العلاقات السرية في المجتمع الأردني: ازدواجية أخلاقية أم نتيجة طبيعية للكبت؟



يزن تيسير سعاده
2026 / 2 / 18

في المجتمع الأردني، نحب أن نبدو مثاليين. نتحدث كثيرًا عن القيم، وعن الالتزام، وعن "سمعة العائلة"، لكن خلف هذا الخطاب الصارم تعيش قصص لا تُحكى. علاقات تبدأ بصمت، تستمر في الخفاء، وتنتهي أحيانًا بخوف أو فضيحة. السؤال ليس هل توجد علاقات سرية، بل لماذا أصبحت هي المساحة الوحيدة الممكنة لكثير من الشباب؟

المجتمع لا يمنع الحب، بل يمنع الاعتراف به. الشاب والشابة قد يتعارفان عبر الجامعة أو العمل أو وسائل التواصل الاجتماعي، لكن التعبير العلني عن العلاقة يتحول فورًا إلى تهمة. لذلك لا يجدان سوى السرية طريقًا. ليس لأنهما يريدان الكذب، بل لأن الصراحة مكلفة. في العلن نرفع شعارات الأخلاق، وفي الخفاء نحاول أن نعيش ما نمنعه على أنفسنا.

المفارقة المؤلمة أن المشكلة ليست في وجود العلاقة، بل في انكشافها. كثيرون لا يعترضون على الفعل بحد ذاته بقدر ما يعترضون على الفضيحة. الأخلاق هنا تتحول إلى إدارة صورة لا إلى قناعة داخلية. المهم أن لا يُكشف الأمر، لا أن نفهمه أو نتعامل معه بوعي ونضج.
هذا الواقع يخلق جيلًا يعيش بوجهين. وجه أمام الأهل والمجتمع، ووجه خلف الشاشة. ضغط نفسي دائم، خوف من تسريب صورة أو رسالة، قلق مستمر من كلمة قد تصل إلى الشخص الخطأ. العلاقة التي من المفترض أن تكون مساحة أمان تتحول إلى مساحة توتر. ومع الوقت، يضعف الإحساس بالثقة، ويصبح الخوف جزءًا من التجربة العاطفية نفسها.

السوشال ميديا زادت المشهد تعقيدًا. من جهة، منحت الشباب فرصة للتواصل بعيدًا عن القيود التقليدية. ومن جهة أخرى، جعلت كل شيء قابلًا للانتشار خلال ثوانٍ. صورة واحدة قد تهدد مستقبل فتاة أكثر مما تهدد مستقبل شاب. وهنا تظهر الفجوة بوضوح: المرأة تُحاسَب مضاعفًا، وتُدان أسرع، ويُنظر إليها باعتبارها "المسؤولة" عن السمعة، بينما يملك الرجل مساحة أكبر للمراوغة.

نحن أمام سؤال حقيقي: هل يفضل المجتمع زواجًا سريعًا دون معرفة حقيقية، أم تعارفًا ناضجًا لكنه غير معلن؟ لماذا نخاف من فكرة أن الشاب والشابة قد يحتاجان وقتًا لفهم بعضهما قبل الارتباط الرسمي؟ أليس التعارف الصادق أكثر أمانًا من قرارات متسرعة تُتخذ تحت ضغط التقاليد؟

العلاقات السرية ليست تمردًا دائمًا، وليست خيانة بالضرورة. في كثير من الأحيان هي نتيجة مباشرة لبيئة لا تعترف بوجود مشاعر خارج الإطار الرسمي. وعندما يُغلق الباب أمام التعبير الطبيعي، يبحث الناس عن نافذة. المشكلة ليست في الحب، بل في الخوف من رؤيته.
إذا استمررنا في إنكار الواقع، ستستمر السرية، وسيستمر معها الضغط النفسي والازدواجية. أما إذا واجهنا الحقيقة بجرأة، وفتحنا نقاشًا صريحًا حول حدود الحرية والمسؤولية، يمكن أن نخلق بيئة أكثر صدقًا، وأكثر توازنًا، وأقل نفاقًا.

المجتمع الذي يمنع الشباب من التعبير الطبيعي عن مشاعرهم لا يلغي الحب، بل يدفعه إلى الظل. والسؤال الذي يجب أن نطرحه بصدق: هل نحن خائفون من الخطأ، أم خائفون من الحقيقة؟