صِلة الرحم مابين الامس واليوم



بكر محي طه
2022 / 8 / 9

ما الذي حدث للناس ليكونوا متباعدين متجافين المشاعر هكذا فالكل يبحث عن جدار او عازل يخبئُهُ من بعض الناس وكأن وجودهم او رؤيتهم له ستغير قانون الحياة او حتى ستضره!. وهنا لا اقصد الاصدقاء او المعارف وانما اقصد الاقرباء الذين تجمع معهم صلة دم او نسب على حدٍ سواء. ففي السابق كانت الناس قلوبها ومشاعرها مترابطة تحزن معاً وتفرح معاً توبخ ابن الجار وكأنه ابنهم و تنصح ابنة الجيران وكأنها ابنتهم فكيف الحال بالاقرباء والاخوة ومدى ترابط علاقاتهم الاسرية.
كثيراً ما سمعنا من اهلنا عن حكايات الناس سابقاً معهم ومواقفهم المشرفة والتي لازالت تُذكر الى الان ومدى نقاء روحهم وقلوبهم ومع ذلك لا يربط معهم سوى الجورة والخبز، فلم تكن الهوية الطائفية او العنصرية او حتى المناطقية تعرف طريقاً بل الناس تعيش ببساطة وعجلة الحياة تدور فلم يكن يهم الا ما يسد رمق الانسان من جوع وعطش وعيش حياة كريمة وتعليم جامعي خلافاً لما نشهده اليوم من تخلف وتزمت و عنصرية مقيتة حرقت الاخضر واليابس.
قد نجد بعض المثالية فيما تظهره المسلسلات والافلام العربية القديمة او حتى الحديثة منها التي تحاكي واقع الزمن البسيط الجميل كما يسميه البعض، من تلاحم اهل الحارة حول قضايا ابناء منطقتهم وسكانها وكذلك اظهار العزوة والسند بالعائلة الكبيرة والاقرباء في اشارة الى حاجة الناس لبعضها البعض وان كل انسان يكمل الانسان الاخر وان كان مختلف بالاراء او الافكار لكن تبقى القيم الانسانية هي من تجمع الكل حولها، شيء نفتقده اليوم بكثرة كدفء البيت الكبير بيت الجد او الجدة وتجمع العائلة في الاجازات الرسمية كون بقية الايام الكل مشغول اما بعمله او دراسته او حتى التواصل في مناسبات الفرح والعزاء لاضهار اللحمة الحقيقية وقت الشدة والحاجة من جهة ومدى اهتمام الاقارب ببعضم البعض كنوع من التواصل الاجتماعي من جهة اخرى.
اما اليوم نرى الناس تُحاول بكل الطرق قطع صِلات التواصل مع الاقارب والبعض صار يذهب للتفاخر بكونه مقاطعاً لكل الاقرباء سواءً في الواقع او من خلال منصات التواصل الاجتماعي، حالة اجتماعية سلبية بكل المقاييس الانسانية لكن لكل حالة ايجابياتها وسلبياتها، فعلى سبيل المثال وليس الحصر شخص وقع في شدة او حصل له حادث ولم يجد من يقف معه من اقاربه بل اكتفوا بــ (الشماتة) علماً بانه لم يتأخر يوماً في مساعدة اي من اقرابه فبالتاكيد هو على حق في مقاطعتهم كونه على معرفة مسبقة بأنهم يستطيعون مساعدته لكنهم تخلوا عنه وهو امر شائع جدا وبات يتكرر كثيراً للاسف.
الامر الذي جعل ظاهرة (الجفاء بين الاقرباء) تتوسع وتاخذ مساحة اكبر وهي تعتبر من مظاهر التباعد الاجتماعي ذات الطابع السلبي كونها تشجع على نكران الذات والعيش نظام الانا فقط وهو سبب اخر لهدم احد اهم اركان البناء المجتمعي -العائلة- و الاسر الاصغر التي تتبعها من خلال صلة الدم او المصاهرة والنسب.
وللوقوف على هذه الظاهرة في محاولة لمعالجتها على اعتبار انها مشكلة مجتمعية بحتة لابد من علاجها وليست فردية، فلعل ابرز اسباب الجفاء بين الاقرباء هي:
1- الارث / احد اهم واكثر المشاكل لما لها من تبعات واثار في نفسية الافراد وخاصة في حالات الغبن والتهميش للبعض دونما الاخرين في توزيع التركة.
2- الزيجات المفترضة / من المشاكل التي قد تحدث هو الوعد بالمصاهرة والنسب ولكن احد الاطراف يخلف ويذهب الى خارج العائلة للنسب لاسباب يطول شرحها، مما يخلق مشاكل بين مجموعة أُسر تجمعهم عائلة واحدة.
3- الطبقية والمستوى الاجتماعي / هناك من يستنكف ويعيش دور الاستقراط على بعض من افراد او اسر من نفس عائلته على اعتبار انه افضل منهم اجتماعياً ومادياً ونفوذاً.
5- الغيرة القاتلة والحسد / احد اكثر الاسباب دماراً وتخريباً للعلاقات الاسرية ويمكن تلخصيها بعدم الثقة في النفس والتخطيط السيء والاهم (ربط حياتهم بمدى رفاهية بيت فلان او فلانة ولماذا نحن لسنا مثلهم؟)
6- الانتقاص من المقابل بسبب عيب خُلقي او ولادي / من اهم المقاطعات بين العوائل والاسر هو التعيير بالولادات بعيوب خلقية او عدم الانجاب اصلاً وهذا الامر يعتبر ذا اذى نفسي ومعنوي قاتل وخاصة للمرأة.
7- نقل الكلام والمواقف السيئة فقط / وهو الاكثر شيوعاً حيث تنقل المواقف والاحداث وبعض الكلام السيء ليكون بذلك تقويم عائلي يتم التذكير به في كل مناسبة او لقاء او حتى حديث ليتم تذكر الشخص بهذا الفعل فقط.
8- توريث الاحقاد من الاهل الى الابناء / ويعتبر من اخطر الاسباب كون يراد منه الاستمراية في معاداة اشخاص او اسر حتى بعد موت اصحاب القضية الاصلاء وعدم ايقاف الامر الى حد معين.
9- الشحاذة / قد يكون سبباً غير مقنع للبعض لكن اجمالاً هناك اشخاص يتم مقاطعتهم لانهم على طول الخط يميلون للشحاذة وانهم بحاجة للمساعدة حتى وان كانوا غير ذلك او تحسنت حالتهم المادية لكنهم يبقون سائرون لهذا النهج.
وفي نهاية الامر فان الوضع والظروف تغيرت فالاقارب بحاجة لبعضهم البعض لذلك لابد من الوقوف كافراد واسر واعادة النظر بعلاقتهم ببعضهم ومعالجة هذا الشرخ الاجتماعي بدل المساعدة في توسعته لما له من اثار سلبية على العائلة والمجتمع.