النساء وفخ التاريخ



سعود سالم
2023 / 3 / 11

2 - الفن للرجال، الديكور للنساء

الخيار الآخر ، الذي تبنته محموعة أخرى من النسويات، هو الانفصال، الانفصال الذي يمكن أن يسمى بـ " Split - الانقسام". بإعتبار أن المرأة مختلفة جسديًا وثقافيًا، وأن لديها حياة اجتماعية ونفسية مختلفة من خلال حساسيتها وتجربتها الجسدية والإجتماعية، فإنها تنتج بالضرورة فنًا مختلفًا عن فن الرجال، وبالتالي فلا داعي لدمج هذا الفن النسائي المختلف نوعيا في تاريخ الفن الذكوري العام، بل يجب بناء سرد تاريخي جديد مواز له قائم على الإبداع النسوي. ومن هنا نزع هذا التيار النسوي إلى إنتاج مظاهرات ثقافية وفنية خاصة بالنساء وبواسطة النساء، معارض وإحتفالات ومهرجانات خاصة بالإنتاج الفني النسائي، سواء في الفنون التشكيلية او السينما والمسرح والموسيقى إلخ. ويرتبط هذا الاختيار بتيار نسوي أصولي يضع نظريات حول خصوصية المرأة وجوهرها أو طبيعتها المختلفة عن تلك الخاصة بالجنس الذكري والتي يجب تقديرها وتشجيعها وإبرازها في جميع المجالات ولا سيما مجال الإبداع الفني.
ذلك أنه منذ الستينيات، ظهرت منذ البداية عدة توجهات فكرية ونظرية داخل حركة النضال النسوي le féminisme، وظهر منها تيارين رئيسيين: التيار الأصولي essentialiste (أو التفاضلي différentialiste) والتيار العالمي أو الكوني universaliste.
ينادي التيار الأصولي، الذي دافعت عنه بشكل خاص أنطوانيت فوك وغيرها من المثقفات في فرنسا Antoinette Fouque، بالحق في الاختلاف droit à la différence. بالنسبة لهؤلاء النسويات (وبعضهن لا يتردد في القول إنهن لسن نسويات، أو حتى أنهن مناهضات للنسوية) ، ستكون هناك خصوصيات أنثوية مكملة للخصوصيات الذكورية. على سبيل المثال، تميل النساء بشكل طبيعي إلى الحنان والرقة والحساسية وإلى إظهار التعاطف مع الآخرين. يدعي هذا التيار استخدامًا متناغمًا لمهارات الإناث في التكامل بين الجنسين من أجل الصالح العام للمجتمع. أثيرت هذه الحجج بشكل ملحوظ خلال النقاش حول "التكافؤ السياسي"، التكافؤ، وفقًا للأصولية، من شأنه أن يضفي طابعًا إنسانيًا على النشاط العام الإجتماعي والسياسي والثقافي، لأن النساء بطبيعتهن أكثر ليونة وأقرب إلى الحقائق اليومية، بينما يتمتع الرجال بالقدرة الطبيعية على التجريد والأيديولوجيا والعدوانية والسلطة.
يتضمن هذا الخيار العودة إلى المربع الأول، أي الإقصاء الذاتي للمرأة من مجال الأنشطة الاجتماعية، وخلق فن نسائي منفصل عن المجال الفني العالمي، دون التشكيك في المفهوم نفسه، الضرورة أو الغرض أو المعنى لإنتاج سلع تسمى بالأعمال الفنية. بعبارة أخرى ، خلق أداة لهيمنة النساء أنفسهن على بقية النساء ...
بلإضافة إلى أن هذه النظرة "الطبيعية"، والتي ترجع خصوصية مجموعة بشرية إلى عوامل طبيعية، كالجنس أو اللون أو الجينات، ترجعنا إلى السنوات المظلمة للبشرية، حيث تم تقسيم البشر إلى جداول تراتبية حسب أصولهم العنصرية، وبالتالي فإن ربط الأنوثة بخصائص إجتماعية وثقافية أونفسية وإعتبارها "طبيعة" للمرأة، تظل مشوبة بشبهة العنصرية والعودة إلى أزمنة غابرة لا تندم عليها البشرية، رجالا ونساء.
ومع ذلك، إذا اعتبرنا الفن مجرد علاقة ذاتية بالعالم وبالمحيط الذي يعيش فيه الفرد، فإن المرأة التي لا تعيش نفس الواقع الاجتماعي والاقتصادي والعاطفي، في مجتمع تهيمن فيها الهياكل الأبوية والعنف والإقصاء الذكوري والشراسة الرأسمالية، فإنه من الضرورة أن تولد "اختلافات" في الإنتاج الثقافي والفني تعكس هذه الحقائق المعاشة من قبل النساء. لكن هذه الاختلافات لها أصول متعددة غير التفرد أو التكوين البيولوجي، أو الميل "الطبيعي" للمرأة للبقاء في المطبخ بدلا من الجلوس أمام التلفزيون لمشاهدة المباراة. ويمكن تفنيد هذه الحجة بنفس الطريقة حين يقدمها البعض لتبرير خصوصية فن المجموعات الإثنية أو الثقافية المختلفة في أوروبا والولايات المتحدة، مثل الفن المتعلق بالمواطنين ذوي الأصول الأفريقية، أمريكا الجنوبية، الهنود أو المنتمين إلى المثليين والمثليات أو فن الطبقة العاملة .. لو أخذنا كمثال، الفنان الأمريكي جان ميشيل باسكيا (22 ديسمبر 1960- 12 أغسطس 1988) والذي ينحدر من أصل هاييتي وبورتوريكي، لرأينا أن محتوى لوحاته يعبر فعلا عن معاناة الإنسان الأسود الأمريكي، غير أن ذلك لا يرجع إلى كون باسكيا ذو لون أسود ومن عائلة بورتوريكية، وإنما إلى كون السود عموما يعانون من العنصرية والإضطهاد والإحتقار إلخ. فاللون الأسود ليس سوى هذه العلامة المميزة التي تعيّنه كإنسان أقل قيمة من المواطن الأبيض، وإنتاجه الفني هو تعبير عن هذه العلاقة كما يعيشها. لكن آلية الأبوية قوية لدرجة أن هيمنة الذكور موجودة أيضًا في الفئات المذكورة، فلا شك في وجود إنتاج فني مبكر للنساء الأمريكيات من أصول أفريقية، غير أن نظام الفن لم يهتم بهذا الإنتاج في ذلك الوقت، وأختار نموذجا ذكوريا لتجديد السوق وإنعاشها. ويبدو أن أصل الإشكالية هو هذه الثنائية رجل ←↔→ إمرأة التي هي أصل هذا الطريق المسدود، هذا المأزق الذي لا يمكن التغلب عليه.
يضع جيوفاني ليستا Giovanni Lista، المؤرخ والناقد الفني الإيطالي المتخصص، أصل إقصاء المرأة من تاريخ الفن في عصر النهضة حيث "العبقرية الإبداعية هي اختراع ذكوري منذ مايكل أنجلو ... يعود الخلق إلى الرجل وإلى المرأة الإبداع - c’est à l’homme que reviendrait la création et à la femme la créativité". حيث المعنى العميق لهذه التفرقة حين نترجمها، الرجل له موهبة الخلق والإبداع المتعلق بالفنون الكبرى، وللمرأة الفنون التجميلية الثانوية، تجميل ديكور البيت ووضع الأزهار، وجعل المائدة منظمة بطريقة تفتح الشهية والعناية بكل ما يجعل الحياة العائلية مريحة تجلب الفرح والبهجة والسعادة للزوج وللأطفال وكلب العائلة .. إلخ
لا يتمثل الرد على هذه الملاحظة في تعديل أحد مصطلحات المعادلة بالانتقال من العبقرية = الرجل الخالق المبدع، إلى معادلة جديدة: العبقرية = المرأة الخالقة المبدعة أو إلى العبقرية = المرأة والرجل المبدعون؛ الحل هو تفجير المعادلة بأكملها من خلال التشكيك في حقيقية فكرة العبقرية ذاتها وضرورتها ومسائلة فكرة الخلق والإبداع الفني، ثم في النهاية التخلص من هذا التقابل الإفتعالي بين الرجل والمرأة كموضوعات مستقلة وفاعلة.
تاريخ الفن الذي أعيد النظر فيه من قبل النسويات المعاصرات يركز على شجب الأشكال المختلفة لإقصاء النساء وهيمنة الذكور المطلقة في جميع مجالات الحياة العملية والنظرية المتعلقة بالإنتاج الفني. هذا التاريخ الحديث هو مجرد بداية عمل بحثي للكشف عن آثار النساء اللائي اختفين من التاريخ، ومع ذلك، تبقى المشكلة : ماذا نفعل بآلاف الفنانات اللواتي عملن دائمًا في الظل؟ لا ينبغي أن تكون مسألة تاريخ الفن، وهي مجال أكاديمي بحت، يخص طبقة معينة من النسويات البرجوازيات، ذريعة لإخلاء أو تصفية المشكلة الحقيقية للفن بشكل عام والفن والنساء بشكل خاص. وعلى الرغم من كل شيء، فإن هذين الخيارين المذكورين أعلاه، التعاون (الاندماج ، الاستيعاب..) والانقسام أو الانفصال هما في الواقع ضروريان للعمل النسوي ويمثلان خطوة نحو التحرر العام، وهو التحرر للمرأة في المقام الأول، غير أن هذا التحرر لم يتم ولن يتم إذا توقف الأمر عند هذا الحد من إعادة تنظيم الأسماء والتواريخ وإضافة النساء إلى قائمة العباقرة الرجال، يجب التفكير في بقية النساء، وبقية الرجال، والذين يحتاجون للفن مثل بقية العباقرة، ليس للإستهلاك وإنما كممارسة وجودية ضرورية، وهذا هو ما تدعو إليه مجموعة أخرى من النسويات الثوريات لفتح الطريق للإختيار الثالث لإشكالية العلاقة بين الفن والنساء.

يتبع