المرأة في المتخيّل الديني



العفيفي فيصل
2026 / 2 / 13

كثيرة هي التصورات والرموز المتعلقة بالمرأة من الناحية الثقافية والميثولوجية قد تسللت إلى المخيال الديني المعاصر من دون التواجد في النصوص المقدسة بالضرورة، فما يوجد من أفكار تُشيطن المرأة، وتحتقرها، وتجعلها في مرتبة دونية، لم تولد من فراغ، بل وُلِدت من أساطير الأديان الوثنية التي كانت مرآة عاكسة لظاهرة الباترياكية التاريخية (الانقلاب الذكوري)، وقد جُعِلت الأنثى تتحمّل مسؤولية وجود الشر في الكون، وجزء من هذا المخيال الأسطوري القديم انتقل إلى خطابات دينية وأخلاقية معاصرة في صور بعضها يحمل دلالات لاهوتية (عقدية).
قد نبدأ من العقل الديني الإغريقي الذي ساهم في تشويه صورة المرأة، انطلاقا من أسطورة باندورا التي لم تكن إنسانة طبيعية، بل هي العقاب الإلهي للبشر من خلال صندوقها الذي صدر منه كل الشر، ومن هنا جاءت فكرة أن الأنثى مسؤولة عن الشر الذي لحق بالإنسانية، وهي نفسها الفكرة من حيث البنية الرمزية للقصة التي نجدها في سرديات دينية أخرى ربطت المرأة بالخطيئة الأصلية، أما أسطورة الساحرة ميديا التي قتلت أطفالها انتقاما من زوجها الخائن، فهي تعبير عن قوة المرأة التدميرية، وشدة مكرها، وقساوتها اللامحدودة في حالة عدم ضبطها، وهذا النموذج تحوّل فيما بعد إلى خوف دائم من حريّتها، وإلى تصوير عاطفتها كخلل ونقيصة فيها، وبالنسبة لأسطورة هيلين وحرب طروادة، فلم تكن هذه السيدة الجميلة ضحية صراع وطموح سياسي، بل هي سبب الحرب التي استمرت عشر سنوات، وهكذا صارت المرأة فتنة تشعل الاقتتال بين الرجال، وهذا النموذج لا يزال يتكرر كثيرا في الأدبيات الدينية المعاصرة التي جعلت من الأنثى وجسدها سببا للفتنة، والصراع، والكوارث الاجتماعية والطبيعية، بل ولعّل ما ساهم بقوة في ترسيخ هذا المفهوم إلهة الحب والجمال أفروديت، لأن هذه الأسطورة جسّدت حرفيا فكرة أن قيمة المرأة متعلقة بجسدها، وجاذبيتها، وإثارتها الجنسية، وهي نفس الرؤية التي تحوّلت عبر التاريخ إلى منظومة دينية وأخلاقية (ربط الشرف بجسد المرأة).
بالنسبة لأديان مصر الأهرامات، فقد ارتبطت صورة الأنثى بشخصية إيزيس الأسطورية، وهي إلهة السحر والقدرة على التحكم في قدر ومصير البشر، ولهذا كانت تثير مخاوف الناس، وربما هذا الخوف والشك هو الذي لا يزال يظهر كلما حاولت المرأة في مجتمعاتنا الخروج عن أدوارها التقليدية، واقتحام ميادين العمل والعلم والسياسة، وإن غصنا أكثر في عمق تاريخ الحضارات، فلابد من الإشارة إلى الإلهة عشتار في حضارة بلاد الرافدين لأنها جسدت الوجه المزدوج للأنوثة (تمنح الحياة والفناء)، ما يعني أن المرأة بقدر جمالها ونعومتها فهي أيضا خطيرة وشريرة ومدمرة، وهي نفس الفكرة التي نلمسها في خطاباتنا المختلفة إذ ترى فيها كائنا يجب مراقبته جيدا، وتحديد صلاحياته، ولو بشعارات أخرى (تكريمها، حمايتها).
في أديان آسيا وخاصة الهندوسية، بلغت الأسطورة ذروتها مع الإلهة كالي (رمز الدماء ودمار العالم)، فلا توجد صورة لها إلا وهي فوق الجثث أو حاملة للرؤوس المقطوعة، وهذه الصورة الدموية المخيفة تختزل فكرة ربط المرأة بالفساد والهلاك في حالة عدم تقييدها، ومن هذه الرمزية خرجت ثقافة شعبية عند الآسياويين تخشى حرية المرأة.
إن أخطر ما حدث عبر التاريخ أن الرسالات التوحيدية حملت تعاليم تحرير الإنسان بصفة عامة، والمرأة بصفة خاصة، إلا أن القراءات والتفاسير البشرية لها لم تخلوا من إعادة تدوير الأساطير بقوالب القداسة، لأن الإنسان لا يتحرّر بالمطلق من ذاكرته القديمة، حيث تمّ تحويل ذلك الاحتقار الميثولوجي للمرأة إلى عقائد مغلقة، أي تحويل المتخيّل الأسطوري إلى اليقين اللاهوتي، وإن كان عصرنا لا يشهد رواية الأساطير كما كانت تُروى في معابد سومر واليونان، إلا أنها لا تزال تعيش داخل اللغة التي تصف المرأة، وداخل القوانين والأعراف التي تتناول حياتها، وداخل الفوبيا التي تحاصر حريتها، فالأساطير لا تموت بل تتكيّف وتغيّر أسماءها فقط، ولهذا المجتمعات التي تقمع الجنس اللطيف لا تدافع عن الدين كما تتوهم، بل تدافع عن خرافات الأولين، والمؤسف أن الخلط بين المقدس والموروث الثقافي جعل التفكير في التمييز بينهما من الممنوعات، وهكذا يمكن القول أن الكثير مما عندنا من المسلمات ليست في الحقيقة بالشريعة الربانية بقدر ما هي بقايا خيال أسطوري يسكن وعينا الجماعي.