|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

حامد فضل الله
!--a>
2026 / 3 / 6
بين قصر الدموع وسقوط الجدار: سيرةُ عبورٍ لا ينتهي
Eka Neumann إِيكا نُويْمان
تقديم وترجمة حامد فضل الله - البرليني
مارس 2026
________________________________________
مدخل
استقبلتُ إيكا نُيْومان في منزلي ذات مساء هادئ، وكانت تحمل في عينيها بريق الباحثة عن الحكايات التي لم تُروَ بعد. قالت إنها وصلت إليّ عبر كتابيَّ الصادرين بالألمانية، وإنها تعمل على كتاب يتناول سِيَر الأجانب الذين عاشوا في جمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة، وترغب أن أكون أحد الأصوات التي يضمّها عملها. رحّبتُ بها شاكرًا ومشجّعًا، فالمشترك بيننا ليس مجرد جغرافيا، بل ذاكرة كاملة من العبور والاقتلاع وإعادة التشكل.
ؤلدت إيكا نيومان عام 1968 في لايبزيغ، جمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة، سمراء، رشيقة القوام، أنيقة الحضور، تتكلم بثقة لا تعرف الغرور. درست علم الاجتماع في جامعة برلين الحرة، وتعمل اليوم كمدربة في مجال إدارة النزاعات ومُحاورة للجلسات.
وبعد جلستين أهدتني نصاً قصيرا، قالت إنه مدخل لكتاب أخر سيصدر قريبا، يتناول الحياة المتنوعة في جمهورية ألمانيا الديمقراطية
أقدّم هنا ترجمةً مكثفة لذلك النص، مع إعادة صياغة تحاول أن تنقل روحه إلى القارئ العربي، لا بوصفه سردًا لذكريات شخصية فحسب، بل تأمّلًا في معنى التحوّل، والهوية، والحرية.
________________________________________
إلى النص
أجلس وأغرق في التفكير: ما هي نقطة التحوّل؟
أهي لحظة خاطفة تغيّر مسارنا بهدوء، أم زلزال يهزّ حياتنا من جذورها؟
في حياة إيكا كانت هناك تحوّلات صغيرة: فكرة تنضج فجأة، إدراك يتبلور، قرار داخلي بأن شيئًا ما يجب أن يتغيّر. وكانت هناك تحوّلات كبرى، واضحة كالفاصل بين فصلين من كتاب. لكن ثمة يومًا بعينه انطبع في ذاكرتها كختم لا يُمحى: يوم مشمس من تموز/يوليو 1982، في حي برينسلاور بيرغ في برلين الشرقية، عاصمة جمهورية ألمانيا الديمقراطية.
أربعون حقيبة كرتونية متينة، أكبر ما كان متاحًا آنذاك، مصطفّة كأنها شهود صامتة على حدث جلل. لم تكن رحلة عادية؛ كانت مغادرة وطن. الأم، والابنة الكبرى التي لم تبلغ الرابعة عشرة بعد، والأخت الصغرى. خلفهنّ طفولة كاملة: مدرسة، رقص، صداقات، كتب تُقرأ في غرفة جلوس دافئة، وأحلام بسيطة.
لكن تلك الطفولة لم تكن بريئة تمامًا.
إيكا سوداء، ألمانية من أصول أفريقية. والدها نيجيري جاء إلى لايبزيغ في أواخر الستينيات ثم غادر مبكرًا. كبرت في مجتمع اشتراكي يرفع شعارات المساواة، لكنه يهمس بالعنصرية في الشوارع. كانت تُحدَّق فيها العيون، وتُلمس خصلات شعرها دون إذن، وتُرمى عليها نعوت جارحة. ما عاشته لم يكن استثناءً؛ كان قدر آلاف الأطفال السود.
في نظام جمهورية ألمانيا الديمقراطية لم تكن الكفاءة وحدها كافية. ارتباط والدها بـ"الغرب" جعل حلم دراسة الطب يبدو بعيد المنال. كانت المستشارة المهنية تقترح عليها أن تصبح ممرضة "خيارًا عمليًا". وكأن المصير يُكتب بالحبر الرسمي قبل أن تنضج الرغبة.
أمها لم تكن ترى خللًا في المثال الاشتراكي نظريًا، لكنها عاشت التناقض عمليًا: أم لطفلتين سودانيتي البشرة، تكافح يوميًا ضد عنصرية صامتة، وتُمنع من الزواج من صحفي من جمهورية أفريقيا الوسطى. كتبت طلبات رسمية لا تُحصى، بعضها موجّه مباشرة إلى رئيس مجلس الدولة آنذاك إريك هونيكر
لم تتلقَّ جوابًا.
بدأت سنوات المراقبة: عناصر الـ"شتازي" (جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية ــ المترجم) يلوح حضورهم في الشوارع، مكالمات تُعترض، رسائل تختفي، وخوف دائم من السجن ومن أن يُنتزع الأطفال إلى دور الرعاية. ومع ذلك كانت الأم تردّد: "سأنجح وسأغادر هذه البلاد".
ست سنوات من الانتظار.
ثم جاء اليوم.
عند معبر فريدريششتراسه، المعروف بـ«قصر الدموع»، ودّعوا الأهل والأصدقاء. الحقائب تُفتح للتفتيش، القلوب ترتجف، وكل شيء يسير بسرعة غريبة. وفجأة أصبحت ألمانيا الشرقية خلفهم.
ركبوا المترو نحو محطة كوخشتراسه، ثم إلى مركز الاستقبال في مارينفيلده في برلين الغربية. هناك بدأ فصل جديد: عالم ملون، إعلانات صاخبة، متاجر براقة، ووجبة أولى في برغر كينغ قرب محطة زو. دهشة الطفلة لم تكن استهلاكية فقط؛ كانت دهشة رؤية تنوّع بشري لم تعرفه من قبل: عائلات سوداء وآسيوية تعيش بثقة، بلا نظرات متطفلة.
وبعد ذلك، انتقلنا إلى تسهلندورف لحضور المهرجان الشعبي الأمريكي ــ الألماني:
ما رأته! أضواء الألعاب المبهرة، الضحكات، الحركة، وكل شيء ينبض بالحياة… لكن أكثر ما أسر قلبي كان الناس! كم كان مذهلاً أن أرى هذا التنوع الكبير من العائلات، بينهم الكثير من السود والآسيويين، يستمتعون بحياتهم بثقة وطبيعية، دون أي قيود. يا دهشتي! شعور لا يوصف!
لكن الحرية لا تلغي التحدي.
العنصرية هنا لم تكن صريحة؛ كانت خفية، ملساء، تبتسم أحيانًا. مُنعت في مركز الإقامة المؤقتة زيارات أصدقاء الأم بحجج الأمن". وفي البحث عن شقة، اكتشفت الأم أن اصطحاب طفلتين سوداويين إلى المعاينة يجعل الشقة "تُؤجَّر فجأة" لغيرهم.
في المدرسة الغربية، كان عليها أن تتعلم لا اللغة الأجنبية فقط، بل أسلوب التفكير: التحليل بدل الحفظ، النقاش بدل التلقين. جاءت من عالم بقيم مختلفة، إلى عالم قريب جغرافيًا، بعيد روحيًا. احتاجت سنوات لتقول في سرّها: "لقد وصلت".
ثم، في 9 نوفمبر 1989، سقط الجدار.
البلد الذي أُغلق خلفها عاد يقتحم حياتها. آلاف من مواطني الشرق يتدفقون كل عطلة أسبوع. شعور بالازدحام، بالتهديد، بانبعاث توترات قديمة. في شوارع كرويتسبرغ صرخ البعض: "لقد عدنا، يمكنكم الرحيل". كان "نحن" و"أنتم يُعاد رسمهما بلون البشرة.
تلت ذلك سنوات عُرفت بسنوات "مضارب البيسبول*"، حيث تصاعد العنف العنصري في مدن الشرق والغرب على السواء. في إيبرسوالده قُتل العامل الأنغولي أنطونيو أَماديو في روستوك- ليشتنهاجن، اندلعت اعتداءات على مساكن الأجانب عام 1992 في أحداث روستوك-ليشتنهاجن. كانت تلك الأعوام اختبارًا قاسيًا لفكرة "ألمانيا الواحدة".
________________________________________
تعود إيكا إلى سؤالها الأول:
ما الذي يصنع حياتنا؟ أهي القرارات الكبرى، أم التفاصيل الصغيرة التي تتراكم كحبّات رمل تصنع شاطئًا؟
نقطة التحوّل ليست حدثًا منفردًا، بل شبكة لحظات: حقيبة تُغلق، رسالة تُكتب، باب يُفتح، جدار يسقط
والهُوية ليست معطًى ثابتًا، بل عبورٌ دائم بين أمكنة الذاكرة وأمكنة الإمكان.
تلك ليست سيرة مغادرة فحسب، بل سيرة بحث عن مكان في عالم يبدّل حدوده باستمرار. إنها حكاية أن تكوني سوداء في برلينين، وأن تحملي وطنك في أربعين حقيبة، ثم تكتشفي أن الوطن ليس حيث وُلدتِ، بل حيث تستطيعين أن تكوني نفسكِ بلا خوف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مضارب البيسبول:*
يُستخدم هذا المصطلح في ألمانيا لوصف فترة التسعينيات (خصوصًا بعد إعادة توحيد ألمانيا) التي شهدت انتشار العنف
اليميني المتطرف واعتداءات النازيين الجدد على المهاجرين والأجانب، حيث كان مضرب البيسبول رمزًا لذلك العنف
المصطلح ارتبط خصوصًا بأحداث عنف في مناطق من شرق ألمانيا بعد سقوط جدار برلين.
حاشية:
لم يحتوِ النص على "عنوان"، فاخترت العنوان أعلاه حيث يتفق مع مسار النص.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|