|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

بيان صالح
!--a>
2026 / 3 / 2
بغضب عارم يشتعل في صدورنا وبإصرار لا ينكسر، ننعى اغتيال المناضلة والقائدة النسوية واليسارية الجسورة ينار محمد، رئيسة منظمة حرية المرأة في العراق، التي امتدت إليها يد الظلام في بغداد صباح الثاني من آذار 2026، ظنا منهم أن الرصاص قادر على إخماد نار النضال النسوي والتحرر. أقدم مسلحان على دراجتين ناريتين على إطلاق النار عليها أمام مكان إقامتها في منطقة الشعب، في جريمة يعرف جميعنا من يقف خلفها.
إن اغتيال ينار جريمة سياسية مكتملة الأركان تستهدف الحركة النسوية واليسارية وكل صوت يطالب بالعدالة والمساواة. هو إعلان حرب على النساء الحرائر وعلى كل من يرفض الخضوع لسلطة القمع والطائفية والذكورية المتوحشة.
ينار: فكرة تجسدت في إنسانة
كانت ينار تمثل فكرة عميقة في صلب الصراع الطبقي والاجتماعي. فكرة أن تحرر النساء قضية مركزية في مشروع العدالة. فكرة أن لا مساواة حقيقية من دون تفكيك بنية العنف الذكوري التي تحميها السلطة السياسية والدينية والعشائرية. فكرة أن الاشتراكية من دون نسوية تبقى ناقصة، وأن النسوية التي لا تواجه الاستغلال الطبقي تبقى محدودة الأثر.
فتحت ينار أبواب منظمتها لعشرات الفتيات العراقيات اللواتي لجأن إليها هربا من العنف الأسري والاجتماعي، وتمكنت كثير من النساء بمساعدتها من الخلاص من قبضة الإجبار على الزواج والحرمان من التعليم والحقوق. لم تكن منظمتها مجرد مكتب حقوقي نسوي يرفع تقارير ويصدر بيانات، بل كانت خنادق حياة يومية تستقبل نداءات استغاثة من مئات النساء سنويا ممن يعانين من عنف مفرط تصعب معه حياتهن.
استهدفوها لأنها كانت خطرة على الظلم
استهدفوها لأنها فضحت العنف وكشفت شبكات الاتجار بالنساء وفتحت أبواب البيوت الآمنة لمن أقصاهم المجتمع. استهدفوها لأنها كانت تقول ما لا يريد أحد سماعه: أن وضع المرأة العراقية في تراجع مستمر منذ عقود، وأن الاحتلال والإسلام السياسي وجهان لعملة واحدة في إنتاج الاضطهاد. رأت ينار أن الغزو الأمريكي أحال الشوارع العراقية إلى مناطق بلا نساء، وفضحت زيف الادعاء بوجود خيارين لا ثالث لهما: إما الاحتلال وإما الإسلام السياسي، مؤكدة أن الخيار بينهما يعني حياة غير حرة وغير آدمية.
واجهت منظمتها حملة من الإعلام الرسمي وصفتهم بـ"أولئك الذين يحقرون المرأة العراقية"، لأنها جاهرت بقضية الاتجار بالنساء وطالبت الدولة بالاعتراف بالضحايا وتوفير حمايتهن. هذا هو نمط معروف: حين تفضح الجريمة يهاجم من يفضحها، وحين يصمت على القتل تتهم من تطالب بالعدالة بالإضرار بالسمعة الوطنية.
أرادوا إخافة المناضلات والمناضلين وإعادة النساء إلى قفص الصمت. تجاهلوا حقيقة أن صوت ينار لم يكن صوتا فرديا. كان صدى عشرات آلاف النساء اللواتي تعلمن منها أن الحرية تنتزع ولا تمنح.
المناخ الحاضن للجريمة: السلطة شريكة في الدم
تتحمل الحكومة الطائفية القومية الذكورية في العراق مسؤولية سياسية وأخلاقية مباشرة عن المناخ الذي أنتج هذه الجريمة. نظام المحاصصة الذي كرس الانقسام الطائفي والقومي وحمى الميليشيات وغض الطرف عن خطاب الكراهية والعنف ضد النساء هو البيئة الحاضنة لاستهداف المدافعات عن الحرية.
هذا المناخ لا ينتج العنف بالصدفة، بل يصنعه بشكل ممنهج عبر ثلاثة مسارات متشابكة: أولها المنبر الديني الذي يكرس صورة المرأة كائنا قاصرا يحتاج إلى وليّ يحكم عليه ويقرر عنه. وثانيها الإعلام الذكوري الذي يشوه صورة الناشطات ويصورهن عدوات للدين والأسرة ، فيمنح بذلك القتل مسوّغا أخلاقيا في عقول المنفذين. وثالثها منظومة الإفلات من العقاب التي تحمي الميليشيات وتجعل الاغتيال السياسي أداة مجانية لا ثمن لها.
حين يتم التحريض على النسويات وتشويه سمعتهن من دون محاسبة، فإن الرصاص يصبح امتدادا لذلك التحريض. القاتل ينفذ ما تشرعه ثقافة الكراهية المنتجة يوميا في المنابر والشاشات والمساجد.
الإفلات من العقاب: شراكة في الدم
ندين هذه الجريمة الجبانة ونطالب بكشف القتلة ومحاسبتهم علنا. وجه وزير الداخلية العراقي بتشكيل فريق تحقيق مختص لمعرفة ملابسات الجريمة، وهذا إجراء نرحب به شكلا، غير أننا لن ننسى أن عشرات المدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان والمرأة قتلوا في العراق قبل ينار دون أن يكشف عن قتلتهم حتى اليوم. الإفلات من العقاب ليس قصورا في الجهاز القضائي وحسب، بل هو رسالة سياسية مقصودة مفادها: يمكن قتل المناضلات والمناضلين ولن يحاسب أحد.
لا عدالة في وطن تغتال فيه المناضلات فيما تستمر البنى الطائفية والذكورية في إعادة إنتاج العنف. حماية الناشطات والناشطين واجب سياسي لا يقبل التسويف، ولا يقبل فيه الاكتفاء بتشكيل لجان تحقيق تحفظ ماء الوجه وتطوي الملفات.
الفكرة التي لا تموت
الرصاص يخترق الجسد. الفكرة تبقى. ولدت ينار محمد في بغداد وعرفت بمقولتها الدالة: "نحن النساء القادرات على معرفة ما هو الأفضل لنا ولعوائلنا ولمجتمعاتنا". هذه الجملة البسيطة هي في جوهرها ثورة كاملة ضد كل منطق الوصاية والإقصاء الذي يحكم المرأة في سياق طائفي أبوي يدعي أنه يحميها بينما هو يسجنها.
الفكرة التي زرعتها ينار — فكرة التحرر والمساواة الكاملة للمرأة والغد الاشتراكي — ستتجذر أكثر. ستتحول إلى فعل جماعي، إلى حركة نسوية أكثر وضوحا في مواجهة العنف والتمييز والاستغلال والنظام الذي يغذيه. لأن كل مناضلة سقطت في تاريخ النضال النسوي الإنساني لم تخمد الحركة، بل أشعلت فيها غضبا أعمق وإصرارا أقوى. رصاصة واحدة لا توقف حركة. توقد فيها قناعة جديدة: أن ما كانت تقاتل من أجله يستحق التضحية.
نعم لثورة النساء
ثورة تربط بين تحرير المرأة وتحرير المجتمع من الطائفية والاستبداد والفساد. ثورة تؤكد أن لا مساواة حقيقية ما دام الدستور الطائفي يعلي الشريعة على القانون المدني، وما دامت المرأة في العراق تفقد حقها في الحضانة والزواج والطلاق والميراث بقرارات رجال الدين لا بإرادة القانون المدني المتساوي. ثورة تؤكد أن تحرر المرأة معيار لتقدم المجتمع وتطوره.
اليوم نحن أمام لحظة فارقة: إما أن تنكسر الحركة تحت وطأة الصدمة، وإما أن تعيد تنظيم نفسها وترفع يدها أعلى. نحن نختار الثانية. نحن نختار الغضب المنظم لا اليأس العاجز. نحن نختار الاستمرار حتى يصبح اسم ينار محمد مرجعا لكل فتاة عراقية تتعلم معنى المقاومة.
لن يخنقوا أصواتنا. سنرفعها أعلى. لن نخاف. لن نصمت. لن نساوم على حرية النساء.
ينار لم تمت. الموت يطال الأجساد، أما من زرعت الحرية في قلوب الآلاف فهي تمشي بيننا كلما رفعت امرأة صوتها ورفضت الصمت.
________________________________________
ينار محمد (1960 — 2 آذار 2026): مهندسة معمارية، مؤسسة منظمة حرية المرأة في العراق، رئيسة تحرير جريدة المساواة، حامية مئات النساء في البيوت الآمنة، صاحبة جائزة غروبر لحقوق المرأة 2008، وجوائز دولية أخرى، سقطت برصاص الظلام ولن يطفئ الظلام ما أشعلته.
https://en.wikipedia.org/wiki/Yanar_Mohammed
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|