عام على اصدار القانون الجعفري: حياة النساء والاطفال مهمة!



نادية محمود
2026 / 1 / 23

أعادة هندسة وبرمجة العلاقات الاجتماعية في المجتمع على أساس اعطاء الرجل مكانة متفوقة وعليا على المرأة على الطفل هو جوهر واساس ما ينطوي عليه القانون الجعفري في العراق الذي أُقٍرَّ منذ عام. ومهمته الاساسية والخطيرة هي اعتبار ارادة الرجل وما يريده هو قرار فصل وأمر حاسم فيما يخص العلاقة التي تربط المرأة والاطفال بالرجل. وما سيسببه ذلك من اثار وخيمة على حياة وحقوق وامان النساء والاطفال من الذكور والاناث. وان كان هنالك اخطاء ترتكب من قبل الرجل فله عقاب اخروي وليس دنيوي باعتباره آثما ان اخل بالتزاماته.
بالتاكيد أخضاع المرأة للرجل وتهميشها-وكذلك الاطفال- أمر لم يأت به القانون الجعفري، فهو موجود منذ مئات السنين وما وجود الحركات النسوية على صعيد عالمي الا للتصدي لهذه المكانة الدونية للمرأة. ولكن هذا القانون كرس الاستعباد رسميا، قَنَوّنَهٌ، وشرحه مفصلا وثبته في اكثر من 300 مادة قانونية.
في الوقت الذي تسعى فيه تيارات سياسية عديدة الى ابعاد تهمة العنصرية عن نهجها والتظاهرة بدفاعها عن المساواة، الا ان القانون الجعفري يدافع صراحة وعلانية عن التمييز واللامساواة بقانون ويدفعه نحو الاسرة والمجتمع .
لم يلد هذا القانون في فراغ، ولم يلد صدفة. فرغم كل المساعي التي سعت اليها المرجعيات الشيعية في خمسينيات القرن الماضي على الغاء قانون الاحوال الشخصية 188 وحاولت وأده في مهده، الا ان العمل به استمر لستة عقود. هذا القانون الذي اصدر في نهاية الربع الاول من القرن الحادي والعشرين، ينسف ماوصل اليه المجتمع العراقي لحد الان من تنظيم اجتماعي ينظم العلاقة بين البشر في اصغر خلاياها وهي " الاسرة".
لقد ولد هذا القانون ل" تشييع المجتمع"، و"تشييع الاسرة"، برسم حقوق افرادها: رجالا ونساء واطفالا وفق هذا المذهب اوالمذاهب. "شيعنة" القوانين و"شيعنة" قانون الاسرة يعني في محتواها فرض قبول "ملكية" الرجل للمرأة، وعدم اعتبار المرأة انسانا كاملا ومتساويا مع الرجل. والقبول بهذا القانون يعني الاقرار على التفريق بين مواطني المجتمع الواحد على اساس جنسهم او نوعهم الاجتماعي. فان ولدت ذكرا، فانت من الفئة الناجية، وان ولدت انثى فانت من المغضوب عليهم.
و ما يترتب على ملكية المرأة، هو امتلاك ما تلده وما تنجبه وما تخلقه المرأة من اولاد وثروات فهي عائدة للمالك- اي الرجل. الرجل يرث عن عن زوجته، ولكن المرأة لا ترث عن زوجها. وهذه الملكية منحت للرجل لارتباطها بقيامه بالنفقة على النساء والاطفال. وبغض النظر اذا كان فعلا قادرا على النفقة عليهم ام لا، فهذا حق معطى له.
في هذا النوع من العلاقة تثبت المكانة الدونية للمرأة وللطفل. فالمرأة لا تملك حقوقا لا في اقرار مصيرها بالزواج، ولا في حريتها في الطلاق، ولا في حضانة الاطفال، ولا في الارث، ولا في مزاولة حرياتها الشخصية بدون موافقة الرجل الذي سيعتبرها ناشزا اذا خرجت عن طوعه. بينما مٌنِحَ حقوقا كاملة ومتفوقة على حقوق المرأة في كل هذه القضايا.
اما الطفل في ظل هذا القانون، معرض لفقدان حقوقه القانونية ببساطة باغفال القانون الجعفري ذكر الزامية تسجيل الزواج بشكل رسمي لدى الدولة( اي كان الزواج دائمي او منقطع). وما يرتب ذلك من فقدان حقوق الطفل كمواطن بدءا من حق التسجيل في المدارس الى استخراج جواز سفر، او الارث والى الاعتراف اساسا بوجوده رسميا.
اذا كان التعداد السكاني يظهر بان مواطنو " الطائفة الشيعية" هم الطائفة الاكبر في العراق، لا يجوز للدولة ان تقبل بتسيير قانون هذه الطائفة التمييزي ضد المرأة والاطفال لينفذ بحق اكبر مجموعة بشرية تعيش في هذا البلد. حيث يجب ان يكون قانون الدولة فوق قانون اية طائفة مهما كبر او صغر حجمها. الدولة يفترض ان تمثل مواطنيها بغض النظر عن هوياتهم الدينية والطائفية. حتى لا ينتهك ساسة اية طائفة حقوق مواطنيها ومواطناتها باسم " المذهب" فقط لانهم انحدروا من نفس الطائفة وخصوصا النساء والاطفال.
وظيفة الدولة والقانون هي حماية الضعفاء، وان لم تفعل الدولة قانون لحماية الضعفاء، تتمدد الطوائف، صغيرة كانت ام كانت كبيرة بفرض قوانينها وتشريعاتها. مثلها مثل قوانين العشائر. ضعف الدولة ادى الى تقوية العشائر، وتراجع الدولة عن قانون اسرة موحد ومنظم لكل المواطنين والمواطنات بغض النظر عن انحداراتهم بل بفعل مواطنتهم، يعني ترك المجال مفتوحا للطوائف لتلعب وتتلاعب بحياة الاجناس الاضعف: النساء والاطفال.
يجب ان تتبنى دولة العراق قانون اسرة يقوم على اساس المساواة بين المواطنين بغض النظر عن جنسهم وانحدارهم الديني والطائفي. وهذا ما لا ينص عليه حتى قانون 188 الذي يعتبر اكثر انصافا بحق النساء والاطفال. عدم قبول قانون اسرة ينص على التمييز والتبعية والاخضاع للرجل من قبل النساء والاطفال هو ليس خرقا للحريات الشخصية في اختيار المذاهب، بل حماية للنساء والاطفال من التلاعب بمصائرهم باسم الدين واسم المذهب.
من اجل حماية حياة النساء والاطفال، يجب ان يكون الزواج احاديا وان يمنع تعدد الزوجات تحت اية اسباب، دينية او مدنية. يجب ان لا تتزوج الصغيرات تحت سن ال18 من العمر واي كانت الاسباب، ويجب ان تلغى كل القوانين التي تتنافى مع هذا المبدأ. فقانون ينص على حق المغتصب او المختطف بالزواج من ضحيته هو تواطؤ مع الجريمة. يجب ان تمنح للرجل والمرأة نفس الحقوق في الزواج و الطلاق وحرية القرار على الامور الشخصية والمدنية وان لا يعطى للرجل حقوقا وامتيازات عن المرأة. يجب ان يكون الارث متساويا، الرجل يرث عن زوجته والزوجة ترث زوجها. حضانة الاطفال يجب ان تنظم لتضمن مصلحة الطفل اولا وقبل اي كان، فحياة النساء والاطفال مهمة، بقدر اهمية حياة الرجل.