المرأة ودورها في مختلف المجالات عبر التاريخ



فريدة لقشيشي
2026 / 1 / 20

تُعدّ المرأة عنصرًا أساسيًا في بناء الحضارات وتقدّم المجتمعات، إذ لم تكن يومًا كائنًا هامشيًا في مسيرة التاريخ، بل كانت دائمًا فاعلة ومؤثرة في مختلف المجالات الإنسانية. ورغم ما واجهته من تحديات اجتماعية وثقافية عبر العصور، فقد استطاعت أن تثبت قدرتها على العطاء، والقيادة، والإبداع، وأن تترك بصمتها في الأسرة، والتعليم، والاقتصاد، والسياسة، والصحة، والثقافة، وغيرها من الميادين.

في المجال الأسري، تمثل المرأة الأساس الذي تُبنى عليه الأسرة والمجتمع. فهي الأم التي تحتضن أبناءها وتغرس فيهم القيم الأخلاقية، وتزرع في نفوسهم حب العلم والعمل والوطن. وقد عبّر الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو عن أهمية الأم بقوله: "إن الأم هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل معنى الحياة". كما يُروى عن النبي محمد ﷺ قوله: "الجنة تحت أقدام الأمهات"، في إشارة واضحة إلى المكانة العظيمة للمرأة ودورها في التربية وصناعة الأجيال.

أما في مجال التعليم والعلم، فقد كان للمرأة حضور بارز منذ العصور الأولى. فقد برزت عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها كعالمة ومحدّثة، يرجع إليها الصحابة والتابعون في الفقه والحديث، مما يدل على أن المرأة كانت شريكًا في بناء المعرفة الإسلامية. وفي العصر الحديث، سطعت أسماء نسائية في ميادين العلم، من أبرزهن ماري كوري، العالِمة الفيزيائية والكيميائية التي حصلت على جائزتي نوبل، وأسهمت في تطوير علوم الإشعاع والطب، فغيّرت وجه العلم الحديث. كما برزت روزاليند فرانكلين، التي ساهمت أبحاثها في اكتشاف بنية الحمض النووي (DNA)، مما أحدث ثورة في علم الوراثة.

وفي المجال الصحي، أدّت المرأة أدوارًا إنسانية عظيمة. فقد اشتهرت فلورنس نايتنغيل، مؤسسة التمريض الحديث، التي أحدثت إصلاحات جوهرية في مجال الرعاية الصحية خلال القرن التاسع عشر، وأسهمت في إنقاذ آلاف الأرواح. كما لعبت الطبيبات والممرضات دورًا بارزًا في مواجهة الأوبئة والكوارث الصحية، ولا تزال المرأة حتى اليوم تمثل عماد القطاع الصحي في مختلف دول العالم.

أما في المجال الاقتصادي، فقد أثبتت المرأة قدرتها على المشاركة الفاعلة في التنمية وتحقيق الاستقلال المالي. ففي التاريخ الإسلامي، تُعدّ خديجة بنت خويلد رضي الله عنها نموذجًا بارزًا للمرأة الناجحة اقتصاديًا، إذ كانت تاجرة ذات شأن، تدير أعمالها بحكمة ونجاح، وتُعدّ من أوائل الداعمين للدعوة الإسلامية. وفي العصر الحديث، برزت نساء في عالم ريادة الأعمال مثل أوبرا وينفري، التي تحولت من ظروف اجتماعية صعبة إلى واحدة من أنجح سيدات الأعمال والإعلام في العالم، ما يعكس قدرة المرأة على تجاوز التحديات وتحقيق النجاح.

وفي المجال السياسي والقيادي، أثبتت المرأة أنها قادرة على تحمل مسؤوليات الحكم وصنع القرار. فقد قادت كليوباترا مصر في مرحلة تاريخية دقيقة، وتمكنت من الحفاظ على مكانة بلادها وسط الصراعات الإقليمية. وفي العصر الحديث، برزت شخصيات نسائية مثل أنديرا غاندي في الهند، ومارغريت تاتشر في بريطانيا، وأنجيلا ميركل في ألمانيا، حيث لعبن أدوارًا محورية في توجيه سياسات بلدانهن، وإدارة الأزمات، وتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي. كما كانت الملكة إليزابيث الثانية رمزًا للاستمرارية والقيادة الهادئة على مدى عقود طويلة.

وفي المجال الاجتماعي والحقوقي، ناضلت المرأة من أجل تحقيق العدالة والمساواة وحقوق الإنسان. فقد قادت شخصيات مثل روزا باركس حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، حين رفضت التمييز العنصري، فكانت شرارة تغيير اجتماعي واسع. كما برزت ملالا يوسفزاي، التي دافعت عن حق الفتيات في التعليم، رغم تعرضها لمحاولة اغتيال، لتصبح رمزًا عالميًا للشجاعة والإصرار، وحاصلة على جائزة نوبل للسلام. وفي العالم العربي، أسهمت نساء كثيرات في الدفاع عن حقوق المرأة والأسرة والمجتمع، مثل هدى شعراوي، التي لعبت دورًا مهمًا في حركة تحرير المرأة في مصر.

أما في المجال الثقافي والأدبي، فقد أسهمت المرأة في إثراء الفكر الإنساني والإبداع الأدبي والفني. فقد برزت الكاتبة الإنجليزية جين أوستن، التي تناولت في رواياتها قضايا المرأة والمجتمع بأسلوب راقٍ، ولا تزال أعمالها تُدرّس حتى اليوم. كما سطعت الشاعرة الأمريكية مايا أنجيلو، التي جعلت من الأدب وسيلة للدفاع عن الكرامة الإنسانية ومناهضة التمييز. وفي الأدب العربي، برزت أسماء مثل نازك الملائكة، التي أسهمت في تطوير الشعر العربي الحديث، وغادة السمان، التي عالجت قضايا المرأة والحرية بأسلوب أدبي عميق.

وفي المجال الديني والروحي، كان للمرأة دور بارز في ترسيخ القيم الإيمانية والأخلاقية. فقد مثّلت مريم العذراء رمزًا للطهارة والإيمان في التراث المسيحي، كما كانت السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها نموذجًا للمرأة الصالحة، التي جمعت بين العبادة والعلم والأخلاق، وأسهمت في بناء أسرة قائمة على القيم الإسلامية. كما لعبت النساء دورًا في الدعوة والعمل الخيري والتربوي، مما يعكس مكانتهن الروحية في المجتمع.

إنّ هذه النماذج التاريخية والمعاصرة تؤكد أن المرأة ليست عنصرًا ثانويًا في مسيرة الإنسانية، بل شريك أساسي في صناعة التاريخ وبناء الحضارة. فهي التي أسهمت في العلم، وقادت في السياسة، وابتكرت في الاقتصاد، وربّت في الأسرة، وأبدعت في الثقافة، وناضلت في سبيل الحقوق والعدالة.

ختامًا، يمكن القول إن تمكين المرأة علميًا، واقتصاديًا، واجتماعيًا، وسياسيًا ليس مجرد مطلب حقوقي، بل هو ضرورة حضارية لتحقيق التنمية الشاملة وبناء مجتمعات متوازنة ومستقرة. فالمرأة، بما تملكه من طاقات وقدرات، تمثل ركيزة أساسية لمستقبل أفضل، يقوم على العدالة، والمساواة، والتكامل بين جميع أفراد المجتمع.