|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
لطيفة زهرة المخلوفي
!--a>
2026 / 2 / 6
منذ أن صدحت "سوجورنر تروث" بصرختها الشهيرة: "أولستُ امرأة؟"(1)، انكشف الشرخ العميق بين نسوية بيضاء تحصر نضالها في مصالح نساء الطبقات الوسطى، وبين نساء الهامش اللواتي حملن عبء العبودية والعنصرية والتفقير. تلك الصرخة لم تكن مجرد احتجاج عابر، بل لحظة تأسيسية وضعت اللبنة الأولى لنقد مركزية البياض في الفكر النسوي الغربي، وأعلنت أن التحرر لا يمكن أن يُختزل في النوع وحده، بل يجب أن يفكك شبكة الهيمنة المتداخلة: العرق، الطبقة، والجنس.
لقد مثّل إقصاء متغير العرق من أجندة النسوية البيضاء سؤالًا نقديًا عميقًا حول حدود مشروعها. فمنذ الموجة الأولى، انشغلت هذه النسوية بتلبية طموحات نساء النخبة، عبر التركيز الأحادي على التمييز الجنسي في مجالات التشريع والتعليم والعمل. وهو ما تجسد لاحقًا في تأسيس "المنظمة الوطنية للنساء" سنة 1966 بقيادة "بيتي فريدان"(2) و"غلوريا شتاينم"، حيث بدا المشروع وكأنه يمنح النساء البيض هامشًا من القوة داخل النظام، من خلال منحهن فرص التعليم والمشاركة السياسية، وشغل الوظائف والمهن التي حرمت منها باقي الفئات المهمشة من النساء، وفي مقدمتهن النساء السوداوات اللواتي فُرض عليهن هامش الحياة في المجتمع الأمريكي ( المنع من دخول الحدائق العامة، الحرمان من فرص التعليم الجيد، السكن في هوامش المدن بأكواخ وبيوت مهترئة، الحرمان من الوظائف باستثناء مهن من قبيل: الخدمة المنزلية، بوابين، الدعارة..).
رغم رفع شعار تحرير النساء، لكن الحصيلة هي إشتغال كل تعبيرات الأبارتايد على إنتاج الأبوية الرأسمالية بأشكال جديدة. وبرعاية خطاب نسوي لا ينفذ إلى عمق الهيمنة والاستغلال بل يتوقف عند حدود تكسير سقف الزجاج لضمان استمرار ذات النظام.
في المقابل، برزت أصوات نسوية راديكالية رفضت هذا التصالح مع النظام، ودعت إلى تفكيك كامل لبنية الهيمنة. من أبرزها بيل هوكس(3)، التي صاغت مفهوم "الأبوية الرأسمالية البيضاء" كعدسة نقدية تكشف فساد النظام الأمريكي، مؤكدة أن المساواة داخله غير ممكنة وغير مرغوبة. كتابها "Ain’t I a Woman"(4) كان ردًا على الحاجة إلى نظرية نسوية تحررية تأخذ في الاعتبار تداخل العرق والجنس والطبقة، وتطرح بديلًا جذريًا يتجاوز الإصلاح الجزئي.
أما باتريشيا هيل كولينز، فقد أبرزت أن اضطهاد المرأة السوداء يتجسد في ثلاثة أبعاد متشابكة:
• اقتصادي: حاجة الرأسمالية الأمريكية إلى عمالة النساء السوداوات بأجور متدنية، خاصة في الجنوب.
• سياسي: الحرمان من التصويت والتمثيل والحقوق القانونية.
• أيديولوجي: ترسيخ صور نمطية عنصرية تجعل الاستغلال والاحتقار أمرًا "طبيعيًا".
هذا التحليل يوضح أن اختزال الاضطهاد في التحيز الجنسي وحده هو استهانة بالعنصرية، ويؤدي إلى تفسيرات قاصرة لجرائم الإبادة والحروب.
من جانب آخر، جادلت غلوريا جوزيف بأن النساء البيض لم يكنّ ضحايا فحسب، بل أدوات للنزعة العنصرية ومستفيدات منها في آن واحد. فالامتيازات الواسعة للبياض جعلت مصلحتهن المباشرة هي التمسك بالعنصرية، بما يضمن لهن موقعًا مميزًا داخل النظام الأبوي الرأسمالي.
إن الفهم الذي كرست بيل هوكس حياتها للدفاع عنه ينطلق من رؤية جذرية: لا تحرر دون تفكيك شامل للهيمنة المتقاطعة. فاختزال اضطهاد النساء في التحيز الجنسي هو قبول ضمني باستمرار الرأسمالية بروحها العنصرية، وهو ما يكرس قهر فئات واسعة من النساء ويعيد إنتاج التراتبية.
من هنا، يصبح تفكيك الأبوية الرأسمالية البيضاء ضرورة سياسية وأخلاقية، لا مجرد مشروع نظري. كما كشفت هوكس وكولينز، لا يمكن تحقيق العدالة في ظل نظام يعيد إنتاج الامتيازات البيضاء ويكرس التراتبية الطبقية والجندرية. إن نقد النسوية البيضاء ليس معركة داخلية فحسب، بل امتداد لنضالات عالمية ضد الأبارتايد والصهيونية والعنصرية البنيوية، حيث يتقاطع اضطهاد النساء مع سياسات الإقصاء والتمييز. النسوية التحررية، بما تحمله من رؤية جذرية، هي الطريق نحو تحرر جماعي يتجاوز الحدود، ويعيد الاعتبار للهامش كقوة مؤسسة للتغيير.
الهوامش ــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ سوجورنر تروث، Ain’t I a Woman. ترجمة آية هشام. تحرير فرح برقاوي. ويكي جندر.
2 ـ بيتي فريدان، اللغز الأنثوي (The Feminine Mystique، 1963). ترجمه عبد الله بديع فاضل، دار الرحبة، دمشق، 2014.
3 ـ bell hooks، Feminist Theory: From Margin to Center (1984). ترجم بعنوان النظرية النسوية من الهامش إلى المركز.
4 ـ bell hooks، Ain’t I a Woman: Black Women and Feminism (1981).
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|