|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

عبدالرحمن محمد محمد
!--a>
2026 / 2 / 10
تمتلك الشعوب الشرق أوسطية في أغلبها ثقافات مجتمعية تقترب في أكثرها وتتشابه، ونحافظ على الكثير من الخصوصية في أحيان أخرى، وفي مجتمعات عدة شعر المرأة أولى خصوصياتها وأكثر ملامح جمالها، وفي العديد من الأديان والثقافات يكاد الشعر أن يصل درجة القداسة والحرمات، ومنها المجتمع الكردي والمجتمع العربي، والشارب بالنسبة للرجل رمزيته.
في المجتمعات الدينية كان الشعر من أبرز ملامح جمال وخصوصيات المرأة وكان الحفاظ علية وستره وحجبه عن العيون إحدى أهم الوصايا والعادات الدينية. وكم من قصة ونص شعري وغزل قيل في الضفائر، وجمالها وكذلك في هيبة الرجال ومكانة الشارب ودلالاتها.
في الثقافة الكردية هناك عشرات ومئات الأغاني التي غُنِّيت عن الشعر والجدائل، ومئات القصائد والنصوص الشعرية والقصص التي روت جمال الشعر وكثافة الجديلة، والأساطير التي دونت حول البعض منها، والموروث الكردي حافل بتلك القصص، ودوما كان المجتمع الكردي يعتبر كشف الشعر أمرا غير محبب، وكان من الواجب أن تستر المرأة شعرها، وتحجبه عن العيون وتفننت في إبداع أنواع وأشكال أغطية الرأس، والشعر الذي عد “نصف جمال المرأة” لا يراه سافرا إلا أقرب المقربين، ومن الدرجة الأولى كالزوج أو الأبناء والأخوة.
مع انطلاقة حركة التحرير الكردستانية، التي ضمت المرأة بشكل واسع وتشكيل وحدات المرأة الحرة كقوات نسائية فقط، والزي العسكري للمقاتلات الكرديات الذي اكتمل في الغالب بتسريحة خاصة “ضفيرة، جدولة” الكريلا الكردية، أصبحت الجديلة رمزا للمرأة الحرة والقوية، والمرأة الواعية والمتمردة على العادات البالية والسلطة الذكورية، وباتت تلك الجديلة “موديلا ورمزا” للفتيات وتسريحة غزت العالم، ومع اندلاع ثورة التاسع عشر من تموز، وانتشار صور المقاومة البطولية في كوباني كانت الجديلة رمز المقاومة والحبل الذي التف حول أعناق المرتزقة، وكذلك في ثورة الجدائل، التي انطلقت في إيران، حيث أصبحت الجديلة رمزا للتمرد على الاستبداد المطلق وانطلاقة للحرية.
في الحديث عن القيم الرمزية والثقافة المجتمعية والموروث الاجتماعي ودلالات هذه القيم، لا يغيب الشارب عن المشهد، وإن كان نصف جمال المرأة في شعرها، وإن كان الحفاظ عليه، وحرمته من الشيم الموروثة في أغلب المجتمعات الشرقية، فإن الشارب له دلالات أيضا تدل على الهيبة والرفعة والسمو، والاعتداد بالنفس، ولا يغيب عنا أن الكرد والعرب على حد سواء كانوا يجلُّون الشوارب، وكانت الكلمة المتعارف عليها “خذها من هذا الشارب”، أي إن طلب صاحب الحاجة سيُجاب وإن كلف ذلك حياة من يَعِدُ بذلك، والأمثلة والقصص الشعبية كثيرة في ذلك، وأيضا بعض المقولات: “شواربو بيوقف عليهم النسر”، ولا غرابة إن رأينا أغلب صور القادة والزعماء وهي تبرز تلك الشوارب كدليل على الوجاهة والرجولة والاعتداد بالنفس.
ومن بين شعوب المنطقة عرف الإيزيديون والدروز باهتمامهم بالشوارب وإكرامها وإطلاقها، والعناية بها كرمزية اجتماعية ودينية، ولها خصوصية عقائدية إثنية ومجتمعية خاصة.
ما دعانا اليوم للخوض في هذه المسألة هو حدث قديم جديد، فالأحداث التي تدور في سوريا تعود أدراجها إلى البدايات والانتهاكات بحق المقدسات والرموز الاجتماعية، لا تكاد تتوقف وكلنا يذكر تدمير المزارات الدينية من مرتزقة داعش بداية سيطرتها على مناطق من سوريا والعراق، وتدمير مدن ومتاحف أثرية في الموصل ونينوى وسري كانية وتدمر، ولم تكد هيئة تحرير الشام تبسط سيطرتها على سوريا، وتحت مسميات وتحالفات جديدة حتى عادت الأحداث تتكرر وبشكل منفر وتصرفات مقززة وأعمال تقشعر لها الأبدان.
مناظر قص الشوارب التي أقامت الدنيا إبان أحداث السويداء السورية هزت المجتمع السوري، وتعالت الصيحات بأن اليد التي تحاول إهانة كرامة مواطنين سوريين يجب أن تقطع، ولكن تلك الأيادي لم تحاسب، وبقيت لتمتد حيث شاءت وترتكب المزيد من الآثام.
الأحداث الأخيرة التي مرت وتمر بها مناطق الإدارة الذاتية، والتركيز على استهداف الكرد عادت لواجهة الأحداث، وتعالت من جديد الأصوات الشوفونية، وتصاعدت نبرة العنف وخطاب الكراهية، والأيادي ذاتها، التي امتدت إلى شوارب الدروز، امتدت إلى جدائل الكرديات القديسات.
كائن في هيئة رجل، يخرج على العالم وعبر مقطع فيديو مصور وبيده جديلة فتاة، فتاة كردية، سورية، فتاة من هذه الجغرافيا، التي حلت عليها لعنة التطرف الديني والتوحش والنزعة الهمجية، وكأنما حرر هذا المعتوه كل الأراضي المحتلة، أو كأنه أطعم جياع العالم، وكسا كل محتاج فيه بكساء، ولبى حاجته من الطعام والغذاء، ومن ثم بكل صفاقة وأخلاق دونية يقول، إنها ضفيرة واحدة من “الهفالات” ناسيا أو متناسيا إن تلك “الهفالة” ورفاقها، ورفيقاتها دافعوا وما زالوا يدافعون عن كرامته، وشرفه، بل وعن وجوده.
الآلاف من النساء تضامنت مع تلك الفتاة صاحبة الضفيرة، الآلاف منهنَّ، وعبر مقاطع فيديو، جدلن ضفائرهن تضامنا معها، والملايين استهجنوا ما قام به ذلك المعتوه.
لم تكن هذه ثقافة شعوبنا، ولن تكون، لم ولن تكون هذه ثقافة ثوار، ولا هكذا يتعامل الأحرار، تلك الأيادي الآثمة التي اغتالت هفرين خلف، واليد التي امتدت بكل حقد لتقص تلك الشوارب رمز الإباء، وتلك اليد التي قصت تلك الضفيرة، هي اليد الملطخة بالدم والعار والفتنة نفسها، تلك الأيادي غريبة عنا، ولا تمثل ثقافة شعوب سوريا بعربها وكردها وسريانها، بكلدانها وتركمانها وآشورها، ثقافة شعوب سوريا ثقافة تسامح وتشارك، ومصير واحد أما تلك الثقافات فلا مكان لها ها هنا، ولن يكون.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|