|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

عماد حسب الرسول الطيب
!--a>
2026 / 1 / 1
لا يظهر ما يُسمّى بـ"إعادة الإعمار" في السودان بوصفه خروجاً من الحرب، بل امتداداً اقتصادياً لها بوسائل أقل صخباً. تُقدَّم عملية البناء كملف تقني وإداري يُدار من أعلى، بينما تُمحى الأسئلة الحاسمة المتعلقة بملكية الأرض التي تعمل عليها النساء، وبالسيطرة على العمل الذي يؤدَّى يومياً، وبالغاية الفعلية من إعادة تشكيل المدن والريف. يتحول الدمار نفسه إلى مورد استثماري تنقضّ عليه الرأسمالية الطفيلية والشركات الدولية والبرجوازية المحلية المتحالفة مع الميليشيات، فتُستكمل دورة العنف عبر السوق بدل القنابل، ويُعاد إنتاج التهميش في هيئة "مدنية" تفصل النساء عن أرضهن وتحول عملهن إلى سلعة.
بدلاً من معالجة الخراب الاجتماعي الذي خلّفته الحرب، تعيد مشاريع الإعمار النخبوية إنتاجه بصيغ أكثر تنظيماً. تُختزل البيوت التي سكنتها النساء إلى أرقام في جداول، وتُحوَّل النازحات إلى بيانات إحصائية، ويُعاد تعريف عمل النساء كعقود مؤقتة بلا ضمانات. يصبح الإعمار استثماراً رأسمالياً صرفاً تُعطى فيه الأولوية لما يدرّ الربح لا لما يلبّي حاجات النساء، فتتم هندسة الفضاءات لخدمة التراكم لا لخدمة الحياة، ويغدو البناء أداة جديدة لطرد النساء الفقيرات من الأرض التي دافعن عنها بأجسادهن.
ومن قلب هذا المسار، تتشكّل طبقة طفيلية جديدة من "مقاولي ما بعد الحرب" تجمع رأس المال المحلي بالبيروقراطية الحكومية والمنظمات الدولية. تحتكر هذه الطبقة التمويل وصنع القرار، وتُقصى النساء كلياً من التخطيط باسم "الكفاءة الفنية". تُرسم الخرائط من دون أصواتهن، وتُبنى المدن من دون مشاركتهن، ويُختزل حق العودة إلى تعويضات رمزية تحوّل النساء من صاحبات حق إلى متلقيات إحسان في نظام شارك في تدمير حياتهن.
هنا يتبلور فهم مادي مختلف لإعادة الإعمار، لا باعتبارها مسألة هندسية، بل كساحة صراع طبقي وجندري حول الفضاء والثروة ووسائل العيش. تبدأ إعادة البناء الحقيقية بالاعتراف بحق النساء في الأرض والسكن والعمل، لا كمنحة ولا كقرض. تتحقق حين تستعيد النساء السيطرة على وسائل الإنتاج، وحين يُربط البناء بإعادة تنظيم العمل الجماعي النسوي، لا بفتح أسواق جديدة لاستغلاله.
من القاعدة الشعبية النسوية، يجب أن تنطلق عملية الإعمار. تتجسد هذه القاعدة في لجان أحياء منتخبة من النساء، وفي تعاونيات زراعية وحرفية نسوية، وفي استعادة السيطرة الشعبية على مواد البناء وقنوات التوزيع. يُعاد بناء البيوت بوصفها جزءاً من إعادة بناء العلاقات الاجتماعية، وتُدار المصانع والمعامل بأيدي العاملات أنفسهن، ويُوجَّه الإنتاج لتلبية حاجات النساء والمجتمع، لا لإشباع منطق السوق. عندها يتحول البناء من سلعة بيد المضاربين الذكور إلى فعل جماعي يعيد إنتاج الحياة.
تُظهر تجارب ما بعد الحروب أن الإعمار الذي يتجاهل التنظيم النسوي الشعبي ينتهي إلى عنف اجتماعي جديد ضد النساء. تنتج البطالة والتهميش والفقر الحضري وقوداً لصراعات لاحقة، بينما يربط الإعمار الطبقي بين التشييد المادي والتنظيم السياسي النسوي. يصبح كل موقع بناء مساحة لتكوين الوعي الطبقي النسوي والدفاع عن المكتسبات، ويُغلق الطريق أمام اختطافها مجدداً.
يتطلب هذا المسار دولةً مختلفة في جوهرها، لا دولة المقاولين الذكور والمانحين الدوليين. تُعاد صياغة وظيفة الدولة لتخضع لرقابة النساء المنتجات، وتتحول من وسيط للنهب إلى أداة لتجميع الموارد وتوجيهها نحو الحاجات الاجتماعية. يُعاد تعريف التخطيط كفعل ديمقراطي تشاركي تقوده النساء، وتُربط الموازنات العامة باحتياجاتهن الأساسية، وتُخضع مشاريع الإعمار للمساءلة الشعبية النسوية الدائمة.
ولا تتوقف إعادة الإعمار الطبقية عند ترميم الجدران، بل تمتد إلى إصلاح النسيج الاجتماعي الذي تضررت منه النساء بشكل مضاعف. يُعاد الاعتبار للنساء كفاعلات سياسيات واقتصاديات، وللنازحات كصاحبات حق تاريخي، وللشابات كطاقة إنتاج وإبداع. يُعاد توزيع أعباء العمل والرعاية والوقت، بما يكسر التقسيم الطبقي والجندري الذي غذّى الحرب واستغلال النساء.
بهذا المعنى، تشكّل إعادة الإعمار الطبقية النسوية قطيعة مع حلقة العنف الرأسمالي الذكوري. تُنزَع من الدمار قيمته التبادلية، ويُحرم من التحول إلى سلعة في سوق يهيمن عليه الذكور. يتأكد أن السلام لا يُبنى بالإسمنت وحده، بل بإعادة تنظيم المجتمع على أساس العدالة والمساواة والسيطرة الجماعية النسوية على الثروة والسلطة.
وكما كتبت سيلفيا فيديريتشي: «التحرر الحقيقي للنساء يبدأ عندما يصبحن سيدات على وسائل إعادة إنتاج الحياة».
النضال مستمر،،
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|