|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
رياض قاسم حسن العلي
!--a>
2026 / 1 / 15
كانت العرب في أساليبها البلاغية إذا أرادت تعظيم شأن شيءٍ أو المبالغة في وصفه، لجأت أحيانًا إلى تأنيث اللفظ، ولو كان الموصوف مذكّرًا في الأصل. ومن ذلك قولهم: علّامة، فهّامة، نابغة؛ فهذه الألفاظ مؤنثة في الصيغة، لكنها تُستعمل للدلالة على علوّ المنزلة وكثرة العلم والفهم، لا على التأنيث الحقيقي.
كما أن العرب إذا أرادت المبالغة الشديدة في الصفة تجاوزت القياس المعتاد بين التذكير والتأنيث، فجعلت المذكر مؤنثًا والمؤنث مذكرًا، وذلك على سبيل البلاغة والتفخيم، لا على سبيل الخطأ أو الاضطراب في اللغة.
فيقولون مثلًا: رجلٌ علّامة، أي رجل بلغ الغاية في العلم وكثر اطلاعه ومعرفته، فجاء الوصف بصيغة المؤنث للمبالغة والتعظيم.
ويقولون: رجلٌ ضرغامة، أي رجل انتهى إلى أقصى درجات الشجاعة والقوة، فالضرغامة في الأصل من أسماء الأسد، وجاءت هنا بصيغة المؤنث للمبالغة في الوصف.
وعلى العكس من ذلك، قد يُوصف المؤنث بلفظٍ مذكّر، فيقال: امرأةٌ كريم، أي امرأة بلغت المنتهى في الكرم والسخاء، فذُكِّر الوصف للدلالة على القوة في الصفة وتجاوز الحدّ المعتاد.
وفي مجال التعبير الأخلاقي والقيمي، يلفت النظر أن الخطاب العربي-الإسلامي قد اختار مفهوم صلة الرحم ليكون أساسًا للعلاقة الأسرية والاجتماعية، ولم يختر تعبيرًا يقوم على الذكورة أو النسب الأبوي المحض، كأن يقال – مثلًا – صلة الأصل الذكري أو ما شابه ذلك. والرحم، في دلالته اللغوية والرمزية، مرتبط بالمرأة ارتباطًا مباشرًا، إذ هو موضع الحمل والإنجاب ومصدر الاستمرارية البشرية.
تشير هذه الظاهرة اللغوية، المتمثّلة في تبادل صيغ التذكير والتأنيث على سبيل التعظيم والمبالغة، إلى دلالات أعمق من كونها مجرد أسلوب بلاغي، إذ تعكس في جوهرها نظرة إيجابية ومكانة معتبرة للمرأة في المجتمع البدوي العربي قبل الإسلام. فاللغة، بوصفها مرآة للفكر الجمعي، لا تنتج هذا النوع من الاستخدامات إلا في سياق ثقافي يمنح المؤنث قيمة رمزية عالية، ويقرن التأنيث بالقوة والكمال لا بالضعف أو النقص.
ونلاحظ في هذا السياق أن رؤية القرآن الكريم للمرأة جاءت متجهة بوضوح نحو التعظيم والتوقير وإعادة الاعتبار الإنساني والاجتماعي لها، وذلك في بيئة كانت قد رسخت فيها، بفعل تراكمات النظام الأبوي، تصورات تقلّل من شأن المرأة أو تحصر دورها في وظائف هامشية. فقد خاطب القرآن المرأة بوصفها إنسانًا كامل الأهلية، شريكًا للرجل في الاستخلاف والتكليف والمسؤولية، ومساوية له في الأصل الإنساني والكرامة: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، دون تمييز قائم على الجنس.
ويتجلّى هذا التوجّه القرآني في مواضع عديدة، منها تأكيده وحدة الأصل بين الرجل والمرأة، وتحميلهما معًا مسؤولية الخطأ والتوبة، ومنحهما معًا حق الثواب والعقاب، فضلًا عن إقراره للمرأة حقوقًا واضحة في التملك، والإرث، والاختيار، والحماية القانونية، وهي حقوق مثّلت في سياقها التاريخي تحوّلًا نوعيًا أعاد للمرأة مكانتها بوصفها عنصرًا فاعلًا في المجتمع، لا تابعًا أو ملحقًا بالرجل.
غير أن هذا التصور القرآني المتوازن لم ينعكس دائمًا بصورة نقية في بعض ما ورد لاحقًا في التراث الروائي والتفسيري، إذ تسللت إلى بعض الروايات تصورات ثقافية واجتماعية متأثرة بالبنية الأبوية السائدة، وبالموروثات السابقة على الإسلام، فظهرت نصوص تُفهم—أو أُسيء فهمها—على نحو ينتقص من المرأة أو يصوّرها باعتبارها مصدرًا للفتنة أو النقص.
ومن هنا يبرز التباين بين الخطاب القرآني المؤسِّس، الذي قدّم رؤية أخلاقية وإنسانية متقدمة لمكانة المرأة، وبين بعض الروايات التراثية التي عكست—عن قصد أو غير قصد—تصورات اجتماعية لاحقة أكثر مما عكست روح النص القرآني ومقاصده. وهذا التباين يستدعي قراءة نقدية واعية للتراث، تميّز بين النص القرآني بوصفه مرجعية عليا، وبين الاجتهادات والروايات التي تشكّلت في سياقات تاريخية وثقافية محددة.
وبذلك يمكن القول إن القرآن الكريم لم يكن امتدادًا للنظرة الأبوية التقليدية، إنما جاء في كثير من جوانبه مصحِّحًا ومقوِّمًا لها، بينما مثّلت بعض الروايات التراثية إعادة إنتاج جزئية لتلك البُنى الاجتماعية، وهو ما يفسّر استمرار الجدل حول قضايا المرأة بين النص المؤسِّس والتأويل التاريخي له.
لكن بعض فقهاء الاسلام تأثروا بشكل واضح بالمعتقدات اليهودية حول المرأة ، ودليلنا على ذلك ما ورد في كتاب «كيتسور شلحان عاروخ» (Kitzur Shulchan Aruch)، وهو أحد أشهر المختصرات الفقهية العملية في اليهودية الأرثوذكسية ، من نصّ يعكس طبيعة التصورات الفقهية التقليدية التي حكمت السلوك اليومي والعلاقات الاجتماعية داخل المجتمع اليهودي المحافظ. فهذا الكتاب رسالة عملية تهدف إلى تنظيم تفاصيل الحياة اليومية وفق الأحكام الشرعية (الهلاخاه)، وقد وُضع ليكون دليلًا مبسّطًا لعامة الناس في شؤون الطهارة، والعبادة، والسلوك، والعلاقات الاجتماعية.
وجاء في هذا الكتاب نصّ يقول:
«لا يجوز للرجل أن يمشي بين امرأتين، أو كلبين، أو خنزيرين، وكذلك لا يجوز للرجال أن يسمحوا للمرأة أن تمشي بينهم، ولا للكلب أو الخنزير».
يثير هذا النص، عند قراءته خارج سياقه التاريخي والفقهي، قدرًا كبيرًا من الصدمة والاستغراب، لا سيما بسبب وضع المرأة في سياق واحد مع الحيوان النجس في الشريعة اليهودية، كالكلب أو الخنزير. غير أن فهم هذا الحكم يتطلّب التوقّف عند طبيعة الفقه الديني التقليدي، والبيئة الاجتماعية التي تشكّل فيها، والغايات التي كان يسعى إلى تحقيقها في إطار مجتمع مغلق تحكمه قواعد صارمة للفصل بين الجنسين وضبط السلوك العام.
ينتمي «كيتسور شلحان عاروخ» إلى تقليد فقهي يرى في الاختلاط بين الرجال والنساء مصدرًا محتملًا للفتنة والانحراف الأخلاقي، ولذلك يضع سلسلة من القيود الوقائية التي تهدف، من وجهة نظره، إلى حماية «النقاء الأخلاقي» للمجتمع. وفي هذا التشبيه أو الجمع بين المرأة والحيوان يقصد به إهانة مباشرة ويعكس منطقًا فقهيًا رمزيًا يرى في بعض الكيانات أو الأوضاع «عائقًا روحيًا» أو «نذير شؤم» أو عنصرًا يُخلّ بالنظام المرغوب.
فالفقه اليهودي التقليدي، شأنه شأن كثير من الفقه الديني في الحضارات القديمة، ينطلق من بنية أبوية صارمة، تُسند للرجل دور المركز والضبط، وتحيط المرأة بسلسلة من المحظورات والتنظيمات التي تحدّد حركتها ومكانها في الفضاء العام. ومن هنا، فإن منع المرأة من المشي بين الرجال، أو منع الرجل من السير بين امرأتين، يندرج ضمن سياسة الفصل الصارم بين الجنسين، لا ضمن قراءة إنسانية أو حقوقية كما نفهمها اليوم.
لكن الإشكالية الحقيقية في هذا النص تكمن في اللغة والمقارنة المستخدمة، حيث تُوضع المرأة في السطر نفسه مع الكلب والخنزير، وهما في التصور الديني اليهودي رمزان للنجاسة أو الدونية الطقسية. وهذا يكشف بوضوح عن طبيعة التصورات الذهنية التي كانت سائدة في المجتمعات الدينية التقليدية، والتي لم تكن ترى في المرأة ذاتًا مستقلة مساوية للرجل، لكنها كيانًا يجب ضبطه ومراقبته وتشريعه بدقة.
أن مثل هذه النصوص تمثل مجمل الفكر اليهودي، وتعكس مواقف كل اليهود عبر التاريخ، وتعبّر عن اتجاه فقهي محافظ تشكّل في سياق اجتماعي وثقافي محدد. لكن كثيرًا من التيارات اليهودية الحديثة، الإصلاحية والمحافظة، ترفض هذه الأحكام أو تعيد تأويلها بوصفها نتاجًا لمرحلة تاريخية تجاوزها الزمن.
ويبدأ تاريخ نظريات النظام الأمومي مع المحامي والباحث في الحضارات القديمة بمدينة بازل السويسرية يوهان ياكوب باخوفن (1815–1887)، الذي يُعد من أوائل من أسّسوا تصورًا نظريًا متكاملًا حول هذا المفهوم. وقد استخدم باخوفن مصطلح جينوقراطيا وهي كلمة يونانية قديمة تعني حكم المرأة، وهو مصطلح كان شائعًا في العصور القديمة، واستعمله بالتناوب مع مفهوم الحقّ الأمومي للدلالة على سيادة المرأة أو مركزيتها في البنية الاجتماعية والقانونية للمجتمعات القديمة.
أما مصطلح «النظام الأمومي» نفسه، فقد استُخدم لأول مرة على يد عالم الأنثروبولوجيا القانونية الهولندي جورج ألكسندر فيلكن (George Alexander Wilken)، وذلك في كتابه المعنون:
«النظام الأمومي (الحق الأمومي) عند العرب القدماء» الصادر عام 1884، حيث أسهم هذا العمل في ترسيخ المصطلح ضمن الدراسات الأنثروبولوجية والقانونية.
ويُعد كتاب باخوفن الصادر عام 1861 بعنوان:
«حق الأم: بحث في حكم المرأة في العالم القديم وفقًا لطبيعته الدينية والقانونية»
من أكثر المؤلفات تأثيرًا في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، لما قدّمه من قراءة جديدة لتاريخ المجتمعات الإنسانية من منظور ديني وقانوني وثقافي يبرز دور المرأة ومكانتها.
ورغم إمكانية العثور على أفكار وآراء سابقة حول حكم المرأة في كتابات عدد من المؤلفين الذين سبقوا باخوفن وألهموه، فإن تميّزه يكمن في كونه أول من صاغ نظرية متكاملة للتطور الإنساني والثقافي قائمة على مفهوم الحق الأمومي، وربطها بمراحل تطور المجتمعات البشرية.
ومع ذلك، لم تلقَ أفكار باخوفن اهتمامًا يُذكر في أثناء حياته، بل قوبلت بالرفض والنقد من قِبل كثير من الباحثين في عصره. غير أنّ هذا الموقف تغيّر بعد وفاته، إذ حظيت نظرياته بقبول واسع ومتنوّع، ولا سيما في ألمانيا، ثم امتد تأثيره ليشمل باحثين من مدارس فكرية مختلفة ومن خلفيات علمية وثقافية متعددة حول العالم.
وفي عام 1973، نشر عالم الاجتماع ستيفن جولدبيرد كتابه الشهير «حتمية النظام الأبوي»، والذي أثار جدلًا واسعًا في الأوساط الأكاديمية والاجتماعية. في هذا الكتاب، يسعى جولدبيرد إلى تفسير الهيمنة الذكورية في المجتمعات البشرية من منظور بيولوجي واجتماعي، مؤكدًا أن الاختلافات البيولوجية الأساسية بين الرجال والنساء تمنح الغلبة دومًا للنظام الأبوي الذي يجد لنفسه موطئ قدم في جميع المجتمعات، بغض النظر عن اختلافاتها الثقافية أو التاريخية.
ويركز ستيفن جولدبيرد على فكرة أن الاختلافات البيولوجية بين الرجال والنساء ليست أمورًا سطحية أو قابلة للتلاشي بسهولة، إنما هي خصائص متجذرة بعمق في الطبيعة البشرية نفسها. وفقًا له، هناك مجموعة من السمات الفسيولوجية والسلوكية التي يميل الذكور إلى امتلاكها بدرجة أكبر، مثل القوة البدنية، والقدرة على المنافسة، والقدرة على فرض السيطرة. هذه الخصائص، برأيه، تمنح الرجال ميزة طبيعية في السيطرة على الموارد واتخاذ القرارات داخل أي مجتمع، بغض النظر عن القوانين أو الأعراف الاجتماعية التي قد تسعى لتحقيق المساواة بين الجنسين.
ولتوضيح هذه النقطة، يستخدم جولدبيرد استعارة شهيرة: «أي طريقة لتقسيم الموارد أو السلطة بين الجنسين تنتهي دائمًا بمنح الرجال القطعة الأكبر من الكعكة». تكمن قوة هذه الاستعارة في تصويرها المبسط لعلاقة القوة بين الجنسين؛ فهي توضح أن أي توزيع رسمي أو ظاهر للموارد لا يضمن العدالة الحقيقية، لأن القوة البيولوجية والاجتماعية للرجل، أو على الأقل تصور المجتمع لتلك القوة، تجعل الحصة الأكبر تقع غالبًا في يده.
وحتى في البيئات التي تبدو عادلة من الناحية النظرية، أو حيث تتساوى الفرص على الورق، فإن الهيمنة الذكورية تبقى غالبًا الحاكم الفعلي. الرجل، بحسب جولدبيرد، ليس دائمًا الأكثر عدوانية أو سيطرة بصورة واعية، لكن طبيعة قدراته البيولوجية والسلوكيات المرتبطة بها تضعه في موقع مهيمن يسمح له بالحصول على جزء أكبر من النفوذ، القرارات، والمكافآت الاجتماعية والاقتصادية.
ويقدم جولدبيرد نموذجًا يرى فيه أن الهيمنة الذكورية ليست مجرد انعكاس للتقاليد أو الأعراف الاجتماعية، لكن ناتجة عن تفاعل معقد بين الفروق البيولوجية الطبيعية وتوقعات المجتمع. الاستعارة التي استخدمها تجعل من السهل على القارئ تصور هذه الفكرة: حتى وإن حاول المجتمع توزيع "الكعكة" بشكل متساوٍ، فإن القوانين الفيزيائية والاجتماعية للفطرة البشرية تجعل حصة الرجل غالبًا أكبر، سواء كان ذلك في الموارد المالية، القوة السياسية، أو النفوذ الاجتماعي.
على الرغم من أن جولدبيرد يستند بشكل أساسي إلى الأساس البيولوجي في تفسيره للهيمنة الذكورية، إلا أن كتابه لا يقتصر على البعد الفيزيولوجي أو الفسيولوجي وحده. فهو يربط بين الفروق البيولوجية الطبيعية وبين البنى الاجتماعية والسياسية، ليقدّم رؤية شاملة تقول إن النظام الأبوي ظاهرة مستمرة تتغذى على الطبيعة البشرية نفسها. بمعنى آخر، الرجل لا يهيمن فقط بسبب الأعراف والتقاليد، لكن لأن تركيبته البيولوجية وسلوكه الفطري يمنحانه قدرة أكبر على فرض السيطرة والمنافسة.
ويشير جولدبيرد إلى أن هذا النظام الأبوي يظهر بأشكال متعددة ومتدرجة في الحياة اليومية: من الأسرة النووية، حيث يكون الأب غالبًا المهيمن في اتخاذ القرارات، إلى المؤسسات السياسية التي تحتكر القيادة عادة في أيدي الذكور، مرورًا ببيئة العمل التي تعكس نفس التفاوت في النفوذ والسلطة، وصولًا إلى المجتمع ككل حيث تتشابك البنى الاجتماعية والسياسية مع طبيعة الإنسان ليصبح الرجال غالبًا الفاعلين الرئيسيين في توجيه الموارد واتخاذ القرارات المصيرية.
ويضيف أن الهيمنة الذكورية تشمل مجموعة من القدرات والمهارات المرتبطة بالنجاح الاجتماعي: القدرة على إدارة الموارد، مهارات المنافسة الاجتماعية، القدرة على اغتنام الفرص التي توفرها البيئة، وحتى القدرة على فرض النفوذ عبر الاستراتيجيات المجتمعية والسياسية. بمعنى آخر، الرجل غالبًا ما يكتسب أفضلية مزدوجة: بيولوجية واجتماعية، تجعل منه أكثر قدرة على الاستحواذ على السلطة والمكافآت والفرص مقارنة بالنساء.
ويطرح جولدبيرد فكرة أن الصراع بين الذكور والإناث لا ينبغي النظر إليه باعتباره تعسفًا أو نتيجة غير عادلة لمجرد التقليد الثقافي، بقدر ما هو نتيجة طبيعية لتفاعل معقد بين الفروق البيولوجية والطبيعة البشرية من جهة، والبنى الاجتماعية والسياسية من جهة أخرى. أي أن التفاوت في النفوذ والسلطة هو انعكاس لما يعتبره الكاتب قوانين الطبيعة البشرية نفسها، والتي يجد النظام الأبوي فيها أرضًا خصبة ليستمر ويزدهر.
رغم التأثير الكبير الذي أحدثه كتاب جولدبيرد على دراسة العلاقات بين الجنسين وفهم طبيعة النظام الأبوي، إلا أنّه لم يخلُ من نقد واسع ومبرَّر من قِبل علماء الاجتماع والباحثين في مجال النسوية الحديثة. فقد تناول النقاد الكتاب من عدة زوايا، أبرزها التعميم البيولوجي المفرط حيث يرى كثير من النقاد أن محاولة تفسير الهيمنة الذكورية فقط استنادًا إلى الفروق البيولوجية بين الرجال والنساء يُقلل من تأثير الثقافة، والتنشئة الاجتماعية، والأنظمة القانونية والسياسية. فالمجتمعات ليست مجرد انعكاس مباشر للطبيعة البشرية، إنما هي منتجات قيمية وثقافية وسياسية تتفاعل مع الخصائص البيولوجية لتشكيل توزيع القوة والسلطة بين الجنسين. بمعنى آخر، ما يعتبره جولدبيرد “قوانين طبيعية” يمكن تفسيره في أحيان كثيرة بوصفه انعكاسًا لممارسات اجتماعية متوارثة وليس مجرد نتيجة حتمية للبيولوجيا.
وكذلك أن الدراسات الحديثة أظهرت والتجارب الميدانية أن توزيع القوة والنفوذ بين الرجال والنساء ليس ثابتًا أو غير قابل للتغيير. فالتعليم، والقوانين التي تعزز المساواة بين الجنسين، والتشريعات العمالية، والممارسات الثقافية الحديثة، كلها عوامل قادرة على تعديل هذه التوازنات. هذا النقد يبرز أن ما يراه جولدبيرد نتيجة طبيعية لا يمكن تفاديها، يمكن تغييره بشكل ملموس من خلال الإصلاحات المجتمعية والسياسات الداعمة للمساواة.
ينتقد النقاد أيضًا طريقة تعميم خصائص معينة على الجنس بأكمله. فليس كل الرجال أقوياء أو مسيطرين، كما أن ليس كل النساء ضعيفات أو تابعات. هذا النوع من التعميم يعكس مغالطة منطقية، ويجعل بعض النتائج التي توصل إليها جولدبيرد مثيرة للجدل، خصوصًا عند مقارنة الواقع الاجتماعي المعقد بالتصور البيولوجي المبسط الذي عرضه الكتاب.
يظل كتاب جولدبيرد محوريًا في تاريخ الدراسات حول النظام الأبوي والعلاقات بين الجنسين، لكنه أثار جدلًا مستمرًا بسبب اعتماده الكبير على الأساس البيولوجي، وتجاهله في الوقت نفسه للمرونة الثقافية والاجتماعية، وللتنوع الفردي بين الأفراد من نفس الجنس. هذا النقد ساعد لاحقًا على توسيع النقاشات حول النسوية، والعدالة الاجتماعية، وإعادة النظر في التوازن بين الطبيعة والتنشئة في فهم الهيمنة الذكورية.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|