تصاعد حضور المرأة في مراكز صنع القرار، تجربة الدنمارك أنموذجاً



بيان صالح
2026 / 1 / 1

تمكين المرأة في الدنمارك، مسار محلي ضمن حراك عالمي نحو التمكين

في خطوة نوعية على طريق تحقيق المساواة بين الجنسين، شهدت الدنمارك خلال السنوات الأخيرة ارتفاعاً ملموساً في تمثيل المرأة داخل مواقع النفوذ وصنع القرار، سواء في المجالات السياسية أو الاقتصادية. ويبرز تقرير حديث لجمعية "دراسات النخبة والسلطة" أن نسبة النساء ضمن ما يعرف بـ "النخبة الحاكمة" ارتفعت بشكل لافت، حيث أصبحن يشاركن بصورة فاعلة في دوائر القرار والتأثير في السياسات العامة؛ وهو تطور يعكس ثمرة نضالات اجتماعية طويلة قادتها الحركات النسوية والقوى اليسارية التقدمية داخل المجتمع الدنماركي.
تشير البيانات إلى أن نسبة النساء ضمن صفوف النخبة ارتفعت من 19% عام 2012 إلى نحو 31% في 2024، وهو تقدم يعكس زيادة غير مسبوقة في مشاركة النساء ضمن شبكات تؤثر في السياسات والقرارات الكبرى. وقد لوحظ تقدم واضح بشكل خاص في القطاع الاقتصادي، حيث ارتفعت نسبة النساء في مواقع اتخاذ القرار داخل الشركات من نحو 12.5% إلى 24.2% خلال العقد ذاته، رغم أن هذه المواقع لا تزال في أغلبها محكومة بمنطق السوق والربح الرأسمالي. ولا يقتصر التطور على الأرقام فحسب، بل يشمل أيضاً تعزيز مواقع النساء ضمن الشبكات المؤثرة، إذ بات لهن تمثيل قوي ضمن أفضل 50 شخصية مركزية في شبكات النفوذ، وهو مؤشر على تعميق دورهن في مواقع صنع القرار، حتى وإن بقي هذا الدور محكوماً في كثير من الأحيان تحت ظل النظام الاقتصادي القائم.


واقع القيادة النسائية دولياً، موازين القوى في مواجهة النماذج التقليدية

على المستوى العالمي، لا يزال تمثيل النساء في مواقع القيادة أقل من المستوى المأمول والمطلوب، حيث تشغل النساء أقل من ثلث المقاعد في البرلمانات الوطنية حول العالم، ونسبة أقل من ذلك في المناصب الوزارية التنفيذية. ويعكس هذا الواقع اختلالاً بنيوياً عميقاً مرتبطاً بطبيعة السلطة السياسية والاقتصادية في النظام الرأسمالي العالمي، حيث ما تزال مراكز القرار محكومة بشبكات نفوذ تاريخية يغلب عليها الطابع الذكوري والطبقي. وحتى في الدول التي حققت تقدماً تشريعياً، غالباً ما يبقى حضور النساء في مواقع القيادة نتيجة توازنات فوقية أو سياسات "كوتا"، لا انعكاساً لتغير جذري في بنية السلطة.
وفي سياق الاقتصاد والقطاع الخاص، تظهر الإحصاءات أن نسبة النساء في مجالس إدارات الشركات الكبرى في 46 اقتصاداً تبلغ نحو 30% تقريباً، وهي زيادة ملحوظة مقارنة بالعقود السابقة، لكنها لا تزال دون تحقيق التوازن الكامل. والأهم من ذلك هو الفجوة بين التمثيل العددي والقدرة الفعلية على التأثير في القرارات الاستراتيجية، حيث غالباً ما تبقى المناصب التنفيذية العليا، مثل منصب المدير التنفيذي الأول أو رئاسة مجالس الإدارة، حكراً على الرجال. وتبرز هذه الفجوة بشكل واضح في الاقتصادات الكبرى مثل الولايات المتحدة وألمانيا، حيث رغم ارتفاع عدد النساء في المجالس، تبقى سلطة القرار الحقيقي متركزة في يد الرجل .
أما في مقارنة الدول الإسكندنافية، فتسجل النرويج أعلى نسبة لتمثيل النساء في مجالس الإدارة بنحو 46%، تليها السويد بحوالي 40%، بينما وصلت الدنمارك إلى 38%. ويعكس هذا التقدم دور السياسات الاجتماعية التدخلية، وتشريعات المساواة، وقوة النقابات والحركات النسوية التي فرضت نفسها على نموذج "دولة الرفاه". ومع ذلك، حتى في هذه الدول، لا يزال النقاش قائماً حول حدود هذا التقدم، ومدى ارتباطه بنموذج اقتصادي لا يخرج عن إطار الرأسمالية رغم طابعه الاجتماعي.
وعند الانتقال إلى مناطق أخرى من العالم، تتجلى الفوارق بشكل أكثر حدة؛ ففي أمريكا اللاتينية، حققت دول مثل تشيلي والمكسيك تقدماً ملحوظاً في تمثيل النساء في الحكومات والبرلمانات، حيث وصلت النساء في بعض الحالات إلى رئاسة الدولة أو تولي وزارات سيادية. غير أن هذه النجاحات غالباً ما تصطدم بواقع اقتصادي غير متكافئ، وبنظم اجتماعية تعيد إنتاج اللامساواة بين الجنسين، خصوصاً في صفوف الطبقات العاملة و الكادحة.
أما في العالم العربي، فيبقى تمثيل النساء في مواقع القيادة السياسية والاقتصادية محدوداً للغاية، رغم بعض الاستثناءات الجزئية. ففي دول مثل تونس والمغرب، ساهمت الإصلاحات الدستورية ونظام "الكوتا" في رفع نسبة تمثيل النساء في البرلمانات، إلا أن حضورهن في مراكز القرار التنفيذي لا يزال ضعيفاً. وفي دول الخليج، برزت نماذج لنساء في مناصب وزارية أو إدارية عليا، لكنها غالباً ما ترتبط بقرارات فوقية لا تعكس تحولاً اجتماعياً شاملاً. وفي بلدان مثل العراق ومصر والأردن، تواجه النساء عقبات صعبة تشمل البنى الأبوية، والأزمات الاقتصادية، وضعف دولة القانون، فضلاً عن تراجع دور الحركات النسوية والنقابية واليسارية. وحتى عندما تصل نساء إلى مواقع برلمانية أو وزارية، غالباً ما يعملن ضمن أطر سياسية محافظة تحد من قدرتهن على الدفع بأجندة مساواة فعلية.


آراء الخبراء والخبيرات: بين التقدم والتحديات القائمة

يرى خبراء وخبيرات في القيادة والتنمية أن التقدم في تمثيل المرأة لا يعني نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة أكثر تعقيداً. فعلى الرغم من زيادة عدد النساء في مجالس الإدارات عالمياً، لا يزال تمثيلهن في المناصب العليا، مثل منصب الرئيسة التنفيذية أو رئيسة مجلس الإدارة، محدوداً جداً في كثير من الدول، وهو ما يعكس استمرار هيمنة الذكور على قمة الهرم الاقتصادي والسياسي.
ويربط الخبراء والخبيرات هذا التحدي بعوائق مؤسسية واجتماعية مستمرة، مثل التحيزات غير المباشرة، وصعوبة التوفيق بين العمل والأسرة، ونقص برامج الدعم والتوجيه المهني، إضافة إلى طبيعة سوق العمل الرأسمالي الذي يعيد إنتاج اللامساواة بين الجنسين والطبقات.
أمثلة دولية: تنوع في المسارات والنتائج
• المملكة المتحدة: ارتفعت نسبة النساء في مجالس أكبر الشركات المدرجة إلى نحو 44.7% في 2025، مع استمرار الدعوات لتعزيز التمثيل في المناصب التنفيذية العليا، لا سيما من قبل النقابات والحركات النسوية.
• أيسلندا: تُعد من النماذج الأكثر تقدماً في المساواة بين الجنسين، حيث أُغلقت الفجوة تقريباً في مواقع القيادة، وتولت النساء جميع المناصب الوطنية الكبرى في بعض الفترات، نتيجة سياسات يسارية واضحة وتشريعات صارمة.
• السويد: رغم تقدمها، تواجه تحديات تتعلق بارتفاع مستويات التهديد والعنف ضد النساء في الحياة العامة، مما قد يؤثر على استدامة التمثيل النسائي في السياسة، ويكشف أن التقدم القانوني لا يلغي الصراع الاجتماعي.


خلاصة: الدنمارك في سياق عالمي

يمكن وصف تجربة الدنمارك بانها نموذج تقدمي نسبيا في تمكين المرأة داخل مواقع صنع القرار، يقوم على تطور فعلي في التمثيل السياسي والاقتصادي، ويقارب ما هو قائم في الدول الاسكندنافية المتقدمة. ومع ذلك، لا تزال هناك مجالات واسعة لتعزيز الحضور النسائي، خصوصا في اعلى مستويات القيادة التنفيذية والسياسية، حيث تبقى مراكز القرار الحاسمة محدودة الوصول امام النساء.
ان القراءة الدقيقة للمشهد تشير الى ان الوصول الى نقطة التوازن الكامل لا يزال يتطلب جهودا اضافية، لا سيما في كسر السقف الزجاجي الذي يحد من وصول النساء الى قمة الهرم التنفيذي والسياسي، مثل منصب المدير التنفيذي الاول او رئاسة مجالس الادارة. فالتقدم الكمي في التمثيل لا يعني بالضرورة تحولا نوعيا في بنية السلطة ذاتها. ومع ذلك، فان نجاح الدنمارك في تقليص الفجوة الجندرية يمثل منارة امل في سياق عالمي رأسمالي مضطرب، ويؤكد ان التمثيل المتكافئ بين الجنسين ضرورة حتمية لتحقيق التنمية والاستقرار المجتمعي في القرن الحادي والعشرين. كما يثبت ان تحقيق تقدم ملموس ممكن حتى في ظل الانظمة الرأسمالية، وان كان هذا التقدم يظل محدودا و غير كاملا.
ويبقى هذا المسار مرهونا بنضال المنظمات النسوية، ودور الاحزاب اليسارية والتقدمية، وقوة النقابات، اضافة الى سياسات عامة وقوانين داعمة، وثقافة مؤسسية متجددة تستند الى المساواة الكاملة بين المرأة والرجل، وبرامج تربوية وسياسات تنمية تضمن العدالة الجندرية والطبقية معا في مختلف مجالات المجتمع . فالتحرر النسوي بنظري لا يكتمل بمجرد دخول النساء الى مراكز السلطة بل بتغيير النظام السائد وبناء نظام لا طبقي يقوم على المساواة وتقاسم الثروة والقرار بما يضمن المساواة الكاملة و الفرص المتكافئة لكل فرد في المجتمع.