منار زبيدة: أن ترفض المرأة أن تُختزل في انكسارها



رانية مرجية
2026 / 2 / 26

ليست الحكاية في أن امرأة نجحت على منصة رقمية.
الحكاية في أن امرأة قررت ألا تُختزل في اللحظة الأصعب من حياتها.

سيرة منار زبيدة لا تُقرأ كقصة صعود عادية، بل كتمرين طويل على إعادة تعريف الذات. طفولة محمّلة بمسؤوليات مبكرة، طلاق في سن صغيرة، أمومة منفردة لطفلين، ثم حضور واسع في فضاء رقمي لا يرحم الضعف ولا يغفر التردد.

السؤال ليس كيف وصلت، بل كيف أعادت رسم موقعها في مجتمع يضع للنساء شروطًا غير مكتوبة، ويحاسبهنّ عليها بصرامة.

طفولة بلا ترف البراءة

عندما تعيش فتاة في الحادية عشرة في مدرسة داخلية بسبب ظرف صحي ألمّ بوالدتها، فالأمر لا يتعلق فقط بابتعاد مكاني، بل بتحوّل داخلي مبكر.
هناك تتعلم أن الأمان ليس حقًا ثابتًا، وأن المسؤولية قد تسبق النضج.

هذا النوع من التجارب لا يصنع بطولة، بل يصنع وعيًا قاسيًا بالحياة. وعيًا بأن الاعتماد على الذات ليس خيارًا مريحًا، بل ضرورة.

الطلاق: اختبار للهوية لا للسمعة

في الخامسة والعشرين، وجدت منار نفسها أمًا لطفلين صغيرين بعد تجربة طلاق.
في بيئة اجتماعية لا تنظر دائمًا إلى الطلاق ببرود، تتحوّل المرأة المطلقة إلى موضوع تقييم دائم: أخلاقيًا، واجتماعيًا، وأموميًا.

غير أن المفصل الحقيقي في قصتها لم يكن الطلاق ذاته، بل ما تلاه.
بدل الانكماش داخل صورة جاهزة، اختارت إعادة البناء.
اليوم، يكبر طفلاها — في الحادية عشرة والتاسعة — في مساحة صنعتها بجهد يومي صامت.
نجاحها هنا لا يُقاس بالشهرة، بل بالاستقرار.

الظهور كفعل غير محايد

على المنصات الرقمية، تبدو منار كغيرها من صانعات المحتوى: يوميات، مواقف، تفاعل مباشر.
لكن الظهور بحد ذاته ليس فعلًا محايدًا.

أن تظهر امرأة مطلقة، عاملة، مسؤولة عن طفلين، وتتحدث عن حياتها بلا اعتذار، فهذا يزعزع صورة نمطية راسخة: أن الانكسار يجب أن يُدار في الخفاء.

لا تقدّم خطابًا نظريًا عن تمكين المرأة، لكنها تمارسه علنًا.
لا تعلن ثورة، لكنها ترفض التراجع.

في فضاء يقوم غالبًا على الاستعراض، تطرح نموذجًا أكثر بساطة وأقل ادعاءً.
والبساطة حين تكون صادقة، تصبح موقفًا.

العمل: معنى لا واجهة

بعيدًا عن الشاشة، تعمل منار مركّزة في دار رعاية لذوي الإعاقة الذهنية التطورية.
هذا النوع من العمل لا يمنح بريقًا، لكنه يمنح اختبارًا يوميًا للقدرة على الصبر والالتزام.

كما تعمل مساعدة أسنان للأطفال، في مساحة يتقاطع فيها الخوف الصغير مع الحاجة إلى الطمأنة.
في كلا الدورين، يتكرر خيط واحد:
العمل ليس مجرد مصدر دخل، بل ممارسة أخلاقية.

الاحتكاك اليومي بالهشاشة الإنسانية يعيد ترتيب الأولويات.
وربما لهذا لا تبدو قصتها استعراضًا لقوة، بل تعبيرًا هادئًا عنها.

القوة: حين لا يكون لديك خيار آخر

يُحتفى كثيرًا بصورة “المرأة القوية”، لكن القوة في حقيقتها ليست دائمًا اختيارًا.
أحيانًا تكون استجابة لغياب البديل.

الفارق لا يكمن في مواجهة الظروف، بل في ما بعد المواجهة:
هل يتحوّل الألم إلى هوية، أم إلى دافع لإعادة الصياغة؟

في حالة منار، لا نجد خطاب شكوى دائمًا، ولا ادعاء بطولة.
نجد إصرارًا متكررًا على الاستمرار، وعلى رفض أن تكون اللحظة الأصعب تعريفًا نهائيًا.

ما الذي تمثّله هذه السيرة؟

يمكن اختزالها في لقب لامع أو في رقم متابعين.
لكن القراءة الأعمق تكشف ما هو أبعد: امرأة من خلفية عادية، واجهت الطلاق والأمومة المنفردة والعمل الشاق، ثم قررت أن تكون حاضرة في المجال العام من دون أن تعتذر عن قصتها.

هي ليست استثناءً خارقًا، بل احتمالًا مفتوحًا.
احتمال أن تعيد المرأة تعريف نفسها خارج الشفقة، وخارج الأحكام الجاهزة، وخارج الهامش.

في النهاية، لا تكمن أهمية هذه السيرة في أنها قصة نجاح،
بل في أنها تذكير بسيط وقاسٍ في آنٍ معًا:
الانكسار قد يكون محطة، لكنه لا يجب أن يكون هوية