|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
يزن تيسير سعاده
!--a>
2026 / 2 / 9
في ظل الجهود الرسمية والمجتمعية لحماية المرأة في الأردن، لا تزال الكثير من النساء يعانين من أشكال مختلفة من العنف النفسي والجسدي، وأحيانًا من خيارات خاطئة ترتبط بالمظاهر أو المال، قبل اكتشاف الجوهر الحقيقي لشريك حياتهن. هذا المقال يسلّط الضوء على قذارة بعض الرجال في معاملتهم للمرأة، هوس السيطرة الذي يقود إلى العنف، وتأثير الأفكار المغلوطة مثل "الكبسولة الحمراء"، مع التأكيد على قدرة المرأة على إعادة تصحيح مسار حياتها والاختيار الواعي لشريك يحترم إنسانيتها.
لا أحد يعلّم المرأة كيف تتحمّل القذارة حين تأتي من أقرب الناس إليها. بعض الرجال لا يسيئون فقط في أفعالهم، بل في نظرتهم، في طريقتهم بالتعامل، في اعتبارهم للمرأة كأنها شيء يمكن امتلاكه، التحكم به، كسره ثم مطالبته بالصمت. قذارة لا تُقال صراحة، لكنها تُمارس يوميًا، حين تُسلب المرأة حقها في الاحترام، ويُنظر إليها كجارية لا كشريكة، وكظل لا كإنسانة كاملة.
الأقنعة التي يرتديها بعض الرجال قد تخدع في البداية؛ كلمات منمّقة، صورة اجتماعية لائقة، وادعاء رجولة سرعان ما ينهار عند أول خلاف، أو أول لحظة يشعر فيها الرجل أن المرأة لم تعد "خاضعة" كما يريد. عندها يظهر الوجه الحقيقي: رداءة أخلاق، تسلّط، واحتقار مقنّع باسم القوامة أو العُرف أو الرجولة الزائفة.
كثير من النساء يدخلن الزواج وهنّ يعتقدن أن الشراكة تعني الأمان، فإذا بهنّ يكتشفن أنهن انتقلن من بيت إلى سجن ناعم الجدران، قاسٍ في روحه. رجال لا يرون في المرأة كائنًا حرًا، له الحق ذاته في الكرامة والاختيار والتعبير، بل يرونها امتدادًا لسلطتهم، يحق لهم رفع الصوت عليها، كسرها نفسيًا، أو حتى إيذاؤها جسديًا، وكأن عقد الزواج يمنحهم ملكية مطلقة.
الرجل المستبد في بيته نادرًا ما يكون مختلفًا خارجه. من يسيء لزوجته غالبًا ما يحمل في داخله نمطًا متجذرًا في التربية، في عقد نفسية قديمة، وفي بعض الحالات هوسًا بالسيطرة على المرأة لأغراض جنسية، مستخدمًا أفكارًا مغلوطة مثل "الكبسولة الحمراء" لتبرير سلطته وقسوته. هذه المعتقدات الخاطئة، المنتشرة أحيانًا في مجتمعات معينة، ساهمت في ازدياد حالات العنف الهمجي ضد المرأة، لأنها تعطي بعض الرجال ذريعة لممارسة السيطرة والتسلط تحت ستار فكر مغلوط عن الرجولة وحق الرجل في “السيطرة” على شريكته.
الخيارات أحيانًا تكون خاطئة من المرأة نفسها. في لحظة تقييم أولية، قد تميل إلى رجل بسبب المال، أو الوسامة، أو المكانة الاجتماعية، لكنها لم تتطلع إلى الجوهر الأهم: أخلاقه، احترامه، قدرته على الحنية، ووعيه لمسؤولية الحياة المشتركة، وخصوصًا دوره في تربية الأطفال وتشكيل مستقبل الأسرة. هذه الأخطاء ليست ضعفًا، بل نتيجة انعدام تجربة أو الانجراف وراء ما يبدو جاذبًا من الخارج، قبل اكتشاف الجوهر الحقيقي للرجل الذي سيصبح شريك حياتها.
في الأردن، ورغم كل الجهود القانونية والمؤسساتية لحماية المرأة، لا يزال الواقع يقول إن العنف ضد النساء حاضر، ومتكرر، وصامت في كثير من الأحيان. نسب ليست قليلة من النساء تعرّضن للإيذاء النفسي أو الجسدي أو اللفظي داخل الزواج، وكثيرات لم يبلغن، ليس لأن الألم لم يكن حقيقيًا، بل لأن الخوف من الفضيحة، أو من المجتمع، أو من الانتقام، كان أقسى من الألم ذاته. وما يُسجَّل رسميًا لا يمثّل إلا جزءًا من الحقيقة. مؤلم أن نسمع عن نساء يتم تعذيبهن على يد أزواجهن، أو التنكيل بأجسادهن كما لو أن الزوجة ملك خاص، والأكثر قسوة أن يُستخدم تشويه السمعة كسلاح حين تطلب المرأة الطلاق، كرد فعل انتقامي غير قانوني وغير أخلاقي. هذا النوع من الرجال لا يؤمن بالعدالة، بل بالانتقام، ولا يعرف الحب، بل يعرف الامتلاك فقط.
ومع ذلك، لا يجب أن تتحوّل التجربة المؤلمة إلى حكم أبدي على جميع الرجال. المرأة التي خرجت من زواج همجي لا يجب أن تحمل خوفها معها إلى الأبد، ولا أن تعاقب نفسها بالشك الدائم. التجربة القاسية قد تكون درسًا، لا سجنًا. وفي المرة القادمة، من حقها أن تختار الرجل الحنون، ذاك الذي لا يرفع صوته ليشعر بالقوة، ولا يجرح ليُثبت رجولته. بعض الصفات لا تُعوَّض: الحنية، الطمأنينة، الاحترام، والقدرة على أن يكون الرجل ملاذًا لا تهديدًا.
المرأة كائن لطيف، قوي برهافته، عميق بصمته، وهي نصف المجتمع لا بمعادلة حسابية، بل بحضور حقيقي لا يكتمل شيء بدونه. من لا يحترم المرأة، عليه أن يعيد النظر في مفهومه عن الرجولة، لأن الرجولة لا تعني الغلبة، بل الرحمة، ولا تعني القسوة، بل اللطف، ولا تُقاس بالسيطرة، بل بالقدرة على الاحتواء.
وربما الأشد قسوة من العنف ذاته، هو ذلك الأثر الذي يتركه في داخل المرأة؛ خوف لا يُرى، تردّد في الثقة، وذاكرة تحاول أن تنسى لكنها لا تستطيع. ومع ذلك، تبقى المرأة قادرة على النهوض، لا لأنها لم تُكسَر، بل لأنها قررت ألا تبقى مكسورة. القوة هنا ليست في الاحتمال، بل في الاختيار الواعي بعد الألم، وفي إعادة تعريف الأمان، لا ككلمة، بل كإحساس صادق لا يوجع.
وهنا لا بد من التوقف عند فكرة "الصفحة المفتوحة". هذه الصفحة لم تُترك مفتوحة لعودة المرأة إلى الزوج الهمجي الذي أساء إليها، ولم تُفتح بدافع الحنين إلى ما كان مؤلمًا. بل تُركت مفتوحة لأن جرم بعض الرجال بحق زوجاتهم لا يمكن حصره في ورقة طلاق، ولا يُغلق بتوقيع رسمي. بعض الصفحات تبقى مفتوحة حتى بعد الانفصال، ليس ضعفًا، بل وعيًا؛ لأن التجربة تظل شاهدة، ولأن الذاكرة جزء من الحماية لا من العذاب.
تبقى هذه الصفحة مفتوحة لتمنح المرأة حق إعادة تصحيح مسارها، وحق الاختيار الثاني دون خوف أو استعجال. اختيار يقوم على ترتيب مختلف للأولويات: الحنية قبل الشكل، الأمان قبل الكلام، السلوك اليومي قبل الوعود. وعلى فترة تعارف أطول، أعمق، تُظهر معدن الرجل الحقيقي، طريقته في الغضب، في الخلاف، في الاحترام، وفي تحمّل المسؤولية تحت السقف ذاته، حيث لا أقنعة ولا مسرح. بعض الصفحات لا تُغلق لأنها لم تنتهِ، بل لأنها تحوّلت إلى درس، وإلى حدّ فاصل بين ما كان يجب أن يُرفض، وما يستحق أن يُختار. والمرأة التي تعلّمت من الألم، لا تبحث عن رجلٍ يُنقذها، بل عن رجل لا يؤذيها، لا يجرح إنسانيتها، ولا يجعلها تشك يومًا بأنها تستحق أقل من الطمأنينة.
هذه الصفحة لم تُترك مفتوحة للعودة…
بل تُركت مفتوحة لأن الحياة ما زالت قادرة على أن تكون أرحم، ولأن بعض النساء يستحققن بداية أنظف، وأهدأ، وأصدق.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|