|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
عماد الطيب
!--a>
2026 / 1 / 4
حين يصدح الخيال بحبّ امرأة، لا تعود للمنطق سلطة، ولا للزمن قدرة على الإطفاء. يصبح الخيال نفسه وطناً بديلاً، يُعاد فيه تشكيل الملامح كما لو أنها تُخلق للمرة الأولى، في كل حكاية، وفي كل مساء. لا يتوقف العاشق عند حدود الواقع، لأنه ببساطة لم يعد يقيم فيه؛ لقد انتقل إلى مساحة أعمق، حيث تتداخل الرغبة بالذاكرة، ويتحوّل الحنين إلى فعلٍ يوميٍّ صامت.
هذا العاشق لا ينام إلا بعد أن يستدعيها كاملة: صوتها، إيماءاتها الصغيرة، تفاصيل لا يلتقطها الآخرون ولا يبالون بها. تتوسد أحلامه لا كذكرى، بل كحضور حيّ، يزاحم الليل ويُربك السكون. الحكايات التي ينسجها عنها ليست ترفاً عاطفياً، بل ضرورة وجودية، كأن غيابها الطويل فرض عليه أن يعيد اختراعها بالكلمات كي لا ينكسر. هكذا يغدو السرد شكلاً من أشكال الوفاء، ومحاولة يائسة لإنقاذ ما تبقى من القلب من التآكل.
ومع مرور السنين، لا يبهت العشق كما يُشاع، بل يتبدّل شكله. يهدأ صخبه الخارجي، لكنه يشتدّ في الداخل، يتحول إلى حديثٍ صاخب لا يسمعه سواه. حديث يراجعه فيه نفسه، يلومها تارة، ويبرّر لها هذا التعلّق تارة أخرى. يعرف أن الفراق طال، وأن السنوات كانت عجافاً وقاسية، لكنه يدرك في الوقت ذاته أن بعض المشاعر لا تخضع لقوانين القحط والوفرة. إنها تعيش على الندرة، وتزدهر في الغياب.
هذا النوع من العشق لا يبحث عن نهاية سعيدة ولا ينتظر لقاءً حاسماً. هو عشق اكتفى بأن يكون، بأن يستمر كحالة وجدانية نقية، لا تطالب بشيء سوى الحق في البقاء. امرأة واحدة كانت كافية لأن تُعيد ترتيب عالمه الداخلي، وأن تمنحه إحساساً دائماً بأن القلب، مهما أنهكته التجربة، قادر على أن يحبّ بصيغة فريدة لا تتكرر.
وفي النهاية، لا يبدو هذا العاشق خاسراً كما قد يراه الآخرون. هو يعرف أن الخيال الذي أحبّ به، وإن بدا وهماً في أعين الواقعيين، كان أكثر صدقاً من كثير من العلاقات العابرة. لقد أحبّ امرأة واحدة حتى صار حبه لها حكاية قائمة بذاتها، تُروى في داخله كل ليلة، وتبقى، رغم كل شيء، عصيّة على النسيان.