|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

علا مجد الدين عبد النور
!--a>
2026 / 1 / 11
«بعض الأشخاص سينبذونك، لأن نورك أشد سطوعًا مما يحتملون… هكذا هي الدنيا، فلتواصل إشعاعك»..مارتن لوثر كينغ
في فصل «العزلة» في كتاب «امرأة مختلفة» نرى درية شفيق — بنت النيل — بعد أن كانت في قلب المجال العام، تتحول إلى “شبح” داخل بيتها، محاصَرة بالصمت، ومُحاطة بالخوف.
حياة الصمت
تكتب درية عن أيامها في العزلة بصدق قاسٍ:
الخوف من الناس، انقطاع الأصدقاء، نظرات الريبة، والوحدة التي لم تخترها.
كانت تقول بمرارة:
«أصبحتُ جرباء في نظر المجتمع».
لم يكن السجن جدرانًا فقط، بل قطيعة كاملة مع العالم.
ومع ذلك، لم تستسلم درية للفراغ. فرضت على نفسها روتينًا صارمًا، كأنها تتشبث بالعقل حتى لا يتآكل. ابتعدت عن السياسة قسرًا، واتجهت إلى التأمل، إلى القراءة، إلى الكتابة، وكأنها تحاول إنقاذ ذاتها من الذوبان.
كانت تشعر — كما كتبت — بأنها «دُفنت حيّة»، بينما العالم في الخارج يمضي، هزيمة 1967، موت عبد الناصر، ثم إنتصار 1973…
كل شيء يتحرك، إلا هي.
الأقسى ما في العزلة، هو إدراك درية أن جيلًا كاملًا من النسويات لا يعرف حتى اسمها. هذا التهميش التاريخي — كما تشير في مذكراتها — آلمها أكثر من السجن نفسه.
الاستمرار… ولو زحفًا
ربما كانت كلمات مارتن لوثر كينغ هي الأصدق في توصيف ما فعلته درية شفيق:
«إن لم تستطع الطيران فأركض، وإن لم تستطع الركض فامشِ، وإن لم تستطع المشي فازحف… ولكن عليك الاستمرار في التحرك للأمام».
وهذا بالضبط ما فعلته.
قضت معظم وقتها في مكتبتها. كتبت مذكراتها بالفرنسية والإنجليزية، ودوّنت وحدتها، وخذلان العالم، وألم الإقصاء. كتبت الشعر، لتنجو.
كانت تؤمن — بعناد هادئ — أنها ستنتصر في النهاية، وأن الكتابة ليست ترفًا، بل مقاومة. مقاومة لمن حاولوا طمس تاريخها، ومحاولة لنحت الحقيقة على صخرة التاريخ العصيّة على المحو.
البقاء للأصدق
لم يكن رد الاعتبار لدرية شفيق فورياً، ولا قرارًا سياسيًا مفاجئًا، بل رحلة طويلة وبطيئة، عاد فيها اسمها إلى الذاكرة الوطنية تسللًا، ثم حضورًا، ثم اعترافًا متأخرًا.
الشرارة الأولى: امرأة مختلفة
(1983 – 1996)
البداية الحقيقية جاءت من خارج مصر. الباحثة الأمريكية سينثيا نلسون تعرّفت على قصة درية عبر بناتها عام 1983، ثم أصدرت كتابها الشهير «درية شفيق: امرأة مختلفة» بالإنجليزية عام 1996.
هذا الكتاب كسر حاجز الصمت، وكان المرجع الأول الذي أعاد اسمها إلى دوائر البحث الأكاديمي، ثم تُرجم لاحقًا إلى العربية عن طريق المجلس الأعلى للثقافة.
و في عام 2000 مع تأسيس المجلس القومي للمرأة برئاسة سوزان مبارك، بدأ اسم درية شفيق يظهر في الكتيبات التي تؤرخ لنضال المرأة المصرية، لكن دون التركيز على صدامها مع جمال عبد الناصر أو واقعة السفارة الهندية.
الانتعاشة الرقمية
في 14 ديسمبر 2016، احتفل محرك البحث جوجل بذكرى ميلادها الـ108 عبر “دودل” خاص ظهر في العالم العربي.
بحث ملايين الشباب لأول مرة عن صاحبة الصورة، وبدأت المواقع الإخبارية في استعادة سيرتها ونهايتها المأساوية. كانت لحظة فارقة أعادت درية شفيق إلى جيل لم يسمع بها من قبل.
لم يكن الدودل مجرد احتفاء، بل اعتراف متأخر بأن الصورة التي مُحيت محلياً، عادت أقوى وعالمياً.
الاعتراف العالمي المتأخر (2018)
نشرت صحيفة نيويورك تايمز نعيًا لها ضمن مشروع Overlooked No More، المخصص لشخصيات مؤثرة لم تحظَ بتقدير كافٍ عند وفاتها.
اعتُبر هذا النعي بمثابة إعادة اعتبار دولية، وحرجًا أخلاقيًا للتجاهل الطويل الذي تعرضت له في وطنها.
الزخم الوثائقي والسينمائي
(2020 – 2024)
تزايد حضورها في البرامج الوثائقية والأعمال الفنية التي تناولت تاريخ الحركة النسوية المصرية، وأُقيمت معارض فنية وأفلام قصيرة أعادت تقديمها بوصفها مناضلة سياسية.
تكريم متأخر… لكنه ضروري
في السنوات الأخيرة، بدأت الدولة والمؤسسات الثقافية في مصر بضم اسم درية شفيق إلى قائمة الرائدات خلال الاحتفال بيوم المرأة المصرية وعرض أفلام تسجيلية تبرز دورها في مظاهرة البرلمان عام 1951 وتأسيس اتحاد بنت النيل، كما كرمها المجلس القومي للمرأة (مايو 2023) خلال إطلاق النسخة العربية من كتاب «بنات النيل»، حيث تسلمت ابنتها عزيزة رجائي درع التكريم نيابة عنها.
ورغم كل ذلك، لم يصدر اعتذار رسمي من الدولة عن سنوات الإقامة الجبرية، ولا عن حملات التشويه التي تعرضت لها.
لكن المفارقة أن الزمن وحده أنصفها، اليوم تُدرَّس قصة درية شفيق في الجامعات كنموذج للصمود والدفاع عن الديمقراطية، بينما تلاشى ذكر كثيرين ممن هاجموها.
ولعل هذا هو الانتصار الأصدق… والأبقى.
ملاحظة:
هذا المقال ليس سيرة ذاتية كاملة، بل هو تحية لصمود امرأة أُريد لها أن تُنسى فأبى التاريخ إلا أن يذكرها. إن تفاصيل رحلة درية شفيق هي تاريخ عظيم يستحق منك أن تبحث عنه وتكتشفه بنفسك.. ابحث عن درية شفيق، لتعرف كيف يُصنع الانتصار من قلب الهزيمة.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|