امرأة بلا هوامش



عماد الطيب
2026 / 1 / 5

تبدو هذه الشخصية، في ظاهرها، نموذجًا للانضباط والاتزان، لكنها في عمقها تعيش صراعًا داخليًا مستمرًا بين ما تفرضه على ذاتها وما تتمنى أن تسمح به لنفسها. هاجسها الأول هو ضبط السلوك؛ ليس فقط أمام الآخرين، بل أمام نفسها قبل أي أحد. تسير وفق منظومة قوانين صارمة، دقيقة، تكاد لا تترك هامشًا للخطأ أو العفوية. حتى الهمس لديها محسوب، والحديث مراقَب، والانفعالات مؤجلة أو مكبوتة، وكأنها تخشى أن يؤدي أي تساهل بسيط إلى انهيار البناء الذي شيدته حول ذاتها عبر سنوات.
هذا السلوك لا ينشأ من فراغ، بل هو انعكاس مباشر لطبيعة دورها المهني. فهي شخصية قيادية، تتحمل مسؤولية أن تكون قدوة لآخرين يتعلمون منها، يراقبون تصرفاتها، ويقيسون أفعالهم على أفعالها. القيادة هنا لا تُمارَس بوصفها سلطة، بل بوصفها التزامًا أخلاقيًا وسلوكيًا دائمًا. لذلك تشعر أن أي خطأ شخصي قد يُفسَّر كخلل مهني، وأي ضعف إنساني قد يُقرأ بوصفه فقدانًا للأهلية. هكذا تتحول الذات إلى ساحة مراقبة دائمة، ويصبح الانضباط وسيلة دفاع لا مجرد خيار سلوكي.
غير أن هذا الانضباط المفرط له كلفة نفسية واجتماعية باهظة. فالحياة لا تُدار كلها بالقوانين، والعلاقات الإنسانية لا تزدهر في بيئات شديدة الصرامة. مع الوقت، تنحسر دائرة الأصدقاء، ليس لأن الآخرين لا يرغبون في القرب، بل لأن الاقتراب منها يتطلب جهدًا مضاعفًا وحذرًا دائمًا. الصداقة، التي تقوم في جوهرها على العفوية والتسامح والتغاضي، تجد نفسها أمام شخصية تزن الكلمات، وتحاسب النيات، وتضع حدودًا واضحة قد تُفسَّر على أنها برود أو تعالٍ.
حتى في محيط العمل، حيث يفترض أن تكون العلاقات أكثر مرونة بحكم المشاركة اليومية، تبقى المسافة قائمة. الزملاء قد يحترمونها، لكنهم لا يقتربون منها بسهولة. الاحترام هنا لا يتحول إلى ألفة، والتقدير لا يتطور إلى صداقة. فهي، من حيث لا تشعر، تضع نفسها في موقع المنفصل: حاضرة بقوة، لكنها بعيدة وجدانيًا.
الأكثر تعقيدًا في هذه الشخصية هو تفسيرها لفكرة الاقتحام. فالدخول إلى حياتها الخاصة، أو محاولة تجاوز الحدود التي رسمتها، يُنظر إليه بوصفه هجومًا غير مبرر. ليس لأن النوايا سيئة بالضرورة، بل لأن أي اختراق لهذا النظام الصارم يهدد توازنها الداخلي. هي لا ترى في القرب محاولة احتواء، بل احتمال فوضى. ولا تقرأ في الفضول رغبة في المعرفة، بل تعديًا على الخصوصية.
في العمق، تعاني هذه الشخصية من إرهاق خفي. إنها تعيش باستمرار في وضعية الدفاع، تحرس صورتها، وتحمي دورها، وتمنع ذاتها من الاسترخاء. المعاناة هنا ليست درامية أو صاخبة، بل صامتة، تتراكم مع الأيام. إنها معاناة من اختارت القوة طريقًا وحيدًا، فدفعت ثمنها وحدةً وجفافًا عاطفيًا.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال هذه الشخصية في معاناتها فقط. فهي تمتلك وعيًا عاليًا بالمسؤولية، وقدرة على التنظيم، وحسًا أخلاقيًا صارمًا. لكن التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد توازن بين القيادة والإنسانية، بين الانضباط والرحمة الذاتية. فالقوة التي لا تفسح مجالًا للهشاشة تتحول مع الوقت إلى عبء، والقيادة التي لا تسمح لصاحبها بأن يكون إنسانًا أولًا، تستهلكه بصمت.
إنها شخصية تحتاج، لا إلى كسر قوانينها، بل إلى إعادة تعريفها؛ قوانين تسمح بالاقتراب دون خوف، وبالخطأ دون شعور بالذنب، وبالعلاقات دون شعور دائم بالتهديد. عندها فقط قد تخف حدة المعاناة، وتستعيد الحياة شيئًا من بساطتها المفقودة.