|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
إلهام الركابي
!--a>
2026 / 2 / 10
كمحامية، أتعامل يومياً مع البيروقراطية القاتلة لا بوصفها خللاً طارئاً يمكن إصلاحه بسهولة، بل باعتبارها جزءاً بنيوياً من النظام ذاته. كل نص قانوني أواجهه أتعامل معه انطلاقاً من وجوده لا من عدالته. أنظر إليه بعينين في آنٍ واحد: عين ترى فيه أداة يمكن استخدامها والدفع بها ضمن الممكن، وعين ترى فيه قيداً يجب التحايل عليه أو الدفاع ضده. هذه ازدواجية لكن لا اتعامل معها كتناقضاً أخلاقياً، بل آلية تفكير قانوني ضرورية في بيئة لا تعمل بالمثاليات، بل بقدرة الفاعل فيها على المناورة داخل النص، لا الوقوف خارجه ورفضه.
بهذا المنطق قرأت تعديل قانون الأحوال الشخصية ضمن ما يُعرف بالمدونة الجعفرية. لم أتعامل معه بوصفه معركة غضب أو لحظة صدام انفعالي، بل كامتداد تاريخي لصراع قديم على المرأة وحياتها وولايتها على نفسها. فالرغبة في فرض هذه المدونة ليست وليدة اللحظة، بل تعود للعام 1923 بما يعرف بقانون المحاكم الشرعية ، وتتكرر بأشكال مختلفة كلما سنحت الفرصة السياسية والاجتماعية لذلك. هذا الإدراك التاريخي لا يخفف من خطورته، لكنه يضعه في سياقه الحقيقي: أزمة متجذّرة لا نصاً معزولاً.
أعرف أن مقاومته المباشرة، بوصفها فعلاً احتجاجياً صرفاً، لها كلفة نفسية وزمنية باهظة، وغالباً ما تكون بلا جدوى حقيقية. وهو، في نهاية المطاف، واحدة من عشرات النصوص التي تنتقص من وجودي كامرأة، وتعيد إنتاج سلطة الآخر عليّ بلغة قانونية صلبة، يصعب كسرها بالشعارات أو الرفض المجرد. حتى قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل، رغم رمزيته التقدمية نسبياً، لم يكن يوماً ضمانة كاملة للعدالة، بل مساحة صراع مفتوحة داخل نص يبدو محايداً ظاهرياً.
من هنا، لا أتعامل مع فكرة التقبّل بوصفها رضوخاً أو تواطؤاً، بل كمرحلة ضرورية للفهم. التقبّل هنا يعني إدراك طبيعة الأزمة، وعمقها، واستمراريتها، قبل محاولة التعامل معها. الفهم في هذه البيئة أقل كلفة من الصراع العقيم، وتحليل النص يمنحني هامش حركة وإن كان ضيقاً أفضل من الاستنزاف في مواجهات خاسرة سلفاً.
وبوصفي مواطنة عراقية، لا أملك رفاهية الانسحاب من هذا الواقع، ولا وهم تغييره دفعة واحدة. لكنني، كمحامية، أعرف أن واجبي لا يقتصر على رفض القوانين التي تقوّض سلطتي على حياتي، بل على معرفة كيف أواجهها: كيف أقرأ ثغراتها، كيف أستثمر تناقضاتها، كيف أستخدم ما تبقّى من نصوص عامة ودستورية، حمايةً لنفسي ولغيري ضمن الممكن لانني أدرك تماماً أن لا ضمانات حقيقية لحقوقي كامرأة في هذا البلد، وربما لا ضمانات راسخة لحقوقي كإنسانة في هذا العالم عموماً. لكنني، في المقابل، أرى دائماً ذلك الهامش الضيق الذي يمكن التحرك داخله بذكاء، لا بوهم الانتصار الكامل، بل بهدف تقليل الضرر وتأجيل الخسارة قدر الإمكان
كمواطنة عراقية اعيش في حالة أزمة مزمنة؛ أزمة لا تُحل بخطاب واحد ولا بقانون واحد، لكن كمحامية أتعلم العيش داخلها دون إنكارها، ودون أن أُستهلك بالكامل.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|