|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
يزن تيسير سعاده
!--a>
2026 / 2 / 17
لنبدأ من الحقيقة التي يتجنبها كثيرون: هناك رجال لا يخافون من المرأة الضعيفة، بل من المرأة التي لا تحتاجهم. يخافون من امرأة تعرف ماذا تريد، تعمل، تكسب، تناقش، وتقول "لا" بثبات. ليست المشكلة في قوتها، بل في ارتباك تعريفهم لأنفسهم أمامها. حين تقف امرأة مستقلة أمام رجل اعتاد أن تُقاس قيمته بمدى حاجة الآخرين له، تهتز المعادلة. لا لأن المرأة تجاوزت حدودًا، بل لأن تلك الحدود كانت وهمًا تربويًا أكثر منها قاعدة أخلاقية.
في الأردن، كما في مجتمعات كثيرة، تشكّل وعي أجيال كاملة على فكرة أن الرجولة تعني الإعالة أولًا، والقرار أولًا، والصوت الأعلى أولًا. لكن الواقع تغيّر. الجامعات تمتلئ بطالبات متفوقات، وسوق العمل يشهد حضورًا نسائيًا لافتًا، والمبادرات الريادية تقودها شابات يفرضن أسماءهن بجدارة. هنا تبدأ المفارقة: المجتمع يحتفي بنجاح المرأة في العلن، لكنه يتردد في قبوله حين يدخل البيت. الإعجاب شيء، والشراكة شيء آخر.
تظهر علامات الارتباك في لغة يومية مألوفة: "لا أريدها أقوى مني"، “المرأة لازم تحتاج الرجل”، "إذا استغنت عنا شو ظلّ إلنا ؟". هذه العبارات لا تكشف خوفًا من امرأة بعينها، بل خوفًا من فقدان امتياز اعتُبر طويلًا حقًا طبيعيًا. الرجولة الصحية لا تُختزل في الإنفاق، ولا تُقاس بعلو الصوت. أما الرجولة الهشّة فتربط قيمتها بظلّ امرأة أقصر منها خطوة، فإذا تقدمت خطوة شعرت بأنها تتراجع.
ليس الحديث هنا حربًا بين الرجال والنساء، بل عن أزمة تعريف. حين يُربّى الشاب على أن القيادة مقعد واحد، سيخاف من أي شراكة حقيقية. وحين تُختزل الكرامة في السيطرة، سيُساء فهم الندية على أنها تحدٍّ. لذلك، لا يكون نجاح المرأة فرصة لبناء فريق أقوى، بل اختبارًا مؤلمًا لذات لم تتعلّم أن ترى القوة في التعاون.
تتغذّى هذه الهشاشة من خطاب رقمي يروّج لفكرة أن "الرجل الحقيقي" يجب أن يكون محور الحاجة. تُختزل العلاقة في ميزان قوة، ويُختزل الحب في طاعة. وإذا لم تتحقق المعادلة، تُلصق بالمرأة تهم جاهزة: متعالية، باردة، أنانية، "مسترجلة". كأن الطموح عيب، وكأن الاستقلال جريمة. هذا الخطاب لا يحمي الرجل، بل يضعه في قفص توقعات غير واقعية؛ فإذا تعثّر اقتصاديًا أو تغيّرت الظروف، انهارت الصورة معه.
المفارقة أن كثيرًا من هؤلاء الرجال ينجذبون في البداية إلى المرأة الواثقة. تعجبهم شخصيتها، طموحها، حضورها. لكن حين تتحول العلاقة إلى مساحة قرار مشترك، يظهر التوتر. لماذا؟ لأن الإعجاب من بعيد لا يكلّف شيئًا، أما الشراكة فتتطلب إعادة توزيع للسلطة الرمزية داخل العلاقة. هنا يُختبر النضج: هل أستطيع أن أكون قويًا دون أن أكون مسيطرًا؟
في المقابل، هناك رجال كثر لا يرون في المرأة القوية تهديدًا، بل سندًا. يفهمون أن الندية تخفف العبء، وأن الحوار ينضج القرار، وأن الاحترام المتبادل أكثر صلابة من أي وصاية. هؤلاء لا يقيسون كرامتهم بمقارنة دائمة، ولا يحتاجون إلى إضعاف أحد كي يشعروا بالقيمة. الرجولة عندهم مسؤولية وخلق وقدرة على الإصغاء، لا سباقًا على من يقود.
السؤال الصريح إذن: أي رجل تخيفه المرأة القوية؟ تخيف من بنى هويته على امتياز غير مُساءل. تخيف من يرى الشراكة منافسة. تخيف من لم يتصالح مع ضعفه الإنساني بعد. أما من أدرك أن القوة لا تُستمد من احتياج الآخر، فلن يخاف. سيختلف، سيجادل، لكنه لن يُقصي. سيختار أن يتطور بدل أن يتقوقع.
نحن بحاجة إلى مراجعة تربوية عميقة. أن نعلّم أبناءنا أن الرجولة ليست قفصًا من التوقعات الثقيلة، ولا عقدة تفوق مستمرة. أن القيادة في البيت ليست مقعدًا واحدًا، بل عملية مشتركة تتبدل فيها الأدوار بحسب الظرف والكفاءة. وأن الاعتراف بقدرات المرأة ليس تنازلًا، بل نضجًا. المجتمع الذي يزرع الخوف من امرأة مستقلة، يزرع خوفًا أكبر من العالم المتغير.
الواقع الاقتصادي يزيد الصورة وضوحًا. الضغوط المعيشية لا ترحم أحدًا، وتحمّل الرجل وحده عبء الإعالة لم يعد وصفة واقعية. الشراكة ليست رفاهية، بل ضرورة. حين تعمل المرأة وتنجح، لا تُنقص من قيمة الرجل، بل ترفع سقف الأمان للجميع. العلاقة التي تقوم على توزيع عادل للمسؤوليات أقدر على الصمود من علاقة تُدار بعقلية التفوق.
قد يُقال إن وصف "الرجولة الهشّة" قاسي. لكن القسوة أحيانًا مرآة صادقة. التشخيص ليس إدانة للرجال، بل دعوة إلى نسخة أوسع من أنفسهم. نسخة لا ترتبك أمام نجاح شريكة، ولا ترى في الندية تهديدًا، ولا تُحوّل الحب إلى ميزان قوة. نحن لا نحتاج إلى رجال أقل قوة، بل إلى قوة لا تخاف.
لا مستقبل لعلاقة تقوم على الخوف، ولا معنى لرجولة تُقاس بمدى احتياج امرأة لها. الكرامة الحقيقية لا تُبنى على التفوق على الشريك، بل على القدرة على الوقوف إلى جانبه دون ارتباك. الرجل الواثق لا تهزه امرأة ناجحة، ولا تُربكه شريكة مستقلة؛ لأنه لا يرى في نجاحها خصمًا، بل امتدادًا لمساحة مشتركة من الطموح. المرأة القوية ليست تهديدًا، بل اختبارًا صادقًا لنضج الرجل: هل يرى فيها ندًا يحترمه، أم ساحة يثبت فيها سيطرته؟ في أردن يتغير سريعًا، حيث تتقدم النساء في الجامعات وسوق العمل والمبادرات العامة، لم يعد السؤال إن كانت المرأة ستواصل الصعود، بل إن كان تعريف الرجولة سيتسع ليتسع لها. من يختار الشراكة بدل الهيمنة، والاحترام بدل القلق، لا يخسر مكانته، بل يربح نفسه أولًا، ويؤسس لعلاقة لا تقوم على الحاجة، بل على الاختيار الحر والكرامة المتبادلة.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|