|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

علا مجد الدين عبد النور
!--a>
2026 / 1 / 9
المشهد الأخير: السقوط نحو الحرية
في صباح 20 سبتمبر 1975، بعمارة بهلر العريقة بالزمالك، لم يكن الصباح عادياً. استيقظت درية شفيق، واعتنت بأناقتها المعهودة؛ تلك الأناقة التي كانت خندقها الأخير في وجه انكسار الروح. جلست خلف مكتبها، وخطت بكلمات تشبه رثاء الذات: "اسمي يبدأ بحرف الدال، وأنا امرأة.. ابنة النيل.. طالبت بحقوق النساء.. فكانت النتيجة أنني بلا أصدقاء.. سأمضي وحدي حتى نهاية الطريق".
حملت مصحفاً في يد، وأوراقها في الأخرى، واتجهت نحو شرفتها المطلة على النيل؛ صديقها الوحيد الذي لم يملك النظام القدرة على حجبه عنها. بنظرة امتنان أخيرة، تركت الجاذبية تحررها من قيودها، لتسقط درية من الدور السادس متمسكة بهوية حاول الجميع طمسها. لم يكن هذا المشهد نهاية مسيرة، بل كان الصرخة الأكثر دويّاً في تاريخ الحركة النسائية المصرية.
الصداع السياسي: كيف أزعجت "بنت النيل" كل العروش؟
لم تكن درية شفيق مجرد ناشطة، بل كانت "صداعاً سياسياً" عابراً للعصور. بدأ صدامها مع السلطة منذ العهد الملكي واستمر حتى الجمهورية، وذلك لعدة أسباب جعلتها نموذجاً "غير قابل للسيطرة":
كسر هيبة المؤسسات
في عام 1951، قادت مظاهرة نسائيةواقتحمت البرلمان المصري. كان هذا الحدث زلزالاً؛ فأن تتجرأ امرأة على تحدي سلطة "الباشوات" والبرلمان الوفدي، كان أمراً غير مقبول، وحُكمت بسببه أمام القضاء.
الصدام مع المؤسسة الدينية الرسمية
تمثل صدام درية شفيق مع الأزهر في صراع فكري وتشريعي حاد حول مكانة المرأة، بدأ برفضها لفتوى لجنة الفتوى بالأزهر عام 1952 التي حرمت المرأة من حقوقها السياسية (الانتخاب والترشح) بدعوى تعارضها مع الولاية العامة، وردت عليها درية بتنظيم المظاهرات واقتحام البرلمان لإثبات أحقية المرأة دستورياً ودينياً. وتعمق الخلاف بمطالبتها الجريئة بـ تقييد تعدد الزوجات وجعل الطلاق بيد القضاء، وهو ما اعتبره علماء الأزهر مساساً بنصوص الشريعة وثوابت الأسرة، كما أثار نهجها الليبرالي واتهامها بـ "التغريب" حفيظة المؤسسة الدينية، خاصة بعد استخدامها لمنبر مجلة "بنت النيل" لنقد الفكر التقليدي، مما جعلها في مواجهة مباشرة مع الشيوخ الذين اعتبروا حركتها تهديداً للقيم المجتمعية السائدة.
كان كل موقف لدرية يضع السلطة بين غضب الأزهر أو غضب الحركة النسائية المدعومة دولياً، لذا فضلوا دائماً محاولة إسكاتها.
تدويل القضية: كانت درية ذكية في استخدام الإعلام الدولي (مثل مجلة تايم ولايف)، مما أحرج الدولة المصرية وصوّرها في مظهر المتأخر عن ركب الحضارة، وهو ما اعتبرته الأنظمة "نشراً للغسيل القذر" في الخارج.
رفض العسكرة النسائية
بعد ثورة 1952، أراد الضباط الأحرار احتواء كل الحركات تحت لواء الدولة، لكن درية رفضت التبعية، وأضربت عن الطعام عام 1954 احتجاجاً على تهميش النساء في لجنة الدستور.
خيانة الآباء التنويريين (طه حسين والعقاد)
المأساة الكبرى في حياة درية لم تكن قمع السلطة فحسب، بل كانت الخذلان من قامات الفكر الذين علموها التنوير ثم رجموها بالكلمات.
طه حسين: الأستاذ الذي أنكر تلميذته
كان عميد الأدب العربي هو من آمن بذكاء درية شجعها على السفر للسوربون، لكن "السياسة" أفسدت الود. حين اقتحمت البرلمان عام 1951، وكان هو وزيراً للمعارف، وصف فعلها بـ "الصبيانية" و"الخروج عن النظام". لقد آمن طه حسين بالتغيير من داخل المؤسسات، بينما كانت درية "راديكالية" ميدانية. في مذكراتها، شعرت درية أن أستاذها خان مبادئه ليحابي السلطة، وكتبت بمرارة عن قسوته التي لم تكن تتوقعها.
العقاد: الفحولة الثقافية والتهكم المر
أما عباس محمود العقاد، فقد كان يمثل "الأبوية" في أقسى صورها. رغم ليبراليته السياسية، كان شديد المحافظة في ملف المرأة. سخر من إضرابها عن الطعام عام 1954 واصفاً إياه بـ "الابتزاز العاطفي"، وهاجم فكرة منحها حق الانتخاب بحجة أن صوتها تابع لعاطفتها. بالنسبة للعقاد، كانت درية مجرد حالة "تفرنج" و"شغب" تخرج عن وقار المرأة الشرقية.
حفلة النهش الجماعي: الإعلام والرفيقات
حين قرر النظام التخلص من درية شفيق، شارك الجميع في إغتيالها معنوياً، فإعلامياً قاد مصطفى أمين (أخبار اليوم) ومحمد حسنين هيكل (الأهرام) حملة لتصويرها كشخصية أرستقراطية معزولة تستقوي بالخارج لزعزعة الاستقرار.
طعنة الرفيقات: كانت "الضربة القاضية" هي بيان الهيئات النسائية الذي تبرأ منها رسمياً، مؤكداً أن مطالب المرأة لا تُنال عبر "الاستقواء بالسفارات"، وهو ما جعلها تشعر بالوحدة المطلقة.
في الحقيقة، خُذلت درية شفيق بشكل شبه كامل من النخبة المصرية، ولكن كان هناك تعاطف صامت من سيزا نبراوي، رفيقة درب هدى شعراوي،والتي كانت من القلائل الذين لم يشاركوا في حفلة "النهش" الإعلامي ضدها، لكنها لم تستطع الدفاع عنها علنًا خوفًا من الصدام مع النظام.
الإعدام المدني
انتهى نضال درية بفرض الإقامة الجبرية عليها لمد 18 عاماً. مُحي اسمها من الكتب، وحُلت جمعيتها، ومنع ذكرها في الصحف، ووضع حارس على باب شقتها. لقد حولوها إلى شبح وهي على قيد الحياة.
وبهذا، تبقى درية شفيق رمزًا للمرأة التي رفضت الانحناء، وهي تحفر اسمها في تاريخ الحركة النسوية المصرية.
ي
يتبع،،
ملاحظة
التفاصيل الواردة حول اللحظات الأخيرة في حياة الدكتورة درية، مستندة إلى ما ورد في كتاب "امرأة مختلفة" (A Woman Apart)، للكاتبة سينثيا نيلسون.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|