|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

فاتن نور
!--a>
2026 / 1 / 3
لستُ هنا بصدد الدفاع عن المتحرشين؛ فهم ضحايا، ولكن من الناحية البنيوية ليس إلّا، ضحايا لجريمة أكبر وأكثر بشاعة من جريمة التحرش، جريمة اعتداء مؤسساتية على ثقافة المجتمع في سياقات شتّى، تحرفه عن البداهة والفطرة السليمة، فلا يرى المجتمع المرأة ذاتًا، بل مؤشرًا أخلاقيًا فحسب. حجابها، لباسها، صوتها، مشيتها؛ كلها تُقرأ من قبل الشارع المؤدلج باعتبارها رسائل إباحة أو تحريم.
إنها ثقافة اجتماعية–دينية مأزومة بفقر معرفي، ترفض احترام الجسد الآخر ككيان إنساني مستقل، وتحيله إلى موضوع تقييم صوري دائم، حيث تُقدَّم المرأة بوصفها «مُنتِجة للفتنة». هكذا يتم سحب صفة الضحية منها بشكل تلقائي، والمتحرش هنا، في سياق هذا المنطق، لا يرى نفسه معتديًا بل "مستجيبًا لإغراء"
وهذا أحد أخطر أشكال تزييف الوعي الذي يُمارَس داخل البنية الاجتماعية، إذ تتشكّل ذكورة مأزومة بانسداد الأفق والتباس المفاهيم، تسعى دومًا إلى تفريغ توترها في الفضاء العام، وتجد في المرأة الهدف الأسهل.
في ظل تفكك الدولة، حيث القوانين إما غائبة أو انتقائية أو معطلة أو يُنتظر تشريعها، وخطاب ديني يُراكم الشعور بالذنب دون أن يعلّم المسؤولية، ويهادن الذكور بفوقانية تؤسس ضمنًا للنظرة الدونية للمرأة، تتحول الأخلاق الشعبية إلى سلطة قمعية. الشارع يصبح هو المحكمة، ورأي الأغلبية يتحول إلى تشريع غير مكتوب.
هكذا تُنزع إنسانية المرأة وتُختزل إلى موضوع جنسي في الفضاء العام، ويُمنح العنف ضدها غطاءً أخلاقيًا زائفًا يعتبر نزولها إلى الشارع اعتداءً بحد ذاته على إرادة المجتمع وجريمة بحقه. وذلك ضمن مجتمع يعاني تشوهات ثقافية وهشاشة معرفية، ويتأرجح بين أنماط عنف بنيوية متبادلة تُعيد إنتاج علاقات الهيمنة داخل نسيجه الاجتماعي.
الأخطر والأكثر بشاعة من فعل التحرش هو تواطؤ الجماعة معه. فحين تتعرض امرأة للتحرش، يبدأ التحقيق معها لا مع المعتدي: لماذا خرجت؟ لماذا لبست؟ لماذا تأخرت؟ الشارع هنا لا يدين جرائم التحرش، بل يعيد إنتاجها من خلال إسقاطات أدلجة دينية ذات طابع إقصائي وتمييزي ضد المرأة.
فالمتحرش يتلقى رسالة واضحة من الجماعة تقول: لست وحدك، نحن نفهمك وندافع عنك. فمن منظور تحليلي، اعتبار بعض المتحرشين ضحايا لعملية تنشئة اجتماعية منحرفة، غير أن ذلك لا يُسقط عنهم المسؤولية الفردية.
وقد سعت المؤسسات الدينية إلى شيطنة جسد المرأة وإعادة تعريفه أخلاقيًا؛ فالمرأة السافرة تعني منحرفة أو متاحة. هذا الربط لم ينشأ عفويًا، بل هو نتاج خطب دينية رنانة، وثقافة شعبية مختلّة بنيويًا، وإعلام منحاز، ونظام تربوي يعاني إخفاقات بنيوية مزمنة، غالبًا ما يلجأ إلى تجريم الأنثى وتبرئة الذكر.
لا يكفي التركيز على إدانة الأفراد للقضاء على التحرش أو الحدّ منه؛ فهذا نهج سطحي يعيد إنتاج المشكلة نفسها ما دامت الخطابات الاجتماعية المولِّدة للعنف قائمة. لذلك، فإن المواجهة الفعلية تتطلب مراجعة جذرية جادّة لمنظومة التعليم، وإصلاح الخطاب الديني والإعلامي، إلى جانب تطبيق القانون بصفته ضامنًا للحقوق ومحفّزًا للتغيير، لا مجرد رديف للأعراف التمييزية القائمة.
January 03,2026