لا للتحرش



مشتاق الربيعي
2026 / 1 / 19

ظاهرة التحرش بالنساء ظاهرة مرفوضة رفضاً قاطعاً، ولا تمت للأخلاق والذوق العام بأي صلة. فبعضها يبدأ بأذى لفظي مؤذٍ، وقد يتطور إلى اعتداءات تمس كرامة المرأة وحقها في الشعور بالأمان داخل مجتمعها.

وآخر ما شهدناه كان ما حصل مع إحدى الفتيات خلال احتفالات أعياد الميلاد في مدينة البصرة، حين تعرضت لمضايقات من قبل مجموعة من الشباب، في مشهد أساء للمدينة وأهلها قبل أن يسيء للضحية نفسها. وقد سارعت الجهات المعنية إلى متابعة القضية عبر كاميرات المراقبة، وإلقاء القبض على عدد من المتورطين بهدف اتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.

وفي الوقت ذاته، فإن كافة أشكال التحرش تعكس انحداراً في القيم، وقلة في الأدب والذوق العام، وتناقضاً مع أبسط معايير الاحترام الإنساني. فالمجتمع الذي تسود فيه مثل هذه السلوكيات يفقد جزءاً من رصيده الأخلاقي، ويتحول إلى بيئة طاردة للأمان الاجتماعي، لا سيما للنساء والفتيات.

ويُعد التحرش وباءً اجتماعياً لأنه لا يؤذي الضحايا فقط، بل يضرب أساسات المجتمع من قيم واحترام وكرامة، ويزرع الخوف بدلاً من الطمأنينة. وتكمن خطورته في أنه لا يقف عند حدود المكان والزمان، بل يمتد إلى الفضاء العام والافتراضي معاً. وحتى في منصات التواصل الاجتماعي تشهد النساء أشكالاً من التحرش والإزعاج الإلكتروني عبر الرسائل والتعليقات، ما يضيف بعداً جديداً للمشكلة ويجعل مواجهتها أكثر تعقيداً.

وفي بعض الأحيان تتطور حالات التحرش إلى اعتداءات جنسية، سواء من قبل أشخاص مقرّبين أو من خلال تجاوزات جسيمة، وهذا الأمر مرفوض رفضاً قاطعاً ويعد انتهاكاً صارخاً لكرامة الإنسان والقانون.

وتتحمل الدولة مسؤولية كبيرة في هذا الجانب، وذلك من خلال تشريع قوانين رادعة، وتفعيل الإجراءات القانونية، ورفع مستوى الجدية في التعامل مع الشكاوى والبلاغات. فالقاعدة القانونية عامة ومجردة، وينبغي محاسبة الجميع وفق قانون العقوبات العراقي، الذي هو واضح وصارم. وبرغم أن الجهات المعنية تبذل جهوداً كبيرة لمتابعة هذه القضايا، إلا أننا بحاجة إلى قوانين أكثر صرامة وفعالية، من أجل إنهاء هذه الأفعال غير الأخلاقية وضمان حماية المجتمع والنساء على حد سواء. فالقوانين بلا تطبيق لا قيمة لها، والتطبيق بلا وعي لا يحقق الأثر المطلوب. وفي المقابل، يمتلك المجتمع مسؤولية موازية، تتمثل في نشر الوعي، وإدانة السلوكيات غير الأخلاقية، وحماية النساء وعدم التستر على من يمارس هذه الاعتداءات.

كما يلعب الإعلام دوراً محورياً في معالجة هذه الظاهرة، سواء من خلال تسليط الضوء عليها، أو عبر محتوى توعوي يرسخ ثقافة احترام المرأة وعدم تحويل الضحية إلى مادة للتشهير أو اللوم. فيما تبقى الأسرة والمدرسة مؤسستين أساسيتين في غرس السلوك السليم منذ الصغر، عبر التربية المبنية على القيم واحترام الآخر.

إن حماية النساء ليست ترفاً ولا شعاراً للاستهلاك الإعلامي، بل هي ضرورة أخلاقية وإنسانية لحماية المجتمع برمّته. فالمجتمع الذي لا يحمي نساءه ومكوناته الأضعف، هو مجتمع غير قادر على حماية نفسه في مواجهة الأخطار الأكبر.

ويبقى الأمل في إعادة الاعتبار للكرامة الإنسانية، وتعزيز ثقافة الاحترام المتبادل، وبناء بيئة آمنة للنساء، ليس فقط من خلال العقوبات، بل عبر إصلاح المنظومة القيمية والسلوكية، حتى لا يتحول التحرش إلى سلوك عابر للأجيال.