على المشاعات العالمية، حوّل البنك الغابات الكثيفة إلى محميات بيئية، وطرد السكان الذين حصلوا على رزقهم منها لقرون ماضية، مع ضمان وصول أولئك الذين بإمكانهم الدفع، مثلاً، عن طريق السياحة البيئية. (5) ليس وحده البنك الدولي من تبنى تحويل فكرة المشاعات لخدمة مصالح السوق. رداً على دوافع متعددة، باتت إعادة تقييم المشاعات شائعة بين الاقتصاديين والمخططين الرأسماليين؛ لاحظوا/ن الأدبيات الأكاديمية المتكاثرة حول الموضوع وما يرتبط بها: رأس المال الاجتماعي، الاقتصاد المجاني، الإيثار.

إن توسع الشكل السلعي إلى كل زاوية من زوايا المصنع الاجتماعي والذي شجعت عليه النيوليبرالية، هو حدود مثالية للأيديولوجيين الرأسماليين، ولكنه ليس فقط غير ممكن التحقيق إنما غير مرغوب فيه من وجهة نظر إعادة انتاج النظام الرأسمالي البعيدة الأمد. التراكم الرأسمالي مرتبط بنيوياً بالاستيلاء الحر على كميات كبيرة من العمالة والموارد التي يجب أن تظهر كعوامل خارجية للسوق، مثل العمل المنزلي غير المأجور والذي تقوم به النساء، والذي يـ/اعتمد عليه أصحاب العمل لإعادة انتاج القوى العاملة. ليس مصادفة أنه قبل وقت بعيد من انهيار وول ستريت، حذر العديد من الاقتصاديين وعلماء الاجتماع من أن تسليع كل مجالات الحياة سيضر بحسن سير عمل السوق، لأن الأسواق كذلك، كما تقول الحجة، مرتبطة بوجود علاقات غير نقدية مثل الثقة والعطاء. (6) باختصار، يتعلم رأس المال فضائل الصالح العام.

إذاً يجب أن نكون دقيقين جداً، لعدم صياغة الخطاب حول المشاعات بطريقة تسمح للطبقة الرأسمالية التي تمزقها الأزمات بإعادة إحياء نفسها، مثلاً، بصفتها الحارس البيئي للكوكب.

الهمّ الثاني هو السؤال الذي لا جواب عنه حول كيف يمكن للمشاعات أن تكون أساساً للاقتصاد غير الرأسمالي. انطلاقاً من عمل بيتر لينبو، وخاصة (The Magna Carta Manifesto- 2008)، تعلمنا أن المشاعات كانت الخيط الذي يربط تاريخ الصراع الطبقي بزمننا الحالي، وبالفعل النضال من أجل المشاعات في كل مكان يحيط بنا. قاتلت الشركات للحفاظ على وصولها إلى مواقع صيد السمك، وتحت هجوم الشركات الكبرى، يكافح سكان أبالاتشيا من أجل الحفاظ على جبالهم المهددة بالمناجم؛ حركة البرمجيات الحرة والمفتوحة تعارض تسليع المعرفة وتفتح مجالات جديدة للتواصل والتعاون. لدينا كذلك الكثير من النشاطات والمجتمعات غير المرئية والمشاعاتية التي يخلقها الناس في أميركا الشمالية والتي يصفها كريس كارلسون- Chris Carlsson في كتابه (Nowtopia -2007). كما أظهر كارلسون، يحصل استثمار الكثير من الإبداع في انتاج “المشاعات الافتراضية”والأشكال المجتمعية والتي تزدهر تحت راية اقتصاد السوق/المال.


الأهم هو إنشاء الحدائق المُدنية والتي انتشرت في أنحاء البلد، بفضل مبادرات من مجتمعات المهاجرين من إفريقيا أو من الكاريبي أو جنوب الولايات المتحدة. لا يمكن المبالغة في تقدير أهميتها. الحدائق المُدنية تفتح المجال أمام مسار إعادة “التمدين” التي لا غنى عنها إذا أردنا استعادة زمام السيطرة على انتاجنا الغذائي، وتجديد البيئة وتوفير سبل العيش. الحدائق هي أكثر بكثير من مجرد مصدر للأمن الغذائي. إنما هي أيضاً مراكز اجتماعية لانتاج المعرفة والتبادل الثقافي بين الأجيال. […] (7)

الميزة الأكثر أهمية للحدائق المُدنية هي أنها تعطي انتاجاً للأحياء وليس بهدف التجارة. وهذا ما يميزها عن المشاعات التي تعيد الانتاج والتي تنتج للسوق، مثل مصائد السمك في ساحل لوبستر في ماين، (8) أو تلك التي تباع في السوق، مثل الاتحادات الاحتكارية التي تحافظ على الأراضي المفتوحة. مع ذلك، المشكلة هي أن الحدائق المُدنية بقيت مبادرة قاعدية عفوية وهناك محاولات قليلة من قبل الحركات في الولايات المتحدة لزيادة وجودها وجعل الوصول إلى الأرض طريقاً أساسياً للنضال…

النساء والمشاعات

بشكل عام، لم يطرح اليسار كيف يمكن الجمع بين العديد من المشاعات المتزايدة والتي يدافع عنها وتتطور والنضال من أجلها حتى تتكون وحدة متماسكة توفر أساساً لنمط انتاجي جديد. في هذا السياق، تكون المقاربة النسوية للمشاعات مهمة لأنها تبدأ مع إدراك أنه، كموضوعات إعادة الانتاج الأساسية، تاريخياً وفي زمننا، اعتمدت النساء على الوصول إلى الموارد الطبيعية المجتمعية أكثر من الرجال وهن الأكثر تضرراً من الخصخصة والأكثر التزاماً بالدفاع عنها.

كما كتبتُ في كتاب (Caliban and the Witch- 2004)، في بداية التطور الرأسمالي، كانت النساء في مقدمة النضال ضد تقسيم الأراضي في انكلترا وفي “العالم الجديد” وكن أشرس المدافعين عن الثقافات المجتمعية والتي حاول الاستعمار الأوروبي تدميرها. في البيرو، عندما سيطر المستعمرون الإسبان على القرى، لجأت النساء إلى الجبال وأعدْن تشكيل الحياة الجماعية والتي استمرت حتى وقتنا هذا. وليس مفاجئاً، أن القرنين الـ 16 والـ 17 قد شهدا أعنف هجوم على النساء في تاريخ العالم: اضطهاد النساء كساحرات. اليوم، وفي مواجهة مسار جديد من التراكم البدائي، النساء هن القوة الاجتماعية الأساسية التي تقف في وجه التسليع الكامل للطبيعة، وهن الداعمات لاستعمال غير رأسمالي للأرض واعتماد الزراعة المعيشية. النساء هن المزارعات المعيشيات في العالم. في أفريقيا، ينتجن حوالي 80 بالمئة من الغذاء الذي يستهلكه الناس، على الرغم من محاولات البنك الدولي وسواه من الوكالات إقناعهن بتحويل نشاطهن باتجاه المحاصيل التجارية. خلال الـ 1990ات، وفي العديد من المدن الأفريقية، في مواجهة ارتفاع أسعار المواد الغذائية، استوليْن على الأراضي العامة وزرعْن الذرة والفاصوليا والكاسافا على جوانب الطرقات… وفي الحدائق، وإلى جانب خطوط سكك الحديد، وغيّرْن المشهد المُدني في المدن الإفريقية وكسرْن بهذا المسار الفصل بين المدينة والريف. (9) في الهند، والفليبين، وعلى امتداد أميركا اللاتينية، أعادت النساء تشجير الغابات، واتحدْن لملاحقة الحطابين، وفرضْن حصاراً على عمليات التعدين وبنيْن وقدْن الثورة ضد خصخصة المياه. (10)



كان الجانب الآخر لنضال النساء من أجل الوصول المباشر إلى وسائل إعادة الانتاج عبر تشكيل جمعيات ائتمانية في العالم الثالث من كمبوديا إلى السنغال، والعاملة كمشاعات مالية (Podlashuc 2009). تعرف باسم tontines (كما تسمى في أقسام من أفريقيا)، وهي أنظمة مصرفية مستقلة وبإدارة ذاتية، حيث تنشئ النساء أنظمة مصرفية من أجل تأمين النقد للأفراد أو المجموعات التي لا تستطيع الوصول إلى البنوك، والعاملة على أساس الثقة فقط. في ذلك، هي مختلفة عن القروض الصغيرة التي يشجعها البنك الدولي، والتي تعمل على أساس الرقابة المتبادلة والتعيير، والتي وصلت إلى أقصى مداها، مثلاً، في النيجر، بحيث نشرت صور النساء اللواتي لم يتمكنّ من دفع القرض، ما دفع البعض منهن إلى الانتحار. (11)

كما قادت النساء الجهود المبذولة لتجميع عمل إعادة الانتاج كوسيلة للاقتصاد في تكلفة إعادة الانتاج ولحماية بعضهن البعض من الفقر وعنف الدولة وعنف الرجال. ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك كومونات أولاس (الطهي المشترك) والتي أنشأتها النساء في التشيلي والبيرو في الـ 1980ات عندما لم يعد بإمكانهن التسوق بسبب التضخم الشديد (Fisher 1993 Andreas 1985). كما هو الحال مع استصلاح الأراضي، وإنشاء تونتينات (tontines) هذه الممارسات هي التعبير عن عالم حيث لا تزال فيه الروابط المجتمعية قوية. ولكن سيكون من الخطأ اعتبارها شيئاً ما قبل سياسي أو “طبيعياً” أو مجرد “تقاليد”. بعد مراحل الاستعمار المتكررة، لم تعد الطبيعة والعادات موجودة في أي جزء من العالم، ما عدا الأماكن التي ناضل فيها الناس للحفاظ عليها وإعادة تشكيلها. كما أشار ليو بودلاشوك- Leo Podlashuc، تؤدي اليوم المشاعاتية النسائية الشعبية إلى انتاج واقع جديد، وتكوين هوية جماعية، وتشكيل قوة مضادة في المنزل والمجتمع، وفتح مسار تعزيز الذات وتقرير المصير والتي يمكن التعلم منها الكثير.

الدرس الذي يمكن تعلمه من هذه النضالات هو أن “المشاعاتية” للوسائل المادية لإعادة الانتاج هي الآلية الأساسية التي يحصل بواسطتها إقامة المصلحة الجماعية والروابط المتبادلة. كما هي خط المقاومة الأول ضد الاستبعاد والشرط لبناء مساحات مستقلة تقوِّض من الداخل الهيمنة التي تمارسها الرأسمالية على حياتنا. من دون شك التجارب التي وصفتها كنماذج لا يمكن أن تستنسخ. بالنسبة لنا، في أميركا الشمالية، يجب أن يتخذ الاستصلاح والمشاعاتية لوسائل إعادة الانتاج بالضرورة أشكالاً مختلفة. ولكن هنا أيضاً، من خلال تجميع مواردنا وإعادة تملك الثروة التي أنتجناها، يمكننا البدء بفصل إعادة إنتاجنا من التدفقات السلعية التي، وعبر الأسواق العالمية، هي مسؤولة عن نزع ملكية الملايين من الناس في كل أنحاء العالم. يمكننا البدء في فصل سبل معيشتنا ليس فقط عن الأسواق العالمية إنما أيضاً عن آلة الحرب ونظام السجون الذي يعتمد عليه الاقتصاد الأميركي. وليس أخيراً، يمكننا الذهاب أبعد من التضامن المجرد الذي كثيراً ما يميز العلاقات بين الحركات، الأمر الذي يحد من التزامنا وقدرتنا على تحمل المخاطر التي نود تحملها.

في بلد حيث يدافع عن الملكية الخاصة بواسطة أكبر ترسانة أسلحة في العالم، وحيث أنتجت 3 قرون من الاستعباد انقسامات عميقة في المجتمع، يبدو خلق المشاع/ات مهمة رائعة يمكن تحقيقها من خلال مسار طويل الأمد من الاختبار، وبناء التحالفات والإصلاحات. ولكن على الرغم من أن هذه المهمة تبدو اليوم أكثر صعوبة من المرور عبر خرم الإبرة، إنما هي أيضاً الإمكانية الوحيدة المتاحة أمامنا لتوسيع مساحة استقلاليتنا، ورفض قبول أن إعادة الانتاج تحصل على حساب المشاعيين والمشاعات في العالم.


إعادة بناء النسوية

شددت ماريا مييس- Maria Mies على فكرة أن انتاج المشاعات يتطلب بداية تحولاً عميقاً في حياتنا اليومية، بهدف دمج ما فصله التقسيم الاجتماعي للعمل في الرأسمالية. لأن إبعاد الانتاج عن إعادة الانتاج وعن الاستهلاك يؤدي إلى تجاهل الظروف التي في ظلها نأكل ونلبس ونعمل مع ما ننتجه، مع كلفتها الاجتماعية البيئية، ومصير الشعوب التي ترمى النفايات التي ننتجها وسطها (Mies 1999). بكلمات أخرى، نحتاج إلى التغلب على حالة اللامسؤولية التي تتعلق بنتائج أعمالنا الناتجة عن الطرق المدمرة التي يحصل من خلالها تنظيم التقسيم الاجتماعي في الرأسمالية، أي باختصار، يصبح انتاج حياتنا بالتأكيد انتاجاً لموت الآخرين. كما تشير مييس، زادت العولمة من هذه الأزمة، وزادت المسافات بين ما ينتج وما يستهلك، وبالتالي تزيد، على الرغم من الترابط العالمي المتزايد، من العمى عن الدم في الطعام الذي نأكله، والبترول الذي نستعمله. والثياب التي نرتديها، والحواسيب التي نتواصل بواسطتها.

التغلب على حالة النسيان هو حيث تُعلمنا فيه المقاربة النسوية البدء في إعادة بناء المشاعات. لا يمكن أن يكون المشاع ممكناً ما لم نرفض إقامة حياتنا وإعادة الانتاج الخاصة بنا على معاناة الآخرين. بالفعل، إذا كان للمشاعاتية أي معنى، يجب أن يكون انتاج أنفسنا موضوعاً مشتركاً. هكذا يجب فهم شعار “لا مشاع من دون مجتمع”. ولكن “المجتمع” لا يجب أن يُفهم كواقع مقيَّد، حيث تنضم مجموعة من الناس تجمعها مصالح حصرية بها وتكون مفصولة عن الآخرين، كما هو الحال مع المجتمعات المؤسَّسة على أساس الدين والعرق، إنما كنوع من العلاقات والتعاون والمسؤولية إزاء بعضنا البعض وتجاه الأرض والغابات والبحار والحيوانات.

من المؤكد أن تحقيق مثل هذا المجتمع، كالتعاون في إنجاز عمل إعادة الانتاج اليومي، يمكن أن يكون مجرد البداية. إنه ليس بديلاً عن حملات أوسع مناهِضة للخصخصة واستصلاح ثرواتنا العامة. إنما هو جزء أساسي من تعليمنا للإدارة الجماعية واعترافنا بالتاريخ كمشروع جماعي، والذي ربما يكون الضحية الأساسية للعصر النيوليبرالي للرأسمالية.

على هذا الأساس، يجب علينا كذلك إدراج في أجندتنا السياسية التشاركية في العمل المنزلي، وإحياء هذا التقليد النسوي الغني الممتد في الولايات المتحدة من التجارب الاشتراكية اليوتوبية في أواسط القرن الـ 19 إلى محاولات “النسويات الماديات” التي قامت بها أواخر القرن الـ 19 وحتى بداية القرن الـ 20 لإعادة تنظيم وأشركة العمل المنزلي وبالتالي في المنزل والحي، من خلال العمل المنزلي الجماعي- وهي محاولات استمرت حتى الـ 1920ات عندما وضع الخوف الأحمر [التخويف من الشيوعية] حداً لها (Hayden 1981 and 1986). هذه الممارسات، والأهم من ذلك، قدرة النسويات وقتها للنظر على عمل إعادة الانتاج باعتباره مجالاً مهماً للنشاط البشري ولا يجب إنكاره، إنما يجب تثويره وإعادة النظر فيه وإعادة تقديره.

واحد من الأسباب الحاسمة لخلق أشكال حياة جماعية هو أن إعادة الانتاج للبشر هو العمل الأكثر كثافة من بين الأعمال على الأرض، وإلى حد كبير جداً، إنه عمل لا يمكن مكننته. لا يمكن مكننة تربية الأطفال، أو رعاية المسنين، أو المرضى، أو العمل النفسي الضروري لإعادة إدماج توازننا الجسدي والعاطفي. على الرغم من الجهود التي ينفقها الصناعيون المستقبليون، لا يمكن جعل الرعاية آلية إلا بتكلفة كبيرة للمعنيين. لن يقبل أي شخص الروبوتات حتى تقدم له الرعاية وخاصة الأطفال والمرضى. المسؤولية المشتركة والعمل التعاوني، ليسا على حساب صحة مقدمي الخدمات، هما الضمانتان الوحيدتان للرعاية الملائمة. طوال قرون، كانت إعادة إنتاج للبشر مساراً جماعياً. لقد كان عمل العائلات والجماعات الممتدة ما يمكن أن يعتمد عليه الناس، خاصة في الأحياء البروليتارية، حتى عندما كانوا يعيشون بمفردهم حتى لا تترافق الشيخوخة مع الشعور بالوحدة والاتكال الذي يعيش فيه الكثير من كبار السن. فقط مع ظهور الرأسمالية جرى خصخصة إعادة الانتاج بالكامل، وهو مسار ينفذ الآن لدرجة أنه يدمر حياتنا. يجب عَكس هذا المسار، والوقت الحالي مناسب لمثل هذا المشروع.


ولأن الأزمة الرأسمالية تدمر العناصر الأساسية لإعادة انتاج الملايين من البشر في كل أنحاء العالم، من ضمنه الولايات المتحدة، إعادة بناء حياتنا اليومية هي ممكنة وضرورة. تكسر الإضرابات، والأزمات الاجتماعية/الاقتصادية نظام العمل المأجور، وتفرض علينا أشكالاً جديدة من التعاون المجتمعي. هذا ما حصل خلال فترة الكساد العظيم، الذي أنتج حركة الهوبو الذين حولوا قطارات الشحن إلى مشاعات لهم، سعياً وراء الحرية في التنقل والترحال (Caffentzis 2006). عند تقاطعات خطوط سكك الحديد، نظموا غابات الهوبو، وقواعد الإدارة الذاتية والتضامن، وفق تصورهم للعالم الشيوعي الذي آمن فيه الكثير من الهوبو (Anderson 1998, Depastino 2003 and Caffentzis 2006). مع ذلك، بالنسبة لعدد قليل كان فيلم بوكسار بيرتاس (12)، على الأغلب عالماً ذكورياً، وأخوّة رجولية، وعلى المدى الطويل لا يمكن أن تستمر. بمجرد انتهاء الأزمة الاقتصادية والحرب، جرى تدجين الهوبو بواسطة محرّكين كبيرين لتثبيت قوة العمالة: العائلة والمنزل. نظراً لإعادة تكوين الطبقة العاملة خلال فترة الكساد، برع في تطبيقه للمبدأ الذي ميز تنظيم الحياة الاقتصادية: التعاون عند نقطة الانتاج، والفصل والتفتيت عند نقطة إعادة الانتاج. المنزل العائلي النواتي، والمتسلسل الذي قدمه نموذج Levittown، بالإضافة إلى ملحقه المرتبط به، السيارة، لم يقتصر ذلك على توطين العامل فقط، إنما وضع حداً للمشاعات العمالية المستقلة التي جسدتها أدغال الهوبو (Hayden 1986). اليوم مع إعادة ملكية الملايين الأميركيين وسياراتهم، حيث أدت عمليات رهن الممتلكات، والإخلاء، والخسارات الهائلة للوظائف إلى كسر أعمدة الضبط الرأسمالي للعمل من جديد، تتشكل مشاعيات مشتركة مرة أخرى، مثل مدن الخيام الممتدة من الساحل إلى الساحل. هذه المرة، مع ذلك، على النساء بناء المشاعات الجديدة حتى لا تكون مساحات عابرة ومناطق مستقة بشكل مؤقت، إنما تصبح أساساً لأشكال جديدة من إعادة الانتاج.

إذا كان المنزل هو الأويكوس oikos الذي بني عليه الاقتصاد، بذلك إن النساء، العاملات في المنازل والسجينات فيها، هن من يجب أن يتولى زمام المبادرة واستعادة المنزل كمركز للحياة الجماعية، المتضمن العديد من الأشخاص وأنواع من التعاون، وتزويد الأمان دون عزل وتثبيت، والسماح بمشاركة ممتلكات المجتمع، وأهم شيء، توفير الأساس لأشكال جماعية لإعادة الانتاج. كما ذكرت سابقاً، يمكن استلهام هذا المشروع من برامج النسويات الماديات في القرن الـ 19 اللواتي كن مقتنعات بأن المنزل “هو مكون مكاني أساسي لاضطهاد النساء”، فنظمن المطابخ الجماعية، وبيوت تعاونية، وقد دعين العمال إلى السيطرة على إعادة الانتاج (Hayden 1981).

هذه الأهداف ضرورية في وقتنا الحالي. إن كسر عزلة الحياة في المنزل ليس فقط شرطاً مسبقاً لتلبية احتياجاتنا الأساسية وزيادة قوتنا إزاء أصحاب العمل والدولة. كما يذكرنا ماسيمو دو أنجيليس- Massimo De Angelis، إنه أيضاً يحمينا من الكارثة البيئية. لأنه لا يمكن أن يكون هناك شك بالنتائج المدمرة للتزايد “غير الاقتصادي” لأصول إعادة الانتاج والبيوت المغلقة التي نسميها اليوم منازلنا، وتبديد الدفء في الغلاف الجوي في الشتاء، الأمر الذي يعرضنا لدرجات حرارة قياسية في الصيف (De Angelis 2007). الأهم من ذلك، لا يمكننا بناء مجتمع بديل وحركة إعادة انتاج ذاتية قوية ما لم نعيد تعريف إعادة إنتاجنا بشكل تعاوني أكثر ووضع حد للفصل بين الشخصي والسياسي وبين النشاطية السياسية وإعادة انتاج الحياة اليومية.


بقي توضيح أن تكليف النساء بمهمة إعادة الانتاج المشاعاتية/الأشركة لا يعني التنازل أمام المفهوم الطبيعي للأنوثة. من المفهوم، أن العديد من النسويات يعتبرن هذا الاحتمال أسوأ من الموت. إنه محفور في ذاكرتنا الجماعية أن النساء مصنفات على أنهن مشاع للرجال، منبع طبيعي للثروة والخدمات التي يجب السيطرة عليها من قبل الرأسماليين الذين استولوا على ثروات الطبيعة. ولكن، وحتى نعيد صياغة مقولة لدولوريس هايدن- Dolores Hayden، إعادة تنظيم عمل إعادة الانتاج، وبالتالي إعادة تنظيم الإسكان والأماكن العامة، ليست مسألة هوية؛ إنها مسألة عمل ويمكن إضافة، مسألة سلطة وأمان (Hayden 1986). أتذكر هنا تجربة النساء العضوات في حركة شعب من دون أرض في البرازيل [MST] اللوتي أصرين، بعد انتصار مجتمعاتهن بالحق بالاحتفاظ بالأراضي التي احتلتها الحركة، على بناء المنازل الجديدة لتشكيل مجمع سكاني واحد للتمكن من الاستمرار وتحويل الأعمال المنزلية لتصبح مشتركة، والغسيل المشترك، والطبخ المشترك، كما حصل خلال نضالهن المشترك، والاستعداد للاندفاع لمساعدة بعضهن البعض عندما يتعرضن للإساءة من الرجال. المحاججة بأنه يجب على النساء قيادة عملية أشركة عمل إعادة الانتاج والإسكان لا يعني التطبيع مع فكرة أن العمل المنزلي هو مهمة النساء. إنما ذلك هو لرفض إخفاء التجارب الجماعية، والمعرفة والنضالات التي راكمتها النساء بما خص عمل إعادة الانتاج، وهذا التاريخ هو جزء أساسي من مقاومتنا للرأسمالية. إعادة بناء الصلات مع تاريخنا هو خطوة أساسية للنساء والرجال اليوم لوضع حد للهندسة المجندِرة لحياتنا وإعادة بناء منازلنا وحياتنا كمشاعات.


Marianne Wasowska | Chiapas 2019
المراجع:

Andreas, Carol. 1985. When Women Rebel: The Rise of Popular Feminism in Peru. Westport, CT. Lawrence Hill & Company.

Anderson, Nels. 1998. On Hobos and Homelessness. Chicago, IL. University of Chicago Press.

Carlsson, Chris. 2008. Nowtopia. Oakland, CA. AK Press.

Caffentzis, George. 2004. “Globalization, The Crisis of Neoliberalism and the Question of the Commons.” Paper presented to the First Conference of the Global Justice Center. San Migel d’Allende, Mexico, July 2004.

—————. “Three Temporal Dimensions of Class Struggle.” Paper presented at ISA Annual meeting held in San Diego, CA (March 2006).


De Angelis, Massimo. 2007. The Beginning of History: Value Struggles and Global Capital. London, UK. Pluto Press.

—————. “The Commons and Social Justice.” Unpublished manuscript, 2009.

DePastino, Todd. 2003. Citizen Hobo. Chicago, IL. University of Chicago Press.

The Ecologist. 1993. Whose Commons, Whose Future: Reclaiming the Commons. Philadelphia, PA. New Society Publishers with Earthscan.

Federici, Silvia. 2011, “Women, Land Struggles, and the Reconstruction of the Commons.” WorkingUSA. The Journal of Labor and Society (WUSA), 14(61) (March 2011), Wiley/Blackwell Publications. Published in Spanish as “Mujeres, luchas por la tierra, y la reconstrucción de los bienes comunales,” In Veredas, No. 21, 2010. Issue dedicated to Social Movements in the 21st century. Veredas is the Journal of the Department of Social Relations of the Universidad Autonoma Metropolitana of Mexico City in Xochimilco.

—————. 2008. “Witch-Hunting, Globalization and Feminist Solidarity in Africa Today.” Journal of International Women’s Studies, Special Issue: Women’s Gender Activism in Africa. Joint Special Issue with WAGADU. 10(1) (October 2008): 29-35.

—————. 2004. Caliban and the Witch: Women, The Body, and Primitive Accumulation. Brooklyn, NY. Autonomedia.

—————. 2004. “Women, Land Struggles and Globalization: An International Perspective.” Journal of Asian and African Studies. 39(1/2) (January-March 2004).

—————. 2001. “Women, Globalization, and the International Women’s Movement.” Canadian Journal of Development Studies. 22:1025-1036.

Fisher, Jo. 1993. Out of the Shadows: Women, Resistance and Politics in South America. London, UK. Latin American Bureau.

Hayden, Dolores. 1981. The Grand Domestic Revolution. Cambridge, MA. MIT Press.

—————. 1986. Redesigning the American Dream: The Future of Housing, Work and Family Life. New York, NY. Norton.



Isla, Ana. “Enclosure and Microenterprise as Sustainable Development: The Case of the Canada-Costa Rico Debt-for-Nature Investment.” Canadian Journal of Development Studies. 22 (2001): 935-943.

—————. 2006. “Conservation as Enclosure: Sustainable Development and Biopiracy in Costa Rica: An Ecofeminist Perspective.” Unpublished manuscript.

—————. 2009. “Who pays for the Kyoto Protocol?” in Eco-Sufficiency and Global Justice, Ariel Salleh, ed. New York, London. Macmillan Palgrave.

Mies, Maria and Bennholdt-Thomsen, Veronika. 1999. “Defending, Reclaiming, and Reinventing the Commons,” In The Subsistence Perspective: Beyond the Globalized Economy. London: Zed Books, Re-print-ed in Canadian Journal of Development Studies, 22 (2001): 997-1024.

Podlashuc, Leo. 2009. “Saving Women: Saving the Commons.” In Eco-Sufficiency and Global Justice, ed. Ariel Salleh. New York, London: Macmillan Palgrave.

Shiva, Vandana. 1989. Staying Alive: Women, Ecology and Development. London. Zed Books.

—————. 1991. Ecology and The Politics of Survival: Conflicts Over Natural Resources in India. New Delhi/London. Sage Publications.

—————. 2005. Earth Democracy: Justice, Sustainability, and Peace. Cambridge, MA. South End Press.

هذا الفصل مستقى من مقال نشر بداية في مجلة The Commoner، بتاريخ 4 كانون الثاني/يناير 2011، http://www.commoner.org.uk/?p=113 كما نشر في Uses of a Worldwind: Movement, Movements, and Contemporary Radical Currents in the United States, edited by Craig Hughes, Stevie Peace and Kevin Van Meter for the Team Colors Collective (Oakland: AK Press, 2010).

وقد نشر باللغة الانكليزية في الموقع الالكتروني لكتاب The Wealth of the Commons الصادر عام 2012

الهوامش:



1. Linebaugh, Peter. 2008. The Magna Carta Manifesto: Liberty and Commons for All. Berkeley, CA. University of California Press.

2. المصدر الأساسي لسياسة المشاعات وأسسها النظرية هو المجلة الإلكترونية The Commoner، التي بلغ عمرها اليوم [عام 2012] 14 سنة. كما يمكن مراجعة الفصل الذي كتبه غوستافو إيستيفا- Gustavo Esteva في هذا الكتاب.

3. مثال على ذلك هو الصراع الحاصل في العديد من المجتمعات في ماين ضد استيلاء نستله على مياه ماين لتعبئة زجاجات بولاند سبرينغ. لقد سببت سرقة نستله بأن يكون الناس على معرفة بالأهمية الحيوية لهذه المياه وطبقات المياه الجوفية، وقد أعادوا المطالبة بها لأنها مشاع (Food and Water Watch Fact Sheet, July 2009). منظمة Food and Water Watch هي منظمة لا تبغي الربح تصف نفسها “منظمة لا تبغي الربح وتعمل على ضمان المياه النظيفة والغذاء الآمن في الولايات المتحدة وحول العالم”.

4. من المواقع المميزة للنقاشات الحالية حول المشاعات هو العدد الأخير المنشور من مجلة الحركة المقيمة في بريطانيا Turbulence. Ideas For Movement (see December 5, 2009 issue), available at http://turbulence.org.uk

5. للمزيد حول الموضوع، إقرأ/ي المقال المهم، “Who Pays for the Kyoto Protocol?” by Ana Isla، حيث تصف الكاتبة كيف أن الحفاظ على التنوع البيولوجي قد أعطى للبنك الدولي والوكالات الدولية الأخرى ذريعة لتحديد الغابات الكثيفة بأنها تشكل “حوضاً للكربون” و”مولدة للأوكسيجين”. في Salleh. 2009.

6. Bollier, David. 2002. Silent Theft: The Private Plunder of Our Common Wealth. New York and London: Routledge. 36–39.

7. من الأعمال المبكرة حول الحدائق المُدنية المهمة Bill Weinberg and Peter Lamborn Wilson, eds. 1999. Avant Gardening: Ecological Struggle in the City & the World. Brooklyn, NY: Autonomedia. كما يمكن قراءة الفصل الذي كتبته كريستا مولر- Christa Müller في هذا الكتاب.

8. إن مشاعات الصيد في ماين مهددة اليوم بسياسة خصخصة جديدة تحت حجة الحماية والغريب هو اسمها “حصص الصيد”. وهو نظام مطبق فعلياً في كندا وألاسكا، حيث تقيد الحكومات المحلية كمية الأسماك التي يمكن صيدها من خلال تحديد الأسهم الفردية على أساس كمية الصيد التي سجلتها القوارب في الماضي. هذا النظام أثبت أنه كارثي لصغار الصيادين والمستقلين الذين يضطرون إلى بيع حصصهم لأعلى المزايدين. النضال ضد تطبيقه يتزايد الآن في مجتمعات الصيد في ماين. “Cash Shares´-or-Share-Croppers?” Fishermen’s Voice, Vol. 14, No.12, December 2009.


9. Donald B. Freeman, “Survival Strategy´-or-Business Training Ground? The Significance of Urban Agriculture For the Advancement of Women in African Cities.” African Studies Review, 36(3) (December 1993): 1-22. Also, Federici 2008.

10. Shiva 1989, 1991:102–117, 274.

11. أدين بهذه الفكرة إلى حسينة أليدو Ousseina Alidou، مديرة مركز الأبحاث الأفريقية في جامعة روتجرز (نيو جرسي).

12. بوكسار بيرتا (1972) هو فيلم لمارتن سكورسيزي اقتبسه عن رواية Ben Reitman’s Sister of the Road. Reitman, Ben. 2002. Dr. Sister of the Road: The Autobiography of Boxcar Bertha. Oakland, CA. AK Press.