سيدات ضد السلطة (1)



علا مجد الدين عبد النور
2026 / 1 / 8

👇


عندما انتهيتُ من كتابة سلسلة مقالات «سيدات السلطة»، التي تناولت مسيرة المرأة المصرية داخل دوائر الحكم، منذ العصر الملكي وحتى الجمهورية التي نعيشها اليوم، شعرت بأن المشهد، رغم اكتماله الظاهري يفتقد ضلعًا أساسيًا.
كان هناك فراغ لا يمكن تجاهله،
فالحياة بطبيعتها محمّلة بالتناقضات.
وإذا كانت للمرأة المصرية صورة وردية في نضالها السياسي إلى جوار السلطة، فلابد أن يكون لها وجه آخر أكثر قتامة، لا يقل أهمية ولا يستحق تجاهله. وجه يستحق أن يُروى بنفس القدر من الحب، وربما بشيء أكبر من الصدق.
من هنا وُلدت فكرة «سيدات ضد السلطة»، لا بوصفها نقيضًا للسلسلة السابقة، بل استكمالًا إنسانيًا لها. سلسلة تكرّم المرأة المصرية في مسيرتها السياسية كاملة، كما كانت فعلًا
بانتصاراتها… وانكساراتها… وجرأتها على المواجهة، حتى عندما كانت تعرف أن الثمن سيكون باهظًا.


ليست مثل الجميع

«امرأة مختلفة»…
هكذا عنونت الكاتبة الأمريكية سينثيا نلسون سيرتها عن درية شفيق، وهو توصيف لا يبدو أدق من العبارة التي قالتها درية عن نفسها:
«لازمني دائمًا ذلك الإحساس الموجع بأني غريبة… وقد عانيت صدمة كبيرة حين اكتشفت أني كائن منفرد… لست مثل الجميع».
كانت هذه الكلمات خير تلخيص لمسيرة امرأة لم تشبه أحدًا، ولم يسمح لها عصرها أن تكون عادية.
وُلدت درية شفيق في 14 ديسمبر 1908 بمدينة طنطا، لأسرة تنقلت بين مدن الدلتا بحكم عمل الأب الحكومي. درست في مدرسة ابتدائية فرنسية بالإسكندرية، وحين أُغلقت أبواب التعليم أمام الفتيات، درست ذاتيًا واجتازت الامتحانات الرسمية قبل موعدها، مجبرة المؤسسة التعليمية نفسها على الاعتراف بتفوقها.
وبمساندة هدى شعراوي، حصلت على منحة لدراسة الفلسفة في جامعة السوربون، حيث نالت الدكتوراه عام 1940.
لكن الجامعة المصرية الوطنية رفضت تعيينها، لا لقصور علمي، بل لأن (جمالها ومظهرها المتحرر)، قد يسيء إلى السمعة الأكاديمية للمؤسسة.

ضد الملك

في فبراير 1951، قادت درية شفيق مظاهرة ضمّت أكثر من 1500 امرأة، اقتحمن مقر مجلس النواب المصري، وأغلقنه لأكثر من أربع ساعات. لم يكن المشهد استعراضيًا، بل لحظة فاصلة في تاريخ الحركة النسائية المصرية، فرضت على السلطة أن تنظر ولو مؤقتًا إلى مطالب النساء بجدية.
طالبت المظاهرة بحقوق سياسية كاملة، وعلى رأسها حق التصويت وتولي المناصب، وهو ما تعهد رئيس المجلس بدراسته، وإنتهت المظاهرة التي يبدو أنها استفزت الملك فاروق، فبعث برسالة لدرية مع زوجها مفادها أن النساء لن ينلن حقوقهن ما دام هو ملكًا.
ورغم ذلك، حجزت تلك اللحظة لدرية مكانًا بين أكثر النساء تأثيرًا في تاريخ العالم العربي.


ضد الاحتلال… وضد الوصاية

لم يكن نضال درية شفيق محصورًا في مواجهة الداخل فقط. ففي عام 1951، أنشأت فرقًا نسائية شبه عسكرية لمقاومة الاحتلال البريطاني في منطقة القناة، شملت تدريبات ميدانية وإعداد ممرضات للمعارك. كما قادت مظاهرات لمحاصرة بنك «باركليز» البريطاني، ودعت لمقاطعته باعتباره رمزًا للنفوذ الاستعماري.
وحين أُقصيت من الاتحاد النسائي — لأسباب طبقية بالأساس — أسست عام 1948 (اتحاد بنت النيل)، ليكون مشروعًا اجتماعيًا وسياسيًا شاملًا، يستهدف العاملات والطالبات، ويرفع الوعي السياسي للمرأة، ويدخلها المجال العام من أوسع أبوابه.


حين اصطدمت بالثورة

بعد ثورة يوليو 1952، طالبت درية بتحويل اتحاد بنت النيل إلى حزب سياسي، وهو ما تحقق ليصبح أول حزب نسائي في مصر. لكن سرعان ما اصطدمت بالواقع الجديد.
في عام 1954، وأثناء إعداد دستور جديد للبلاد، احتجت على غياب امرأة واحدة من لجنة صياغته، وأعلنت إضرابًا عن الطعام استمر عشرة أيام. وعدها محمد نجيب بأن الدستور سيكفل حقوق المرأة السياسية، وهو ما تحقق لاحقًا في قانون الانتخاب عام 1956.
لكن درية رأت القانون ناقصًا ومُميّزًا ضد النساء، إذ اشترط إجادة القراءة والكتابة عليهن دون الرجال، وجعل مشاركتهن اختيارية. الأهم من ذلك، أنها تنبهت مبكرًا إلى أن منح الحقوق السياسية يتم في سياق مصادرة أوسع للحريات العامة، وإلغاء الأحزاب، وتقييد الصحافة.
وفي ذروة شعبية جمال عبد الناصر، تجرأت واتهمته بالديكتاتورية، معتبرة أن تركيز السلطة في يد فرد واحد مهما حسنت نواياه، هو طريق حتمي لأخطاء كارثية.


من النضال إلى الخيانة!

أُجبرت درية على الإقامة الجبرية، أُغلقت مجلاتها، مُحي اسمها من الإعلام والكتب، وهاجمتها الصحافة الرسمية باعتبارها خائنة و«من بقايا المجتمع الإقطاعي»، رغم أنها لم تكن كذلك يومًا.
انقلب الحلفاء، وأُقصيت من الحركة التي أنشأتها، وعاشت ما يقرب من 18 عامًا في عزلة قاسية.
سُجن زوجها، وانتهى زواجهما بالطلاق.


بعد الصمت
في سنوات العزلة، لم تتوقف درية عن العمل، فقد كتبت الشعر، ومذكراتها الخاصة، كما ترجمت القرآن إلى الإنجليزية والفرنسية، وكأنها كانت تحاول التكفير عن ذنب لم ترتكبه!

الرحيل
ومع العزلة، دخلت درية في اكتئاب حاد، أنهت حياتها بالقفز من شرفة منزلها عام 1975.

بعد سنوات، كتبت فاطمة عبد الخالق في الأهرام«كان هناك وقت، كانت فيه درية شفيق الرجل الوحيد في مصر… لقد أخبرتنا مبكرًا أننا نسير نحو الديكتاتورية، لكننا لم نسمع».

لم تكن درية شفيق ضحية، ولا بطلة بالمعنى التقليدي؛ إنها تجسيد لمعنى الحرية حين تتنفس وتسير على قدمين. كانت امرأة واجهت السلطة، سواء كانت سلطة اجتماعية أو دينية أو سياسية، ودفعَت ثمن المواجهة كاملًا برأس مرفوع وإصرار لا ينازعها عليه أحد.
لكنها لم تكن الوحيدة التي تألمت في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، الذي امتدت يد أجهزته البوليسية لتطال الكتاب والمفكرين، وحتى السندريلا وسيدة الشاشة العربية.
فكيف حدث هذا؟

يتبع،،