امرأة تحرس وهمها بعنف



عماد الطيب
2026 / 1 / 4

ليست قاسية لأنها تحب القسوة، ولا عدوانية لأنها تفتقد الرقة، بل لأنها تعيش داخل واقع مُرّ أُغلق عليه بإحكام حتى صار قدَرًا لا تفكر في الفرار منه. إنها لا تحلم، لا لأنها لا تجيد الحلم، بل لأن الأحلام في قاموسها ترفٌ لا تسمح به التجربة. الواقع عندها هو السيد المطلق، وما عداه خيانة للمنطق الذي صاغ حياتها على مهلٍ وبقسوة.
تسعى إلى المثالية لا بوصفها أفقًا إنسانيًا، بل كتعويض نفسي عن هشاشة العالم الذي جاءت منه. تبحث عن نموذج نقي، مكتمل، صارم، لأنها عاشت طويلاً وسط نقصٍ فادح، وتعلّمت أن العيوب لا تُحتمل بل تُدان. غير أنها، في لحظة وعيٍ صامت، تعرف أن البشر لا يمنحون مثالية، ومع ذلك تُصرّ على الطلب، ثم تُفاجأ بالخيانة المتوقعة، فتتحول الصدمة إلى عنف.
عالمها الداخلي ليس شاعريا كما يبدو، بل منظومة دفاعية محكمة. قوانين صارمة، حدود واضحة، ومسافات محسوبة. حين يقترب أحدهم منها، لا تراه فرصةً إنسانية، بل اختبارًا قاسيًا: إمّا أن ينسجم تمامًا مع الصورة التي رسمتها، أو يُصنَّف خطرًا يجب إقصاؤه. لذلك، حين يخترق أحدهم هذا العالم المثالي المصطنع، لا تتردد في سحقه؛ ليس لأنه أخطأ كثيرًا، بل لأنه كشف هشاشة البناء من الداخل.
صراخها ليس قوة، بل علامة فزع. كلماتها المنفلتة ليست شجاعة، بل انهيار مؤقت لمنظومة السيطرة. إنها تجنّ حين تُمسّ قوانينها، لأن تلك القوانين ليست قناعات أخلاقية، بل جدران حماية من واقعٍ تعرف قسوته جيدًا. أي خرق لها يعيدها فجأة إلى نقطة الألم الأولى، إلى ذلك الواقع الهزيل الذي أقسمت ألا تسمح له بالتكرار.
لم تحاول أن تصنع شاعريتها أو رومانسيتها، لا عجزًا، بل قناعة. الرومانسية عندها كذبة جميلة لا تصمد أمام الوقائع، والشاعرية ترف لغوي لا يغيّر شيئًا من المعادلة. هي راضية بواقعها، أو هكذا أقنعت نفسها، لأن الرضا أقل كلفة من المواجهة، وأقل إيلامًا من الاعتراف بأن حياتها كان يمكن أن تكون أكثر إنسانية لو سمحت للخلل أن يمر.
إنها لا تدمّر الآخرين لأنهم سيئون، بل لأنهم لا يشبهون الصورة التي احتاجتها لتبقى متماسكة. وفي كل مرة تسحق فيها شخصًا اقترب ببراءة، تظن أنها انتصرت، بينما هي في الحقيقة تؤكد الحقيقة الأكثر قسوة: أن عالمها المثالي ليس سوى سجنٍ أنيق، تحرسه بنفسها، وتخشى قبل أي شيء أن ترى انعكاس ضعفها على جدرانه.