تغييب أسماء النساء من شجرة النسب الى لافتات النعي



بتول فاروق
2024 / 4 / 26

26/ 4 / 2024

الوأد الرمزي للنساء سياسة سارية في مجتمعاتنا" المحافظة" تبدأ من عدم وضع أسماء النساء في شجرة النسب- التي تقتصر على وضع أسماء الذكور- الى عدم ذكر اسمها في لافتات النعي ، فمادام النسب محصورا للأب فهي ستكون اداة مجردة لجلب بشر للأسرة، في ايدلوجية إجتماعية تلغي أصالة عودة النسب للأم ، فكما هو معروف أن تكوين الطفل المادي والفعلي والعملي والمعنوي يعود اليها ،فاذا كان الاب يعطي 23 كرموسوما ،في النواة ، ولايعطي شيئا آخر، فانها تعطي نفس القدر منها في النواة ،وتعطي الخلية الجنسية الكاملة ( السايتوبلازم والمايتوكندريا ) وتعطي الحاضنة المناسبة في رحمها ، ومن دمها واعصابها وراحتها، يكفي ان ولادة الطفل بحد ذاته وخروجه من بطن أمه يعد عملية غاية في الصعوبة والألم، كل ذلك لاينظر في الإعتراف لعائدية النسب لها إسوة بالرجل ، لأن المنظومة المسيطرة إجتماعيا ،وعبر التاريخ المعروف ،لاتستطيع أن تتخيل من الممكن أن يكون النسب لطرفين معا ، وقد استمدت هذه المنظومة أفكارها من رؤيتها الى الله تعالى والى الدين، فيستند البعض على تفسير هذه الاية التي تقول : { ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله} الاحزاب /5، بينما تفسيرها واضح ،فهي تدعو الى عدم نسبة الابن الى رجل أجنبي غير ابيه البيلوجي ،ولم تتحدث عن الأم، فالنسب للأب ليس في مقابل الأم بل في مقابل رجل اخر اجنبي عن الولد ( ظ:تفسير ابن كثير، ص 418) ، في عملية مصادرة ضخمة للحقيقة والواقع ،كانت نتاج جهل بما تقوم به الأنثى من أدوار في عملية ولادة الانسان ، فالابن هو ابن الأم أولا ، والأب مكمل بسيط لموارد الانثى ،وادواره محدودة للغاية مقارنة بالأم في عملية الإنجاب والرضاعة والرعاية، وجوده وعدمه في حياة الابن لاتأثير له في ايجاده، فممكن ان يولد انسان عبر اخذ نطاف ذكرية من اي بنك لها اولطريقة التبرع او بالطريقة العادية ، وتتولى الأم بعد ذلك كل الأمور، او قديتوفى الأب بعد انعقاد النطفة ، فيولد الابن وينشأ دون تدخل ابيه في عملية ايجاده للحياة.
هناك من عدّ النفقة سببا لاعطاء النسب له ، وهذا وهم اخرى تم ترويجه تاريخيا .فالمرأة عاملة منذ فجر التاريخ، ولايقل عملها عما يعمله الرجل، والعمل مال ،ومع ذلك لم تعط النسب ، فعمل المرأة غير مأجور على الدوام الا نادرا ، وعمل الرجل مأجور كليا، فصار كما لو كان هو العامل الوحيد وهو المنفق الأوحد. ماتبذله المرأة من اعمال تفوق أعمال الرجل اهمية وكمية بمراحل في مجمل الحياة ، لكن لا اعتراف مالي واقتصادي له . المال لايجلبه الرجل مالم تشاركه أمرأة ، التي تعدّه للعمل وتخرجه للحياة وترعاه وتهذبه وتنميه ،فهو العمل الأولي الذي لاعمل آخر سيوجد مالم يسبقه هذا العمل .
الدور الأعظم يعود للنساء في العمل الرعائي المجاني الذي لولاه لما وجد عمل آخر ، فهو القاعدة التي تبنى عليها الاعمال الاخرى ، هي تنتج وتعيد قوى الانتاج .
لقد جعلت موارد الارض التي خلقت للأثنين- الذكر والانثى- بيد احدهما، فالاستحواذ على موارد الأرض هي عملية تمت لجعل الرجل يستأثر بالمال . بينما هو لم يخلق هذه الموارد دونها ، فهو لم يخلق او يصنع أرضا له، بل استغل مواردها له حصرا وصار يستعبد النساء بالمال الذي هو ليس ماله كله . المرأة تشاركه النصف على الاقل وتتفوق عليه احيانا بانها تعمل اكثر منه في عدد الساعات في الغالب لانها تحت الطلب ، في اعمال لايمكن ان ينجزها غيرها الإ بصعوبة بالغة ، جهود ضخمة لاتقيم بثمن وهي الأساس لباقي الاعمال .
تصدير فكرة الرجل المنفق -التي قامت عليها بعض الشرائع والقوانين البشرية ليكون هو صاحب المال - تعد عملية سرقة كبرى لأموال النساء ، فاعمالهن مال ، ولايضر ان كان عملهن غير مأجور ، فهو مال يتم مصادرته بقوانين ذكورية صارمة ، فعمل الرجل مأجور في هذا النظام على الدوام، وعمل المرأة غير مأجور في الغالب الأعم، مع ان عملها لايمكن استبداله بآخر ، بينما اغلب أعمال الرجال يمكن أن تقوم بها المرأة بسهولة، لولا الموانع التي وضعتها المنظومة نفسه أمامها ؛من تحرش ومضايقات، فيما اذا أقتربت مما يعدها ساحته وفضائه.
عمل الرجل الرئيس الذي افتخر به وتفرد به وصار به فحلا وبطلا في حضارتنا هذه، هو صناعة الحروب، وخوض المعارك والقتال ، في توجّه يقدس التنافس والتسلط وإخضاع الاخرين ونهب ثرواتهم ، فلم توجد أمة لم تغزُ جارتها اذا ضعفت هذه الجارة ، نجد ذلك عبر التاريخ البشري الذي يتحكم به لغاية اليوم جنس واحد ، يعطي لنفسه الصلاحية ان ينوب عن الجنس الآخر ، حتى لو عرّضه للمخاطر والضياع، كالسبي والقتل والإغتصاب والتشرد والجوع، فالمهم أحيانا هو ارضاء نزعة التنافس والتسلط والعدوان والتنازع ،وهذا ماذكره ابن خلدون في مقدمته عن الحروب (ظ : الحرب عند ابن خلدون من خلال المقدمة ، محمد بن عبد القادر الزغواني ، كتاب الكتروني ، موقع النور للكتب ، ص49-50).
يفتعل الحروب ويعرض النساء للخطر ثم يتصرف كحامي لهن ، ويسوق نفسه على انه الحامي والجابر لضعف المرأة . الحروب هي الدليل الأكبر على عاطفة ولاعقلانية الرجال ، كان من الممكن حل النزاعات والاختلافات بالحوار والتفاوض والضغوط والإغراء ، لم يكن الأمر يستدعي في الغالب القتال والمعارك والحروب ، من قلة حيلة المرء وضعفه ان يلجأ للعنف والقتال لكن سيادة جنس واحد بعقلية حب السلطة ، لم يتعب كثيرا في انتاج الحياة و الولادة، ادى به الى الاستخفاف بحياة الابناء،فكرسهم لحروب عبثية خدمة لأناه ،الا بعض من انبياء وأولياء وعظماء دعوا للحوار والرفق والرأفة. في الماضي كان يُنظر إلى عنف الذكر باعتباره قدرا حتميًّا، وكان ينظر إليه بوصفه قيمةً يمكن أن يحيا بها الذكر، فهو تجلٍّ لرؤية حول الفحولة مصطبغة بصبغة مثالية، أو هي على الأقل صفة يمكن التسامح معها بوضع حدود تكبح جماح الإفراط فيها.
ففي المجتمعات التقليدية كان يُنظر بتقدير لا يعتريه شكٌّ إلى شرف المحارب، أيْ الشرف الذي يُسبَغ على ذكر المرتبة الأولى الذي يستخدم قوته.( ظ: https:/جلبرت هوليفر /blogs.icrc.org/alinsani/2019/07/22/3084/
التاريخ البشري بقيادة الرجل قدس القوة العضلية وقدس التنافس والتصارع وصارت صورة البطل هو من ينتصر بالمعارك وقتل اكبر عدد من الرجال وسبي النساء والاطفال . وبعد ذلك شكل منظومة ان الافضلية له على المرأة ،لانه الحامي لها والحارس من تعدي الذكورالاخرين عليها.
لماذا يتعدى أنسان على اخر من الأصل ؟ لماذا يسمح الرجل لنفسه ان يتعدى على النساء؟ ، لماذا صنع منظومة حامية للنساء؟ كان المفترض أن لايخيفها من الأساس ؟
لماذا صارت عرضا له ، يحاول ان يخفي اسمها من الظهور في العلن حتى بعد وفاتها ، فما زالت لافتات النعي عندنا لاتذكر اسم المرأة المتوفاة وترى أسم المرأة عورة ، فهي تابع لذكور العائلة فهي بنت فلان أو أخت فلان وزوجة فلان وأم فلان .
تعيش المرأة في عمل دؤوب طيلة حياتها لكنها لاتجد إعترافا بها ولابعملها. عليها ان تبدو كمائن مخفي أو كآلة ، أو كشيء ، فيشار اليها أحيانا بالبيت والأهل والداخلية ، كل ذلك لان الإشارة اليها بشكل مباشر يعد عيبا أن يفضح الإنسان عوراته .