اغتيال ينار محمد: حين يُستهدف صوت الحرية و المساواة في قلب بغداد



نزار عقراوي
2026 / 3 / 3

نزار عقراوي

صبيحة الثاني من آذار/مارس 2026، استفاق العراقيون على نبأ صادم: اغتيال الناشطة النسوية الاشتراكية ينار محمد داخل منزلها في بغداد. لم يكن الحدث جريمة سياسية عابرة، بل محطة دامية في مسار صراع طبقي واجتماعي طويل بين مشروعين متناقضين: مشروع تحرري مساواتي يربط خلاص المرأة بثورة اشتراكية شاملة، ومشروع رأسمالي–طائفي ديني يسعى إلى إعادة إنتاج الهيمنة بأشد أشكالها قسوةً وتخلفاً.

أيقونة نسوية في مواجهة العصور المظلمة

على مدى أكثر من ثلاثة عقود، شكّلت ينار محمد أحد أبرز وجوه الحركة النسوية التحررية في العراق. بصفتها مؤسسة وقائدة منظمة حرية المرأة في العراق، لم تكتفِ بالدفاع النظري عن حقوق النساء، بل خاضت معارك ميدانية يومية: تنظيم التظاهرات، إنشاء دور إيواء للنساء المعنفات، وفضح البنية الطائفية الذكورية التي تحكم المجتمع والدولة بعد 2003.

كانت الناشطة النسوية العراقية الاشتراكية الوحيدة التي ألقت خطاباً عن أوضاع المرأة في العراق داخل مقر الأمم المتحدة، ناقلةً صوت العراقيات إلى منابر العالم، ومؤكدة أن قضية المرأة ليست شأناً "ثقافياً" أو "دينياً" معزولاً، بل مسألة تحرر اجتماعي جذري.

الجذور الطبقية للعداء

من منظور ماركسي، لا يمكن فهم هذا الاغتيال خارج إطار الصراع الطبقي. فالنظام الذي تكرّس بعد الاحتلال الأميركي–البريطاني عام 2003 لم يكن مجرد تغيير سياسي، بل إعادة هندسة للمجتمع على أسس طائفية–رأسمالية. جرى تفكيك البنى المدنية والعلمانية، وصعدت قوى الإسلام السياسي الشيعي والسني على أنقاض الدولة، مدعومة بسلطة رأس المال المحلي والعالمي.

هذا التحالف بين الرأسمالية الطفيلية والطائفية الدينية احتاج إلى أدوات أيديولوجية لضبط المجتمع:
- تكريس سلطة الرجل داخل العائلة.
- إخضاع النساء باسم "الشريعة" و"الهوية".
- تحويل الفقر والبطالة إلى قدرٍ أخلاقي لا نتيجة استغلال طبقي.

من هنا يتولد ذلك الحقد العنيف تجاه كل فكرة مساواتية. فالدعوة إلى تحرر المرأة تعني عملياً تقويض البنية الذكورية التي تشكل ركيزة إعادة إنتاج النظام الطبقي. والدعوة إلى الاشتراكية تعني تهديد الملكية والامتيازات والسلطة.

معركة القانون الجعفري

كانت ينار محمد في طليعة من تصدوا لما عُرف بـ"القانون الجعفري"، الذي يجيز تزويج الطفلات بعمر التاسعة ويقيّد حقوق الأمهات في الحضانة والطلاق. لم تعتبره مجرد تعديل قانوني، بل هجوماً طبقياً–ذكورياً على أجساد الفتيات الفقيرات تحديداً، إذ غالباً ما تُدفع الطفلات في البيئات المعدمة إلى زيجات قسرية تكرّس الفقر والتبعية.

قاد هذا الموقف إلى حملة شرسة ضدها من قوى دينية شيعية نافذة، رفعت دعاوى قضائية متعددة ضدها، واتهمتها بـ"محاربة الشريعة". لكنها أصرت على أن تحرير المرأة لا يمكن أن يتم ضمن إطار قوانين طائفية، بل عبر دولة مدنية علمانية تنحاز للطبقات الكادحة.

بين الميليشيات وداعش: موقف مبدئي لا يساوم

في زمن تمدد الميليشيات الطائفية وصعود تنظيم داعش، اتخذت ينار موقفاً مبدئياً ضد الطرفين، معتبرةً إياهما وجهين لعنفٍ رجعي واحد. لم تنخدع بشعارات "المقاومة" الطائفية، ولا خضعت لابتزاز التخويف من الإرهاب. في المؤتمر الأخير لمنظمتها، جددت التأكيد على رفض عسكرة المجتمع، وعلى أن سلاح النساء هو التنظيم والوعي، لا الالتحاق بمحاور قمعية جديدة.

معركة دور الإيواء

واحدة من أعنف معاركها كانت دفاعها عن دور إيواء النساء والبنات المعنفات. طالبت سلطات طائفية وميليشيات شيعية مراراً بتسليم هذه الدور إلى أجهزة الدولة أو إغلاقها، بحجة "حماية الأخلاق". رفضت ينار ذلك رفضاً قاطعاً، معتبرةً أن تسليم النساء الهاربات من العنف الأسري إلى سلطة متواطئة مع الجناة هو حكمٌ بالإعدام.

تحولت القضية إلى نزاع قضائي طويل، لكنها واصلت إدارة الملاجئ رغم التهديدات، مؤكدة أن حماية النساء واجبٌ ثوري قبل أن يكون عملاً خيرياً.

لماذا كل هذا الحقد؟

الحقد الذي تكنه المنظومة الرأسمالية الطائفية والأحزاب الدينية، خصوصاً الإسلامية الشيعية، تجاه ينار محمد وأمثالها، ليس شخصياً. إنه خوف طبقي.
- خوف من وعي نسوي يربط اضطهاد المرأة بالاستغلال الرأسمالي.
- خوف من حركة نسائية مستقلة ترفض أن تكون ملحقة بأحزاب السلطة.
- خوف من مشروع اشتراكي يفضح الطائفية كأداة تقسيم للطبقة العاملة.

حين تربط ناشطة بين تحرير المرأة والثورة الاشتراكية، فهي لا تطالب بإصلاحات جزئية، بل تطرح بديلاً جذرياً. وهذا ما لا تستطيع قوى الهيمنة احتماله.

إرث لا يُغتال

اغتيال ينار محمد محاولة لإرهاب النساء وإسكات الصوت الاشتراكي النسوي. لكنه، في ميزان التاريخ، يكشف هشاشة النظام الذي يخشى امرأة أعزل سلاحها الوحيد هو الكلمة والتنظيم.

ستبقى ينار محمد أيقونة عالمية للنضال النسوي التحرري، ورمزاً لربط قضية المرأة بالصراع الطبقي. وفي عراقٍ أنهكته الطائفية والفساد، يظل السؤال مفتوحاً: هل يمكن أن يتحقق تحرر النساء دون تحرر المجتمع بأسره من الاستغلال؟

الإجابة التي كرست حياتها من أجلها كانت واضحة: لا مساواة حقيقية بلا اشتراكية، ولا حرية للمرأة في ظل نظام يقوم على القهر الطبقي والطائفي.