منيرة ثابت.. أول صحافية نقابية في مصر



فهد المضحكي
2026 / 3 / 7

منيرة ثابت (1967-1906) هي أول محامية مصرية. تشير سيرتها الذاتية إلى أنها وُلدت لأب مصري يعمل بوزارة الداخلية وأم تركية، درست في مدرسة إيطالية بالقاهرة تعلمت فيها مبادئ اللغة الإنجليزية والإيطالية، ثم التحقت بمدرسة ابتدائية حكومية، وفي عام 1924 حصلت على الشهادة الثانوية لتقرر بعدها الالتحاق بمدرسة الحقوق الفرنسية التي كانت تعمل آنذاك في القاهرة، وتمنح شهاداتها من باريس، وبالفعل حصلت منها على ليسانس الحقوق لتصبح أول محامية عربية.

في مقالٍ نُشر على موقع المرصد المصري للصحافة والإعلام (EOJM)، يذكر أنها لم تكتفِ بسبقها الذي حققته في مجال المحاماة فاقتحمت العمل الصحفي، صحيح أنها لم تكن أول مصرية تكتب في الصحف ولم تكن أيضًا أول مصرية تصدر مجلة أو جريدة، لكنها كانت أول صحفية نقابية وأول كاتبة سياسية، وأول رئيسة تحرير لجريدة سياسية، بالإضافة إلى كل ذلك تُعتبر من أبرز المساهمين في تأسيس أول نقابة الصحافيين المصرية.

بدأت عملها الصحفي في أثناء دراستها بمدرسة الحقوق الفرنسية، فكانت أول صوت يرتفع مطالبًا بحق المرأة في ممارسة الحقوق والواجبات السياسية كناخبة، وذلك من خلال مقالاتها الجريئة في الصحف التي انتقدت فيها الدستور المصري الصادر عام 1923، الأمر الذي أثار قلق الحكومة آنذاك، ودفع وزير المعارف إلى استدعاء ناظر مدرسة الحقوق الفرنسية ليطلب منه منع منيرة ثابت من الكتابة في السياسة، لكن ناظر المدرسة اعترض على ذلك، مؤكدًا أن مدرسته تسير على نهج مدرسة الحقوق في باريس، والمدرسة تمنح طلابها حق الكتابة بالصحف، ومعارضة الحكومة مهما كانت العواقب.

في السابعة عشر من عمرها اعترفت الدولة بمنيرة ثابت كصحفية، ونشرت جريدة الأهرام مقالاتها في عمود بعنوان «خواطر ثائرة»، فكتبت مقالين في مارس 1924، وهي في الثامنة عشر من عمرها وهما: «النساء والسياسة» و«النساء وحفلة البرلمان».

وفي صيف عام 1926 قُيد اسم «منيرة ثابت» كصحفية في النقابة الأهلية الأولى، التي تأسست في التوقيت نفسه، لذلك أطلق عليها لقب «عميدة الصحفيات المصريات»، ومنذ هذا الحين استمرت في العمل بالكتابة والخطابة، ثم أصدرت جريدتين الأولى سياسية أسبوعية تدعى «الأمل» وكانت تصدر باللغة العربية، والثانية يومية

صدرت باللغة الفرنسية وكانت تحمل اسم الجريدة الأسبوعية لكن بالفرنسية «Espoir»، واستطاعت من خلالها المطالبة بحق مصر في الحرية والاستقلال، وكان الصحفي المصري مصطفى أمين قد وصف هاتين الجريدتين بـ «القنبلة» لما اتسم به محتواهما من جرأة في تناول الموضوعات السياسية والنسوية، وكانت منيرة ثابت هي رئيسة التحرير في الجريدتين.
وكان لهذه الخطوات المتقدمة للأمام دائمًا في العمل الصحفي، الفضل في تمكين «ثابت» من منافسة كبار صحفيي عصرها مثل: فكري أباظة، وعبدالقادر حمزة الذي تزوجته لاحقًا.

وفي دفاعها عن بلدها ضد الاحتلال البريطاني، اشتهرت من بين وزراء مصر في النصف الأول من القرن العشرين بالمناضلة «ذات اللسان الطويل»، كما تم التحقيق معها في جريمة سب وقذف صحفي، بأمر من المندوب السامي البريطاني إلى رئيس الوزراء الذي حوله إلى وزير العدل، وكانت جريمتها مهاجمة «التدخل الأجنبي» في مصر، ودار المندوب السامي، والاستعمار البريطاني، وبذلك كانت منيرة أول فتاة عربية تقف أمام النائب العام

وهي دون السن القانونية، للتحقيق معها، الأمر الذي حاز على اهتمام وكالات الأنباء العالمية، وجاء على لسانها، تعليقًا على هذا الحادث «إنها تهمة لا أنفيها وشرف لا أدعيه»، وفي عام 1926 شهدت محكمة دار الخلق، الحدث التاريخي المتمثل في محاكمة صحفية بأمر من الاستعمار، وكانت هذه الصحيفة هي منيرة ثابت، لكن تم إعفاؤها من المسؤولية الجنائية باعتبارها حدث حيث كانت تبلغ من العمر 19 عامًا.

كان الزعيم سعد زغلول صديقًا لوالد منيرة وساهم في تشكيل تفكيرها حيث تأثرت به منذ نعومة أظافرها، لدرجة أطلقت عليه لقب «الزعيم السفوري الجليل»، وهي كلمة كانت ترمز لتحرر المرأة آنذاك أي أن سعد زغلول في رأيها كان من أشد الداعمين لتحرير النساء.

وكانت ترى «عميدة الصحفيات» أن المرأة لا بد أن يكون لها دور بارز في قضايا وطنها، وأن دورها لا يقل عن دور الرجل، واستمدت هذه القوة في المطالبة بحقوقها وبحقوق المرأة من أبيها وصديقه الزعيم سعد زغلول، حيث قالت في مذكراتها: «كان أبي وسعد زغلول من العوامل القوية التي دفعت بي مبكرًا لهذا الطريق، فقد تلقيت منهما الإيحاء الفكري والنفسي، فقد حدثني والدي كثيرًا في شؤون المرأة في مصر والخارج وذكر لي بصفة خاصة تاريخ حركة النساء في إنجلترا، وظل أبي يملأ رأسي بهذه الأفكار حتى كاد أن ينفجر، وقد تلقفني الزعيم

سعد زغلول وأنا في هذه الحالة سنة 1924، إذ اتصلت به وحضرت مجالسه وعطف عليّ وشجعني ثم أكمل تعبئة رأسي بالأفكار الباقية في ميدان السياسة والنهضة النسوية والاجتماعية». وتستطرد: «وما أن سمعت ذات يوم أن القوم يضعون دستورًا لمصر حتى أدركت أن الوقت قد حان لأن أتزعم حركة نسائية تشبه حركة نساء إنجلترا، فأخذت أكتب المقالات للصحف العربية والفرنسية، وكنت أبدي رأيي في شؤون مصر وبحق المرأة في الانتخابات وعضوية البرلمان». وبذلك كان كلا الزعيم سعد زغلول ووالد منيرة بمثابة قطبي الوحي الذي استلهمت منه المبادئ والقضايا التي ناضلت من أجلها طوال حياتها.

دافعت منيرة ثابت في جريدتها عن حقوق المرأة السياسية، حيث احتجت - قبل افتتاح أول برلمان مصري بتاريخ 15 مارس 1924 - على عدم وجود دور للمرأة المصرية في الانتخابات، وطالبت في أول خطاب تقدمه امرأة إلى البرلمان بضرورة مشاركة المرأة في الانتخابات، وبالفعل أجيب طلبها، ليكن لها الفضل في تمكين المرأة من المشاركة في الحياة السياسية حتى الآن.

وقادت «ثابت» حملة الدفاع عن المُعلمات في الزواج مع الاحتفاظ بوظائفهن، ونجحت هذه الحملة، حيث أقرت وزارة المعارف هذا الحق، ومن ثم تبنت «عميدة الصحفيات» قضية الدفاع عن حقوق المرأة بشكل عام وحقوق المرأة العاملة بشكل خاص، لاسيما بحق المرأة في التصويت، والانتخاب، وحقها الدستوري في عضوية جميع المجالس والهيئات النيابية، وكذلك المساواة المطلقة مع الرجل خاصة في العمل بالوظائف الحكومية، بل في الأعمال والوظائف الحرة أيضًا.

ومثلما عن حقوق المرأة السياسية دافعت أيضًا عن حقوقها الاجتماعية، حيث كانت ترى أن الرجل والمرأة يجب أن يكونا على قدم المساواة في الزواج والطلاق، فنادت بعدم تعدد الزوجات والاكتفاء بزوجة واحدة، كما طالبت بحق المرأة في الخلع والطلاق، على ألا ينفرد الرجل وحده بقرار الطلاق، وإنما يحكم به بناءً على رغبة أحد الطرفين على السواء على أن يقدم الطرف طالب الطلاق البراهين على إخلال الطرف الآخر بأحد واجبات الزوجية عمومًا، وإذا كان طلب الطلاق سببه الكراهية والنفور فعلى الطرف (الكاره) - إن كان الرجل - أن يدفع للطرف الآخر مع النفقة الشرعية تعويضًا مدنيًا، أما إن كان الطرف (الكاره) هو المرأة فتتنازل عن جميع حقوقها في ذلك، بالإضافة إلى ذلك، طالبت «منيرة» بإلغاء تعدد الزوجات، وحق المرأة في ميراث مساوٍ لأشقائها الذكور.


وفي مقابل ذلك، ازدادت «ثابت» جرأة وهي تتحدث عن حركة السفور، وخلع الحجاب في العشرينيات، الأمر الذي دفعها إلى القول: «السفور عنوان الشجاعة الأدبية والنزاهة والصراحة، وما زال يقابل بشيء من الاضطراب في نفس الرجل المطبوع بطابع القديم الذي لم يتعود في وجه المرأة على الصراحة والنزاهة».

وكانت هذه الجرأة الرائدة سببًا في خلافها مع الاتحاد النسائي بزعامة هدى شعراوي، والاتحاد النسائي كان يلتزم بالتركيز على قضايا تعليم المرأة، بينما كانت تصمم «ثابت» دائمًا على تمكين المرأة سياسيًا وحصولها على حق التصويت والانتخاب، واستمر هذا الخلاف لدرجة اتهام أعضاء الاتحاد النسائي لها بالجنون، وكانت منيرة ثابت تعتبر تخليها عن هذه القضايا سيحولها إلى مهرجة سياسية، وفي عام 1936 نجحت في استمالة الاتحاد النسائي إلى قضيتها، ليتم وضع الحقوق السياسية للمرأة على أجندة الاتحاد بعد أن ظلت تغرد خارج السرب وحدها لأكثر من عشر سنوات منذ أن كانت فتاة مراهقة في ربيع عمرها.

رغم إصدار الأزهر فتوى بتحريم تصويت المرأة، وترشحها إلى البرلمان في عهد الملك فاروق، استطاعت «ثابت» الترشح للبرلمان عام 1956، على مقعد الدائرة الثالثة بالقاهرة، واكتسحت الانتخابات، لكن كما تأتي الرياح دائمًا بما لا تشتهي السفن تم إلغاء نتيجة دائرتها، عقب قرار إخلاء الدوائر التي يوجد بها وزراء، إلا أن حلم نضالها تحول إلى حقيقة على يد راوية عطية أول برلمانية مصرية.

توقفت جريدة «الأمل» عن الصدور عام 1927، بسبب زواج رئيس تحريرها منيرة ثابت من الكاتب عبدالقادر حمزة، وبعدها تفرغت للمنزل تاركة مهنة الصحافة، لكنها سرعان ما انفصلت في هدوء لتعود إلى الصحافة مرة أخرى، لكن هذه المرة ضمن أسرة جريدة «الأهرام» بدعوة من رئيس تحريرها وقتئذٍ أنطون الجميل، لتصدر جريدة «الأمل» من جديد كمجلة سياسية شهرية أبدت من خلالها ثابت ثورة 23 يوليو 1952، لكن الجريدة أوقفت رسميًا بعد صدور قانون 1960 الذي نقل ملكية الصحف إلى الاتحاد الاشتراكي، لتتوقف منيرة ثابت بعد صدور هذا القانون عن العمل.

تعرضت منيرة ثابت إلى أزمة صحية أفقدتها بصرها، وسافرت على إثرها على نفقة الدولة، ليعود إليها بصرها عام 1964، ثم وافتها المنية في عام 1967، عن عمر يناهز 61 عامًا.
في كتابها «ثورة في البرج العاجي - مذكراتي في عشرين عامًا»، سطرت قصة كفاحها، لتخلد معركتها من أجل الدفاع عن حقوق المرأة.
بمناسبة يوم المرأة العالمي الذي يصادف غدًا، باقة ورد حمراء لفتيات ونساء بلادي، ولكل امرأة صنعت الأمل في هذا العالم.