|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
يزن تيسير سعاده
!--a>
2026 / 2 / 16
لم تعد أخطر التحولات في مجتمعنا تلك التي تحدث في القوانين أو المؤسسات، بل تلك التي تتسلل بهدوء عبر الشاشات الصغيرة إلى عقول الشباب. مصطلحات مثل "الحبة الحمراء" و"الحبة الزرقاء"، التي خرجت أصلًا من فيلم The Matrix بوصفها استعارة فلسفية عن الوعي والحقيقة، لم تبقَ في إطارها الثقافي، بل تحولت إلى خطاب يُعاد إنتاجه في سياق أردني مختلف تمامًا عن البيئة التي نشأ فيها. ومع هذا الاستيراد غير النقدي، دخلت إلى بيوتنا نظرة تختزل المرأة وتضع العلاقة بين الرجل والمرأة في إطار صراع دائم.
في الأردن، حيث يعاني كثير من الشباب من بطالة مرتفعة، وضغط اقتصادي متصاعد، وصعوبة في تأمين متطلبات الزواج والاستقرار، يصبح البحث عن تفسير سريع للأزمة أمرًا مفهومًا. غير أن الخطورة تكمن حين يُعاد توجيه الغضب من الظروف البنيوية إلى المرأة نفسها. بدل مساءلة الواقع الاقتصادي أو السياسات أو حتى خيارات الفرد الشخصية، يجري تقديم المرأة كسبب ضمني للفشل: هي "المادية"، وهي "التي تبحث عن الأقوى"، وهي "التي لا ترضى إلا بالأفضل". هكذا تتحول أزمة معيشية مركبة إلى اتهام أخلاقي مبسط.
خطاب "الحبة الحمراء" في نسخته المتداولة رقميًا يقدّم نفسه بوصفه كشفًا للحقيقة. لكنه في التطبيق المحلي يتحول إلى عدسة مشوهة يرى من خلالها بعض الشباب كل تفاعل مع المرأة بوصفه لعبة مصالح. يُنصح الرجل بألا يُظهر عاطفته، وألا يمنح ثقة كاملة، وألا يتعامل بندّية، بل أن "يضبط الإيقاع" ويُبقي الطرف الآخر في حالة احتياج دائم. هذه اللغة، حين تُترجم إلى سلوك، لا تنتج علاقة ناضجة، بل علاقة قائمة على الشك والاستعراض.
الأخطر من ذلك هو الانحدار الأخلاقي في توصيف المرأة داخل بعض مساحات هذا الخطاب. تُختزل في جسد، وتُعرّف بوظيفتها الجنسية، ويُعاد تقديمها كأداة متعة يجب التحكم بها حتى لا "تخرج عن السيطرة". يُتداول الكلام عن "قيمتها السوقية"، وعن "ذروتها الزمنية"، وكأننا أمام سلعة تخضع لقوانين عرض وطلب، لا أمام إنسان كامل الكرامة. هذا الوصف ليس مجرد رأي صادم، بل مؤشر على خلل عميق في فهم معنى العلاقة.
في مجتمع محافظ كالأردن، تُراقَب المرأة في تفاصيل لباسها وسلوكها، ويُحمّل جسدها عبء "الشرف العام"، ثم تُتَّهم في الوقت ذاته بأنها صاحبة النفوذ الخفي والمستغلة الكبرى. كيف يمكن أن تكون المرأة، في الوقت نفسه، مقيدة اجتماعيًا ومهيمنة بالكامل؟ هذا التناقض يكشف أن المسألة ليست في سلوك النساء، بل في صورة مرتبكة عنهن، صورة تريدهن خاضعات حين يناسب ذلك، ومتهمات حين يطالبن بحقوقهن.
ولا يمكن إنكار أن بعض النساء قد يتصرفن بأنانية أو سطحية، كما يفعل بعض الرجال تمامًا. لكن تحويل سلوك فردي إلى قانون يحكم نصف المجتمع هو قفز غير علمي وغير عادل. في الأردن كما في أي مكان آخر، هناك نساء يكافحن يوميًا من أجل التعليم والعمل والاستقلال، يتحملن مسؤوليات أسرية واقتصادية، ويواجهن قيودًا اجتماعية لا يختبرها الرجل بالقدر نفسه. اختزال كل هذا في صورة "آلة للجنس" أو "مشروع استغلال" ليس فقط ظلمًا، بل تجاهلًا للواقع.
المشكلة أن هذا الخطاب لا يبقى في إطار التنظير. ينتقل إلى الجامعات، إلى أماكن العمل، إلى جلسات الأصدقاء. يصبح الشك قاعدة، والريبة منهجًا. ينظر الشاب إلى زميلته بعين حذرة مسبقة، لا كشخص قد يشاركه الطموح أو الهم، بل كخصم محتمل في لعبة مصالح. ومع تكرار هذه العدسة، تتآكل إمكانية الثقة، وهي العمود الفقري لأي علاقة مستقرة.
كما أن هذا الطرح يسيء للرجل بقدر ما يسيء للمرأة. فهو يصوره ككائن لا تحركه إلا الرغبة في السيطرة، وكأن قيمته لا تُقاس إلا بقدرته على إخضاع الآخر. يُجرّد الرجل من حقه في الضعف، في التعبير عن مشاعره، في البحث عن شراكة قائمة على التكافؤ. يتحول إلى ممثل دائم لدور القوة، حتى لو كان في داخله قلقًا وخائفًا من الفشل.
الحقيقة أن الأزمة أعمق من مصطلح عابر. نحن أمام جيل يواجه ضغوطًا اقتصادية واجتماعية هائلة، ويبحث عن معنى واستقرار في واقع متغير. بدل أن نفتح نقاشًا صريحًا حول إصلاحات اقتصادية، أو تطوير سياسات دعم للشباب، أو إعادة تعريف مفاهيم الزواج والشراكة، نسمح لخطاب سطحي أن يختزل المشكلة في "طبيعة المرأة". هذا الاختزال مريح، لأنه يضع اللوم خارج الذات، لكنه لا يقدّم حلًا.
المرأة الأردنية اليوم ليست هامشًا في المجتمع. هي معلمة وطبيبة وصحفية وقاضية وصاحبة مشروع صغير، وهي أيضًا أم تدير بيتًا في ظل ضغوط اقتصادية قاسية. ذكاؤها ليس ادعاءً عاطفيًا، بل واقع ينعكس في قدرتها على التكيف والصمود. دورها في بناء الوعي الأسري، وفي الحفاظ على تماسك العلاقات، عنصر لا يمكن تجاهله. وأي خطاب يُصر على اختزالها في جسد أو وظيفة ضيقة، إنما يعكس خوفًا من حضورها، لا فهمًا لحقيقتها.
لسنا بحاجة إلى "حبة" تكشف لنا سرًا عن الآخر، بل إلى شجاعة تعترف بأن العلاقة مسؤولية مشتركة. لا يمكن لأي مجتمع أن يستقر إذا كان نصفه يُشيطن النصف الآخر. الكرامة ليست امتيازًا يُمنح، بل حق متبادل. والاحترام ليس تنازلًا عن الرجولة، بل تجسيد لها في أرقى صورها.
في «الصفحة التي تركناها مفتوحة» لم يكن المقصود تعليق الأسئلة في الهواء، بل إبقاء مساحة للمراجعة. أن نسأل أنفسنا قبل أن نصدر حكمًا، وأن نفهم السياق قبل أن نعمّم الاتهام، وأن نختار بناء الثقة بدل تغذية الشك. هذا هو الدستور غير المكتوب للعلاقات الاجتماعية: أن نرى الإنسان قبل الصورة، والعقل قبل الجسد، والقيمة قبل المنفعة.
فحين تُستورد الكراهية إلى بيوتنا تحت لافتة "الوعي"، لا تكون المشكلة في المرأة، ولا حتى في المصطلح نفسه، بل في استعدادنا لتصديق سردية تختزل إنسانًا كاملًا في فكرة ضيقة. والمجتمع الذي يسمح بهذا الاختزال، يخاطر بأن يخسر توازنه، قبل أن يخسر معركته الوهمية.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|