مسؤولية الرجل وحرية المرأة



جعفر محمد علي
2024 / 2 / 12


استكمالاً لموضوعنا الأخير، والذي تناول مكانة الأسرة ودورها في تكوين المجتمع والحياة؛ نحاول من جديد عبر هذا المقال، البحث عن مسارات النهوض والإرتقاء. هذه المسارات، التي ستقودنا للحديث عن الثنائية الإنسانية، والتي تتمثل في الرجل والمرأة.

المسؤولية والحرية، هي ثنائيةٌ مهمةٌ في حياتنا، ولا تقلُّ أهميتها أبداً، عند تحليل ومناقشة المواضيع الاجتماعية والإنسانية. والعنوان أعلاه، يضع المسؤولية بمقابل الحرية، تلك التي ينشدها الإنسان الواعي بقيم الحياة ومكانة الإنسان؛ من أجل تحقيق الأهداف العليا، والمتمثلة في الحياة الكريمة وتحقيق الذات.

إن بذور التغيير الحقيقية تبدأ من المجتمع. نعم، لقد رافقني هذا المفهوم كثيراً، عند متابعة الشؤون الاجتماعية المختلفة. ولأن هذا المجتمع – نعيش فيه ونتأثر منه – بل علينا أن نؤثر فيه؛ عندما ندرك المقاييس والمعتقدات الكامنة فيه، التي تميل نحو الجماعة وإلغاء الفرد، وللتقاليد بدلاً من القيم.

إن الرجل والمرأة في الحياة الإنسانية، يستحقان منا دائماً، أن نراهم من خلال مبدأ النصف الآخر. وهذا المبدأ، هو قاعدة رئيسية للنهوض بأي مجتمع؛ خصوصاً في مجتمعاتنا التي لا زالت في بدايات التحديث والنهضة. وصياغة هذا المبدأ في حياتنا اليوم، يكون عبر منهجية التكامل بين الرجل والمرأة؛ من خلال الإرتقاء عن النظرة التقليدية، التي تمنح الأفضلية للرجل وتقلل من مكانة المرأة.

وهنا يجب أن نطرح هذا التساؤل: لماذا نبحث من جديد في هذه المواضيع، التي يجب أن تكون بديهية..؟! والجواب هو: أننا لا زلنا مترددين بين العادات القديمة والقيم الجديدة؛ وننظر إلى أزماتنا العامة، في الحياة والمجتمع والمعيشة، بنظرة التسليم والجمود، بدلاً من التفكير والنهوض. وهذه القيم الأخيرة، بحاجةٍ دائمة، إلى عقلية النقد والتحديث؛ التي تواجه المفاهيم السيئة بحكمة وشجاعة، من أجل الخير العام والمصلحة العامة.

عندما نبحث في النصف الأول من عنوان هذا المقال، نكون عند «مسؤولية الرجل» وما تمثله هذه الكلمة في ميزان الإنصاف؛ الذي لا يتجاوز دور ومكانة الرجل – وبالتأكيد أيضاً – أن لا يتجاوز أخطائه. وإن الصورة التقليدية للرجل، قد تجاوزت المسؤولية إلى الحرية – من مستوياتها المعتدلة إلى اللامبالاة – التي تبررها التقاليد الاجتماعية الجامدة. ويبدأ عند ذالك، تراجع التقدير والمكانة، للزوجة والمرأة، في الأسرة والمجتمع.


مكانة الرجل الحقيقية في الحياة، تبدأ من خلال تفعيل دور المسؤولية لديه – بالمعنى الحضاري وليس بالمعنى التقليدي – والذي نراه عبر الإحترام والعدالة بالدرجة الأولى، وأيضاً عبر مفاهيم الحب والإحترام إلى المرأة. وهذا الحب والإحترام، يبدأ نحو الزوجة ليصل إلى جميع أفراد الأسرة؛ فتكون صورة الرجل الحضارية، واضحة من خلال زوجته وأسرته.

إن غياب الوعي الاجتماعي لهذه الغاية الهادفة، يعكسه تراجع الدور الحضاري للرجل؛ والذي نراه من خلال عدم التقدير، لدور ومكانة النصف الآخر. والقضايا التي برزت على السطح، مثل قضايا «المُعلَّقات» وما يجري عليهن، أي على الزوجات؛ من سرقة وإهانة لحياتهن – تحت مظلة التشريعات والتقاليد – هي إهانةٌ لجميع أفراد المجتمع. ونشعر بالأسى، أن مجتمعاً محدوداً مثل الذي نعيش فيه، ينقسم أفراده وفئاته على المفاهيم الواضحة؛ ليتجاوزهم هذا الإنقسام، نحو قضاياهم المهمة والمركزية، في الوجود والهوية والحياة الكريمة.

الأهداف المنشودة من الرجل في هذا المجتمع، تبدأ أولاً عبر مكانة المرأة ونظرته إليها؛ والتي ترتبط من خلالها نحو الحياة العامة. والذي يعتقد بهذا الفصل، بين أدوار الرجل في الأسرة والمجتمع، سينتهي به الأمر في التناقض والازدواجية. ولأن ايجابية الرجل المتمدّن في الحياة الحديثة، تنعكس على محيطه وأسرته؛ لأنه يرى في «المسؤولية» احتراماً لذاته، والتي نراها عبر قيم التعاون والمصلحة العامة.

إن النصف الثاني من عنوان هذا المقال، يتحدث بكل وضوح عن «حرية المرأة».. ويجب البوح، بأنني شعرت بالتردد قبل كتابة هذا العنوان؛ ليس تقليلاً من شأنه، بل احتراماً لأبعاده، التي تحمل الكثير من الأهمية، للتقدّم والنهوض في حياتنا. ولأن المكانة الراقية والعصرية، التي وصلت لها المرأة البحرينية اليوم، يجعلها غنيَّّة عن هذه الكلمة؛ ولكن طموحات النهضة الحقيقية، تُطالبنا أن لا ننسى مبادئ الحداثة الهادفة، التي تعمل حقاً على تأكيد دور المرأة الإيجابي، في الأسرة والمجتمع والحياة العامة، وصولاً لدورها في الإدارة والسياسة.


مفهوم الحرية – مثل غيره من المفاهيم – يتعرض للتشويه والمزايدة؛ خصوصاً عندما يتراجع الوعي والتفكير الذاتي. وعندما يرتبط الموضوع بالمرأة، نشعر بذالك الارتباك لدى الرجل في الآراء والمواقف؛ لأننا بعيدين عن الفهم والتواصل مع المرأة، أي مع نصفنا الآخر. لذالك، يجب التنوير هنا، بأن الحرية – بشكلٍ عام – نسبية، ولكن معناها بالنسبة للمرأة؛ هي المكانة والاستقلال والشخصية.

الثقافة التقليدية في مجتمعاتنا اليوم، لا تستطيع أبداً تلبية المتطلبات العصرية؛ التي ينشدها الجميع في هذا المجتمع. وطموحات الرجل، في العمل والمكانة والشخصية؛ هي نفسها الطموحات التي تنشدها المرأة. وليس عدلاً أن نستمع بين الحين والآخر، لخطابات الجمود الماضية، تلك التي تحاول أن تفرض نفسها للوصاية على شخصية المرأة، في أدوارها ومسؤولياتها؛ لأن خياراتها الحقيقية في الحياة، تنتمي إلى الاستقلال والشخصية لديها.

في حياتنا البحرينية، لا زالت المفاهيم التقليدية، تؤثر سلباً على طموحات التحديث والتقدّم في المجتمع؛ ومن أبرز تلك التأثيرات، هو مفهوم «المجتمع المحافظ» الذي يكرره دُعَاة العادات الماضية، بذريعة الإلتزام والفضيلة. وإن هذه الكلمة الجامدة، قد تمَّ تصنيفها ظلماً على لباس المرأة؛ ذالك الذي يعتقده الداعين لهذا المفهوم، أنه معنى وجوهر الأخلاق. وفي هذه المسألة تحديداً، تتمثل صورة المزايدة والازدواجية؛ التي تساهم حقاً بتخلُّف هذا المجتمع، بدلاً من نهوضه وتقدّمه. ومكانة المرأة في حياتنا العصرية، تنتمي فعلاً إلى الأخلاق المنشودة؛ والتي نراها من خلال العمل والمكانة والشخصية، وهو جوهر الجمال عند المرأة.

مشاريع الإرتقاء والتحديث، والتي نراها في مجالات الحياة الإنسانية؛ تفتقد اليوم إلى قيم التنوير الحقيقية، التي تساهم حقاً بتطوير مكانة الإنسان في مجتمعاتنا. وإن الإهتمامات السياسية والثقافية – الحاضرة دوماً في الحياة البحرينية – قد تراجعت كثيراً عن قيم التنوير المنشودة، من خلال مناهضة العادات والتقاليد، التي تفصل بيننا وبين طموحاتنا العصرية؛ والذي من شأنه، أن تجعل من طموحات الإصلاح، تُرَاوِحُ مكانها دون أن تتقدّم. وإن الذي ينقصنا في هذه المسألة، هو تلك العقلية التي تعمل وفق قيم الإخلاص والنزاهة؛ تلك التي تنظر إلى اليوم بعيون الغد، من أجل زيادة الخير والهناء في المجتمع.


مسؤولية الرجل وحرية المرأة، هي من أوضح المبادئ الحضارية، التي تعمل فعلاً على الإرتقاء والنهوض بمجتمعاتنا ودولنا. وخطوات التحديث التي نعيشها اليوم، ينقصها الإيمان الحقيقي بالمستقبل، الذي يعمل ويكافح على مواجهة الصعوبات الكبيرة؛ التي تهون حقاً عند تفعيل قدرات الرجل والمرأة معاً، عبر الوعي والعمل والتربية – وعلى قاعدة التعاون الإنساني بينهما – من خلال دور الرجل في المسؤولية والعدالة والحكمة، وحقوق المرأة في الحرية والمكانة والشخصية.